القوة:

هل هناك "خيارات غير عنيفة" للتعامل مع المتطرفين بالشرق الأوسط؟

Trending Events - - الافتتاحية - د. محمد عبدالسلام المدير الأكاديمي أبوظبي، 28 فبراير 2015

المدير الأكاديمي

أحد الأسئلة التي يتكرر طرحها، خال الفترة الماضية في أكثر من عاصمة مؤثرة، وفي كثير من حلقات النقاش الأكاديمي، وتحاول تحليل التوجهات التي يمكن أن تشكل مستقبل المنطقة، هو: هل توجد بالفعل أي خيارات واقعية غير إكراهية أو غير عنيفة، يمكن أن تكون فعالة أو حتى "نصف فعالة" في التعامل مع الأطراف المتطرفة أو السياسات المتطرفة التي تحاول اجتياح الشرق الأوسط، من شرقه وشماله وجنوبه، وتضرب في مناطق أخرى في وسطه؟، في ظل تصورات بأنها يمكن أن تسقط الدول، أو تقيم خلافة، أو تهيمن على الإقليم.

يأتي ذلك في وقت تُكرر فيه حكومات دول ومراكز دراسات ووسائل إعلام شمالية غربية مقولة واحدة، وكأنها تقرأ من الكتاب نفسه، مضمونها أن سياسات المواجهة الحالية ستقود إلى مزيد من التطرف، وأن الحل هو العودة إلى ما تعتبره "السياسة"، التي تعني من وجهة نظرها "تقاسم السلطة" مع أطراف، لن تقبل – حسب تعبير الرئيس المصري- "إما أن تحكمنا أو تقتلنا"، وببساطة فإن من يتصورون إمكانية اللجوء إلى مثل هذه السياسات، يعيشون خارج الشرق الأوسط. البداية، هي أن أحداً لم يعد يهتم كثيراً بما يقال خارج المنطقة العربية، فهناك بالتأكيد متابعة لرياح الشمال الغربي، ومحاولة للتأثير عليها، أو تجنبها على الأقل، لكن هناك شعوراً، يستند إلى معلومات أو تحليلات، بأن كثيراً مما يثار بهذا الشأن هو نتيجة فشل كبير من جانب قوى عاتية، لبناء شرق أوسط متطرف "مسيطر عليه"، وهناك إدراك، بأنه إذا كان ثمة حل لمشكلات المنطقة، فإنه لن يأتي إلا من جانب دولها ذاتها، وأنه سيكون هناك ثمن لذلك، لكنه لن يكون أكبر مما كان من الممكن أن يدفع، لو انهار الإقليم فوق دوله وشعوبه، لتسيطر عليه التيارات المتطرفة. إن أحد المفاتيح الرئيسية لفهم اتجاهات التفكير الحالية في الإقليم يرتبط بجدال دائر حول "المواجهة العنيفة"، ففي الظروف الطبيعية، التي تتسم أوضاع الأقاليم وعلاقات الدول، بسيطرة التفاعلات المعتادة، والتي لا تخلو من خلافات واسعة ونزاعات محدودة، كان أي حديث عن استخدام القوة، أو توصية به، محاطاً بالمحاذير، أو محفوفاً بالمخاطر، طالما أن هناك خيارات أخرى، حتى لو لم تكن حاسمة. وتشكلت مع الوقت حكماً ذائعة، تستند إلى خبرات متكررة عميقة، لا يصح معها التجريب، تتلخص في أنه لا يجب استسهال استخدام القوة (المسلحة تحديداً)، فهي لا يجب أن تستخدم إلا كوسيلة أخيرة، عندما لا توجد خيارات أخرى. كانت أسباب سيطرة هذا التوجه واضحة، فمصطلحات القوة الباردة تقود إلى تعبير لا يتم النطق به هو "الحرب"، التي لا يريدها أي طرف مبدئياً، والتي يتم تداول مقولات تاريخية تحذيرية بشأنها، فأي طرف يمكن أن يبدأ حرباً بقرار منفرد لكنه لن يتمكن من إنهائها بقرار منه وحده حتى لو أراد، وأنه يجب التفكير في "ثمن" استخدام القوة، وهو كبير في كل الأحوال، بشرياً ومادياً، وأن أية عمليات حربية تطرح احتمالات اندفاع نحو نوع من الإفراط في الضرر والعشوائية في الأثر، مهما أُدِيرَت بشكل منضبط، ثم إنها قد تحل بالفعل مشكلة محددة مسبقاً، لكنها قد تخلق مشكلات أخرى، لا يمكن تحديدها مسبقاً. كانت أشكال كل حروب الفترة الماضية تقريباً، تسير أيضاً في اتجاهات تجعل من غير الممكن إدارتها، وفقاً لما يسمى في بعض الجيوش ب "الكتاب"، فلم تعد نظامية ولم تعد تقليدية، وكان أشهر تعبير استخدم لوصفها هو "الحروب غير المتماثلة"، التي تواجه خلالها قوات نظامية قوة غير نظامية، من خلال تشكيلات وتكتيكات مختلفة، بحيث لا يمكن توقع أية نتائج مسبقة لها، ويوجد دائماً مجال للمفاجآت فيها، قبل أن تبدأ مصطلحات جديدة في الظهور مثل "حروب الجيل الرابع" التي تدفع في اتجاه إحداث انهيارات داخلية عبر قلاقل وشائعات، مع تقدم حالياً في اتجاه "الحروب الإلكترونية"، فقد كانت الأمور تتعقد طوال الوقت. الحروب الرئيسية التي شهدتها المنطقة، كانت تضيف أيضاً خبرات معملية، تدفع في الاتجاه نفسه، فهي لم تكن تنتهي نهاية حاسمة، حتى إن مفهوم النصر فقد معناه، ولم يعد أي طرف في معركة، قادراً على الزعم بأنه انتصر فعلاً، إلا كدعاية موجهة لمسانديه، وساد تصور بأن ما قد تسفر عنه المواجهات لن يكون سوى مستويات من الهزائم، وحتى الحروب التي حققت أهدافاً عسكرية مؤثرة في بداياتها، واجهت بعدها معضلات ما بعد الموجة الرئيسية للحرب، كبناء دول تنهار مع انهيار جيوشها، واستعادة نظم في مجتمعات جربت بعض فئاتها "فوائد عدم وجود نظام". ويمكن الاستمرار إلى مديات أبعد في تحليل الصعوبات التي تحيط باستخدام القوة العنيفة، فكل ما سبق صحيح، لكن ماذا لو لم يكن هناك خيار آخر سوى المواجهة؟ لقد بدت المسألة لفترة طويلة وكأنها حسمت لصالح الحذر الشديد تجاه استخدام القوة في مواجهة التهديدات الإقليمية، إلا في حالات لم يكن لها حل، عندما قام صدام حسين بغزو دولة الكويت عام 1990، أو واجهت فيها الجزائر ومصر موجات إرهاب منظم في التسعينيات، وعبر عقود تم التركيز على الحلول الوسط، و"نظرية المباريات"، وأصبحت أشهر دورة تدريبية في المنطقة هي "إدارة الأزمات"، وسادت أحياناً مفاهيم مثل "تجنب المشاكل"، أو التدخلات المحدودة، ولم يكن

