فيت جيدليكا:

تصاعد تأثير ”الأفراد العاديين“ في الشؤون العالمية المدير الأكاديمي

Trending Events - - المحتويات - د. محمد عبدالسلام المدير الأكاديمي أبوظبي، 15 إبريل 2015

في منتصف أبريل 2015، قرر مواطن تشيكي "نصف عادي"، لا يزيد عمره كثيراً عن 30 سنة، استناداً إلى تصورات تستحق التحليل، إقامة دولة جديدة، خاصة به على مساحة 7 كيلومترات مربعة في منطقة غير مأهولة، متنازع عليها، بين كرواتيا وصربيا، أطلق عليها اسم "ليبرلاند"، وأعلن نفسه رئيساً لها، بعد أن صمم لها علماً وشعاراً، وموقعاً إلكترونياً، مشيراً إلى أنه سيصدر دستوراً وقوانين، وأنه لا يفكر في بناء جيش أو فرض ضرائب، لكنه سيمنح جنسية الدولة الخاصة لحوالي 5000 شخص، وبقية القصة معروفة.

بعض التفاصيل مهمة، فمن درسوا طوياً مفهوم الدولة، التي تتكون من أرض وشعب وحكومة وسيادة، أو صاغوا المعادلات المعقدة الخاصة بعناصر قوة الدولة، أو خاضوا جدلاً حول ما إذا كانت الدولة هي الفاعل الوحيد في النظام الدولي، كان يمكنهم أن يعتبروا ما قام به السيد جدليكا "نكتة استراتيجية" في مرحلة انفات يمر بها العالم، لكن رد فعل أعداد كبيرة من البشر، وطريقة تناول وسائل إعام رئيسة لذلك، حولها إلى قضية، لدرجة أن إحدى وزارات الخارجية في المنطقة العربية، رأت أن تحذر مواطنيها من التفاعل مع " ليبرلاند".

هذا هو الواقع، ففكرة "الفاعل الفرد"، الذي يمكن أن تتجاوز تأثيرات ما يقوم به ذلك النطاق المعتاد له، ليست جديدة على الإطاق، بداية من عدم تصديق جوزيف ستالين بأن "بابا الفاتيكان" يمكن أن يكون شخصاً مؤثراً، متسائاً عن عدد الجنود الذين يمتلكهم البابا، وصولاً إلى تصورات واقعية بشأن تأثيرات شخصيات، مثل جورج سوروس في مجال الاقتصاد، أو بيل جيتس في مجال تكنولوجيا المعلومات، أو روبرت ميردوخ في مجال التأثير الإعامي، وقد قدمت اجتهادات مماثلة حول شخصيات في المنطقة العربية، توضح أنه أصبح هناك "فاعل فرد".

لقد تعاملت الأكاديميا مع تلك المسألة بشكل عملي للغاية، فقد تم الإقرار بوجودها، لكن – كالعادة - مع محددات صارمة، تشير إلى أن هؤلاء الأشخاص ليسوا عاديين، فهم يمثلون شركات كبرى أو مؤسسات ضخمة، تتجاوز أرباحها أو أذرعها ما لدى دول صغيرة مختلفة في العالم، وبالتالي يتعلق الأمر بكيانات أكبر ممن يديرونها، إلا أن تطورات تالية، أضافت أبعاداً اقتربت بها من مساحة الأفراد، حتى لو لم يكونوا بالضبط عاديين، منها: 1- دخول وسائل إعام، ومؤسسات اقتصادية، بقوة إلى الساحة لتصدر قوائم سنوية، كقائمة مجلة تايم، بشأن الشخصيات ال 100 الأكثر تأثيراً في مسار التفاعات حول العالم، استناداً إلى معايير مختلطة بشدة، تتراوح بين قوة السلطة وقوة الأفكار، وبينهم شخصيات عادية جداً، قبل أن يصبحوا كذلك، ويتعلق الأمر في تلك الحالات بالتأثير أو التميز، مع منحى إيجابي نسبياً. 2- ظهور عقول خطرة، وفق مسمى سائد لأفام وكتب مختلفة، تفرز أفكاراً شديدة الانحراف، أو تقوم بأعمال شديدة الشطط، تؤدي إلى صدمات حقيقية في ظل تفكك أنساق القيم في بعض دول المنطقة العربية، ويمكن رصد 60 نموذجاً لها خال شهرين فقط، ولم يكن الأمر يتطلب سوى مقالة صحفية أو برنامج تلفزيوني، قبل أن يبدأ الصخب، ويتحول الموضوع إلى خانة الأكثر قراءة أو مشاهدة. إن الفكرة الأساسية هي أن الأشخاص العاديين، الذين يمتلكون توجهاً وقدرة ما بالطبع، يمكن أن يؤثروا بشدة في مسار النمط المعتاد للتفاعات في نطاق دولة أو منطقة أو حتى عالمياً. وهنا يمكن التمييز بين نمطين:

