كيف ينتهي الإرهاب؟

الشروط السبعة ل ”تصدع“ التنظيمات العنيفة

Trending Events - - المحتويات - د. رضوى عمار

الشروط السبعة ل "تصدع" التنظيمات العنيفة

إن محاولة بحث التساؤل: كيف تنتهي التنظيمات الإرهابية؟ تبقى منذ البداية محفوفة بالمخاطر، البحثية والواقعية، ذلك أن ثمة توجهاً أساسياً يقول إن هناك تنظيمات وجماعات إرهابية لا تنتهي ولا تفنى، خاصة إذا ما حملت أبعاداً مثقلة برؤية دينية وأيديولوجية ترى أنها قد تغير العالم، وإذا ما أطرت لأفعالها الإرهابية أسساً تقدس العنف والموت، وإذا ما كانت نهايتها كتنظيم تعني توالد تنظيمات أخرى من رحمها. لذلك فإن السؤال بذاته هو مجرد خطوة ضرورية نحو الاستفادة من الخبرات السابقة في مواجهة العديد من التنظيمات الإرهابية والعنيفة، لأن أي حملات - مهما كان نوعها - تكون موجهة لإنهاء هذه التنظيمات يجب أن تتبنى الاستراتيجيات المثلى لكيفية الاستجابة، بما لا يفيد فقط في الإجابة عن السؤال الأسهل: ماذا نفعل؟، ولكن أيضاً فيما يتعلق بالسؤال الأصعب: كيف يمكن أن

تنتهي التنظيمات الإرهابية؟!)1) ووفقاً لذلك، فإن البحث حول معايير تصدع التنظيمات الإرهابية، يجب أن يأخذ في الاعتبار منذ البداية ثلاث ملحوظات أساسية، أولاها: أن الحديث حول الاستراتيجيات والأبعاد المختلفة للقضاء على التنظيمات الإرهابية لا يعني بالضرورة زوالها أو أن الدول التي تعرضت لهجمات إرهابية قد لا تهددها مرات أخرى، لكن يعني ذلك استعداد الدولة للتعامل مع الخطر الإرهابي القادم، عن طريق بحث سؤال: وماذا بعد؟!

أما ثانية هذه الملحوظات، فهي أن الدراسة تتعرض لحالات مختلفة من التنظيمات الإرهابية، وغيرها من التنظيمات المتطرفة التي استخدمت العنف لتحقيق أهدافها، وذلك بهدف الإشارة إلى الخبرات المستفادة، مع الأخذ في الاعتبار الاختاف المنهجي بين النماذج التي سوف يُشار إليها، وبين طبيعة التنظيمات الإرهابية التي تسود في الوقت الراهن، وكذلك الاختاف بين أهداف هذه التنظيمات عن بعضها البعض، لاسيما فيما يتعلق بالأبعاد العقيدية والرؤية الكلية للعالم.

وتتعلق الملحوظة الثالثة بأن تتبع نشاط التنظيمات الإرهابية والعنيفة، على اختاف أنواعها وتوجهاتها، إنما يكشف عن دورات لصعود وأفول هذه التنظيمات؛ وهو ما يرتبط بمدى وجود سياقات مهيأة لبقائها، وتمددها، واكتسابها الشرعية التي تسعى للحفاظ عليها، وهو ما يثير التساؤلات حول أسباب صعود تلك التنظيمات، وحول العوامل التي تقود إلى أفولها أو تصدعها أو حتى إعان نهايتها في بعض الحالات.

وفي هذا الإطار تتناول هذه الدراسة ماهية التنظيمات الإرهابية المعاصرة والاتجاهات الرئيسية السائدة بشأن نهايتها، ثم تناقش مؤشرات أفولها، وأبرز العوامل الداخلية التي تسبب تصدعها، وكذلك أهم الأبعاد الخارجية التي تؤدي إلى هزيمتها أو تصدعها أو حتى وضع نهاية لها، وذلك من واقع الخبرات السابقة والدراسات الإمبريقية التي تناولت ظاهرة الإرهاب، وأخيراً تتناول الدراسة تنظيم "داعش" من خال تطبيق العوامل السابقة عليه، وتختتم بأهم التحديات التي تواجه صانعي القرار لدى بناء سياسات لمواجهة التنظيمات الإرهابية.

اأولاً: نوعية التنظيمات الاإرهابية واحتمالات نهايتها

لا يمكن الفصل بين نوعية التنظيمات الإرهابية وبين الحديث عن إمكانية وضع نهاية لها، تماماً مثلما لا يمكن الفصل بين ظاهرة الإرهاب وبين السياقات التاريخية والسياسية والمجتمعية المصاحبة لها، حيث تشير الخبرات التاريخية إلى أن ثمة بعض الخصائص للتنظيمات الإرهابية التي يمكن أن تتفكك، ومنها أن تكون ذات طابع محلي، ولها مطالب واضحة يمكن تحقيق بعض منها، ولها هياكل تنظيمية وقيادية يمكن التعامل معها، وهو ما يكاد يختفي مع التنظيمات الإرهابية المعاصرة التي باتت عابرة للحدود، ولها غايات لا يمكن لأحد أن يناقشها فيها أو يفاوضها حولها، وتتمتع بمرونة هيكلية وقدرات تمويلية وتسليحية كبيرة. 1 ماهية التنظيمات الإرهابية المعاصرة تكشف دراسات الإرهاب عن غياب وجود تعريف متفق عليه حول الإرهاب، لكن يمكن القول إن ثمة اتفاقاً عاماً يشير إلى أن الإرهاب هو "تعمد استخدام العنف لخلق حالة من الخوف من أجل تحقيق أغراض سياسية، ودينية، وأيديولوجية وقد يأخذ استخدام هذا العنف شكل الحرب غير المتماثلة، (Asymmetric Warfare )، أو العمليات الإرهابية العشوائية التي لا يمكن التنبؤ بها"(2).