عمل إقليمي مؤثر يتم من دون ائتلافات متعددة الأطراف، فلم يكن هناك من يريد أن يغامر.

لم يكن هنا بأس من كل ذلك، فالإقليم لم يكن يواجه احتمالات انهيار هيكلية أو انجراف نحو الفوضى، ولم تكن معظم دوله تعاني مشكلات بقاء، وسادت حالة من الاحتراف في إدارة عدم الاستقرار، إلى أن بدأت بعض الدول تنقسم في 4 حالات تقريباً، وسط مواجهات محدودة، قبل أن تنفجر المنطقة عام 2011، لتبدأ الحركات العنيفة داخل الدول، وتتوغل أطراف داخلية لا حصر لها في استخدام القوة العنيفة، قبل أن يواجه الإقليم نفسه، هذه المرة، مشكلات تتطلب قرارات حادة. خال فترة الثورات العربية، كان هناك جدل داخل الدول حول قرارات استخدام القوة العنيفة، في مواجهة الاضطرابات الشعبية أو الانقسامات الداخلية، وحسمت الأمور في كل دولة، وفق خصائصها القومية، وطبيعة نظمها السياسية، وثقافة مؤسساتها العسكرية، ولم تكن هناك مفاجآت، فما حدث في تونس ومصر، وما حدث في كل من ليبيا واليمن وسوريا، يمكن أن يجد تفسيرات مقنعة، لكن أيضاً لم تتردد دول مثل تركيا أو إيران أو حتى دول عربية في اتخاذ قرارات حادة، بمبرر ما، أو لأسباب غير مفهومة، باستخدام القوة العنيفة. في الوقت الحالي، يواجه الإقليم المشكلة ذاتها، بفعل وجود تهديدات متعددة الأبعاد، عابرة للحدود، تهدد أمن ومصالح دول مختلفة، وهي مسألة كانت موجودة طوال الوقت، لكن سمتها الحالية، هي – عودة إلى النقطة الأساسية – أنه لا يبدو أن هناك خيارات سياسية غير عنيفة يمكن التعامل معها بها، وهنا مجموعتان من الأسئلة: 1- أسئلة تتعلق بالتيارات المتطرفة، فما الذي يمكن القيام به مع تنظيم مثل "داعش"؟ وما هي الخيارات المتاحة مع الحوثيين؟ وماذا تريد قاعدة اليمن؟ وما هو حل مشكلة الإخوان المسلمين بالضبط؟ وهل يمكن التفاهم مع التيارات الليبية المتطرفة؟ وماذا تفعل تونس "الديمقراطية" مع إرهابيين من النوعية التي تواجهها؟ وكيف يمكن حل مشكلة بوكو حرام وأنصار الدين؟ وهل يمكن إدماج الشباب في الصومال في العملية السياسية؟ وهل يمكن استتابة عناصر قاعدة الجزيرة العربية؟ 2- أسئلة تتعلق بالدول الراديكالية، والمثال الواضح هو إيران، فعلى الرغم من أن دولاً في الإقليم تتحرك طوال الوقت في اتجاهات داعمة لتيارات متطرفة، في ظل حسابات شديدة الخصوصية تتعلق أيضاً بتصورات لخرائط مختلفة أو مهام خاصة، ثبت أن تعديلاً محدوداً مؤقتاً في السلوك يمكن أن يحدث بالنسبة لهما، ولو على مدى زمني أطول، فإن إيران تبدو وكأنها تريد اجتياح الإقليم، ومحاصرة دوله، في ظل تصورات شديدة الشطط لموقعها في المنطقة. مرة أخرى، فالنقاش الحالي يدور حول الخيارات التي يمكن التعامل بها مع مثل تلك الحالات، وما إذا كان هناك مكان لما يسمى "الإدماج السياسي" أو