الأول، رجل الشارع، فقد صدرت دراسات لا حصر لها حول الكيفية التي يمكن أن يؤثر بها الإنسان العادي – طالما كان ضمن حشد واسع النطاق - في توجهات أكبر مما يمكنه أن يتخيله، فالحشد يكسب أطرافه قوة حقيقية أو وهمية، أدت إلى بروز تعبيرات، مثل سياسات الشارع، التي يتخيل المحتشدون في إطارها أنهم هم الذين يجب أن يتخذوا القرار ويتابعوا تنفيذه، وأن يغيروا قواعد اللعبة في الوقت الذي يرونه، وقد تفاعلت بعض الدول معهم على نحو الذي أفرز مفهوماً مثل "الشعبوية". لكن الحشود لا تتشكل إلا في حالات خاصة من الاختالات، التي لا تتم في كل دولة، ولا تحدث سوى كل عدة عقود، وقد لا تحدث أصاً، فهي ترتبط بحالات استثنائية، يصعب القياس عليها، قبل أن تتم العودة إلى الأطر المنضبطة الخاصة بما كان يسمى عادة "الرأي العام".

الثاني، الرجل العادي، ففي العصور السحيقة التي تعود لأكثر من 200 سنة مثاً، كان الفرد العادي مجرد رقم، لا يتم الاهتمام به ولا يمكنه أن يقوم بأي شيء وحده، إذ كانت التأثيرات ترتبط بكيانات كبرى مثل الجيوش، إلا في تلك

الحالات التي قرر فيها شخص عادي أن يرتكب "عماً" يؤدي بالفعل إلى إحداث تغيير في التاريخ، قبل أن يقوده ذلك إلى كرسي أو قبر. وهناك كتابات لا نهاية لها حول أشخاص قاموا بأعمال أدت إلى تحولات كبرى، لكن استقر الأمر على أن هؤلاء كانوا يمثلون مجرد "شرارة" في حالة وجود أوضاع يمكن أن تقود إلى حريق، أما عندما لا يتوفر ذلك، فإن ما تم القيام به " فردياً" كان يشير إلى اختالات عقلية أو ميول إجرامية.

كانت الأكاديميا تاحق هذه الفئات طوال الوقت، وتحاول كما هي العادة أيضاً، أن تضع لها مصطلحات أو تطرح بشأنها نظريات، وقاد ذلك إلى بلورة الكثير من الأفكار التي تتعلق بتأثيرات أشخاص لن يصبحوا بعد القيام بما قد يقومون به، عاديون، على غرار ما يلي: 1- الذئاب المنفردة، فقد عرفت أعمال الإرهاب عبر تاريخها أشكالاً تقليدية لا حصر لها من "الفاعلين"، من جماعات وتنظيمات ثم ميليشيات، وكان بعضها غير تقليدي كالخايا النائمة أو الأسراب الهائمة، قبل أن تظهر مسألة "الفرد العادي" الإرهابي، التي ارتبطت بتعبيرات كالذئاب المنفردة أو "الأرامل السوداء"، والتي أطلقت ظواهر الإرهاب العشوائي أو البدائي، الذي يمكن أن يضرب أي هدف متاح. وقد انتشر هؤلاء حالياً في أرجاء الأرض، عائدين من مناطق القتال المختلفة، أو مغادرين شاشات الكمبيوتر في المنازل، في ظل تقييمات متفاوتة لمدى خطورة تلك العناصر المزعجة، التي يمكن أن تكون خطرة للغاية. 2- قراصنة الكمبيوتر، فبعيداً عن الجانب المنظم لهذه المسألة، كان ظهور وانتشار الهاكرز، وقدرتهم على اختراق المواقع الإلكترونية، أو التسلل إليها، أحد التطورات الحادة، التي شكلت تهديدات لأمن الأفراد والمؤسسات والدول، وبعيداً عن الحالات الصارخة التي ارتبطت بأسماء مثل جوليان أسانج وبرادلي مانينج وإدوارد سنودن، والتي غيرت اتجاهات في العاقات الدولية، تكاد تكون تهديدات تلك الفئة، على المستويات الفردية يومية تقريباً، ويمكن أن تؤدي إلى مشكات خطرة في أي وقت، خاصة أنه – مثل الذئاب المنفردة – تحتاج توجهات مثل هؤلاء الأفراد العاديين الذين يتحولون إلى قنابل متحركة إلى دراسة. 3- حاملو الكاميرات، فوفقاً لمسؤول سابق في سي إن إن، لم تعد القناة تواجه منافسة القنوات الأخرى فقط، وإنما الأشخاص العاديون الذين يحملون الهواتف الذكية المزودة بكاميرات طوال الوقت، والذين يمكنهم التقاط صور وفيديوهات في لحظات وقوع الأحداث، وبثها فوراً، وهو ما يسمي اصطاحياً "المحتوى الإعامي المنتج بواسطة المستخدمين"، ولم يؤد ذلك فقط إلى تغيير شكل الإعام، وإنما التأثير على توجهات الرأي العام والحكومات بشأن قضايا كان من الممكن التعامل معها بشكل مختلف. المشكلة الحقيقية أصبحت تتعلق بالثقافة والمجتمع، فهناك شيء ما يجب أن يدرس أيضاً بتركيز، يتعلق بحالة المجتمعات في ظل "القنوات المتحركة" في المنازل والشوارع.

لا يتوقف الأمر هنا، على من تم التمكن من تحويل أفكارهم وسلوكياتهم إلى أنماط يمكن تحليلها، والتنبؤ بها، باعتبارهم ظواهر بازغة على الأقل، فهناك أنماط أخرى من السلوكيات الفردية التي تؤدي إلى تأثيرات حقيقية على الصور السائدة للدول أو الشعوب، ويصل الأمر إلى الضغط أحياناً على الحكومات فيما لا توجد لها عادة سيطرة عليه، والنماذج أيضاً عديدة، منها: - ما أصبح شائعاً تماماً في دول مختلفة من شمال وشرق العالم، عندما يرتكب عمل إرهابي، فالانطباع الأول هو أن عربياً مسلماً هو الذي قام بذلك، إلى أن تتضح الحقيقة، والمشكلة هي أن الانطباع نفسه يتسرب إلينا على الفور أيضاً في المنطقة العربية، آملين بأن تكون الحقيقة مخالفة. - إنه عندما يقوم "فرد" بإرادته الشخصية، خاصة إذا كان منتمياً لأي دولة من دول الخليج العربية، بأي عملية إنفاق مالي مثيرة، تتصل بسلع أو خدمات أو عقارات، يتم على الفور استدعاء صورة تتعلق بدولة كاملة، ويتولى المعلقون الإلكترونيون، خاصة العرب، أسفل الصفحات، مهمة تمزيق مابس الجميع. - عندما يقوم شخص ما، وهي مسألة واضحة في دولة كمصر، بحركة عشوائية، أو ارتكاب حماقة أو إثم أو جرم عادي، أي ليس سياسياً أو أمنياً، أو حتى حادثة مرورية، يتم توجيه غضب الشارع على الفور إلى أكبر الرؤوس في الدولة، وكأنها قادرة على ضبط سلوك الجميع، أو ردعه، في وضعها الحالي.

الأمثلة لا تنتهي، وقد وصلت في حالات متكررة إلى التأثير على سمعة وحياة "أسر صغيرة" انضم أبناؤها إلى تنظيمات إرهابية، أو ذهبوا إلى "داعش"، كحالة محمد الموازي الشهير بالإرهابي جون، الذي دمر أسرته كلياً، بصرف النظر عما إذا كانت مسؤولة عن سلوكه أم لا، فالأسر لم تعد المحدد الوحيد لسلوك الأبناء، وهي حالة ستشيع وتصبح مؤثرة على حياة البشر العادية، في الفترة القادمة، بفعل العدد الهائل من المنضمين لجماعات متطرفة أو إرهابية، في الفترة الحالية.

في نهاية الأمر، فإنه بعبارة واحدة، تتصاعد تأثيرات أفكار وسلوكيات الأفراد العاديين، بشكل غير معتاد، على مستوى العالم، وعلى الرغم من أن ذلك لا يعني أن كل شخص أصبح "فاعاً" في نطاق أوسع من مجال تأثيره الطبيعي، فإن ذلك يمكن أن يحدث بصورة ما، فأحد مامح العصر الحديث هو أنه "عصر الأفراد"، وهناك حاجة لإجابة أكثر تعقيداً، عما يمكن أن يعنيه ذلك بالضبط.

علم ليبرلاند

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.