الحلول الوسط، أو السياسة الواقعية، وغيرها، وهنا توجد إجابات محددة، فالرئيس التونسي قال إنه سيحارب "دون رحمة"، والرئيس المصري لا يذكر اسم "الإخوان" على لسانه أصلاً، وتتخذ الإمارات موقفاً شديد الصلابة، وتقوم الرياض بتحذيرات متكررة لطهران، ولم يعترف أحد بالحوثيين، واندفعت الأردن نحو المعركة، وتحاول قيادات مثل هادي وحفتر أن تقف في وجه طوفان، كما أن تحالفاً دولياً قرر تدمير "داعش"، على الرغم من أنه لا يقوم بذلك بالضبط، ويستند كل ذلك إلى حقائق واقعية موازية أيضاً بشأن استخدام القوة العنيفة، منها: 1- إن المقصود بمحاذير استخدام القوة (حتى لو كان اسمها الحرب) هو الأعمال الهجومية، فلا توجد أية محددات أو محاذير تتعلق بدفاع الدول عن نفسها، أو عن مصالحها الحيوية، بالقوة المسلحة، إذا فرض عليها ذلك، وقد قامت القوات الأردنية والقوات المصرية بما كان عليها أن تقوم به في سوريا وليبيا، عندما مستهما "داعش" بقسوة. 2- إن تغير شكل الحروب ذاته قد أدى إلى ظهور أشكال ومستويات متعددة من المواجهات، الأبعد ما تكون عن حروب القوات النظامية القديمة، فهناك قصف جوي وعمليات خاصة وحروب معلومات ومحاصرة تمويل، وغيرها من أساليب المواجهة التي تحقق نتائج مقبولة بثمن مقبول، لوقف التدهور على الأقل. 3- إن الدول أدركت أن المسألة لا تتوقف على ما تريده هي فقط، لكن ما يريده الطرف الآخر في الأساس، فالنوايا الحسنة قد تقود إلى الجحيم في مواجهة ميول هتلرية أو تترية، وبالتالي قررت بعض الدول أن انتظار وصول التهديد إلى الأبواب ليس استراتيجية رشيدة، وهو درس الحرب العالمية الثانية. وتشير التطورات الجارية في الإقليم، والتي يرصد هذا العدد من دورية اتجاهات الأحداث بعض مامحها، إلى تطورين مهمين، فإثر فترة من حساسيات الدول إزاء مهام الجيوش، وحساسيات الشعوب تجاه الخسائر البشرية، بدأت الأمور تنضبط، فمهمة الجيوش هي أن تحارب أو تستعد للحرب، وقوات الأمن شكلت لتحمي، أو تواجه الإرهاب، وقد سهلت الثقافة الاستراتيجية السائدة حالياً بشأن التحالفات العسكرية، بمن يرغب فيها، من مهمة تبني سياسات المواجهة، في حالة عدم وجود خيارات أخرى، لذا فإن الإقليم يشهد حالة من التأهب، استعداداً لتفاعلات حادة، على الرغم من وجود واقعية مؤلمة بشأن بعض مآسيه، كحالة سوريا. في النهاية، فإن أكثر الحقائق رسوخاً في دراسات الأمن، هي أن التغيرات الكبرى في التاريخ قد تمت من خال استخدام القوة أو التهديد بها، وما يبدو حالياً هو أنه لن يتم التمكن من تجنب حدوث ذلك في الشرق الأوسط، فهناك من يحاول إرساء حقائق أمر واقع على الأرض بالقوة، وسيكون هناك من سيعمل على نسف ذلك "دون رحمة"، لأنه ليس لديه خيار آخر.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.