ووفقاً لهذا التعريف، فإن الغالبية العظمى من تنظيمات الإرهاب المعاصر، وتحديداً تلك الجماعات والتنظيمات المختلفة التي ظهرت منذ أواخر القرن التاسع عشر، مروراً بالقرن العشرين، إنما حاولت أن تنازع الدولة القومية شرعيتها، لأسباب مختلفة؛ فكانت السمة الأبرز هي ظهور الجماعات التي تطالب إما بالانفصال عن الدولة الأم، أو جماعات تستخدم العنف لتحقيق مطالب إثنية أو دينية أو حتى جغرافية؛ ما يعني أن تنظيمات الإرهاب كانت تتخذ الطابع المحلي في غالبية الحالات.

وبطبيعة الحال، بدا أن هناك سمات مختلفة للتنظيمات الإرهابية المعاصرة، وتحديداً مع بروز تنظيمات إسامية قامت أفكارها على محاولة تغيير العالم، واستخدام التاريخ والفقه والأيديولوجيا لهذا الهدف، ومكنتها التحولات العالمية المختلفة، في مجالات الاقتصاد والاتصالات وغيرها، من تطوير التواصل والحشد والتمويل والتجنيد، مثلما ظهر مع تنظيم "القاعدة"، لتتخذ طابعاً عابراً للحدود، وهو ما غيَّر كثيراً من رؤى واستراتيجيات الدول للتعامل مع التنظيمات الإرهابية.

ويعود ذلك إلى أن واقع التنظيمات الإرهابية المعاصرة يؤكد صعوبة التمييز بين تنظيمات إرهابية محلية وأخرى عابرة للحدود الوطنية، فقد استفادت هذه التنظيمات من طبيعة موازين القوى الدولية، وأنظمة التشابك والاعتماد المتبادل في النظام الاقتصادي الدولي العالمي، وتمكنت من إقامة شبكات من العاقات فيما بينها، وتعزيز مواردها المالية، وتنويع أسلحتها، وتدريب أفرادها، بل وإيجاد ماذات آمنة في بعض المناطق والدول عبر المتعاطفين معها في أنحاء العالم، وهو ما يزيد من أهمية تركيز استراتيجيات مكافحة الإرهاب على كل من الأبعاد الداخلية والخارجية لتفكيك وإضعاف التنظيمات الإرهابية.

وقد أدى ذلك أيضاً إلى تنوع أشكال التنظيمات الإرهابية، من تنظيمات لديها تسلسل هرمي واضح ومعلوم للقيادة، وتنظيمات لها هيكل أفقي غير مركزي يكون قادتها غير معروفين أو ليس لديهم دور رئيسي، وأخرى خايا صغيرة (Autonomous Cell ) تتكون من عدد صغير من الأفراد(3).

وبوجه عام، هناك نوعان رئيسيان من التنظيمات الإرهابية وفق ما تذهب الأدبيات النظرية الخاصة بدراسات الإرهاب، وذلك بحسب المعيار الجغرافي، الأول هو جماعات الإرهاب المحلي (Domestic Terrorism ؛) حيث يقصد بالإرهاب المحلي "تلك العمليات الإرهابية التي يكون مرتكبوها، وضحاياها من الدولة نفسها التي تحدث فيها العملية الإرهابية، كما أن المطالب التي يسعى الإرهابيون إلى تحقيقها ترتبط بحدود الدولة التي ينشطون فيها، بغض النظر عن تورط أو رعاية دولة أجنبية(4).

ومن واقع هذا التعريف يمكن القول إن هذا النوع يمكن

التعامل معه من قبل الدولة، حيث يكون الصراع بينها وبين هذه الجماعات، وأنه يمكن أن تكون هناك نهاية لها، كما حدث في العديد من الدول، وحتى إذا ما استمرت وقتاً طوياً، فإنه يمكن وفق استراتيجيات مختلفة أن يتم التعامل معها وتحجيم قدراتها وعدم الانصياع لمطالبها.

أما النوع الثاني، وهو الأحدث، والذي يمكن تسميته ب "الإرهاب المعاصر"، فهو الإرهاب العابر للحدود الوطنية (Transnational Terrorism ؛) ويقصد به تلك "العمليات الإرهابية التي يكون مرتكبوها، وداعموها، وضحاياها، ينتمون إلى أكثر من دولة، وأن الأهداف التي يسعى مرتكبو هذه العمليات لتحقيقها لا تتعلق بالضرورة بمطالب تخص الدولة التي تمت على أراضيها العملية الإرهابية".

ويشير المتخصصون في دراسات الإرهاب إلى عدد من المعايير التي يتم على أساسها وصف تنظيم إرهابي بأنه عابر للحدود الوطنية، ومن أبرزها( ): • أن تختلف جنسية مرتكبي الجرائم الإرهابية عن جنسية بعض أو كل ضحاياهم. • أن لا يكون ضحايا الحوادث الإرهابية ينتمون إلى الدولة التي اختطفوا، أو أصيبوا، أو قتلوا على أراضيها. • أن يكون الإرهابيون قد انتقلوا عبر الحدود الدولية لارتكاب جرائمهم. • أن تستهدف الهجمات الإرهابية البعثات الدبلوماسية الأجنبية. • إذا كانت الحادثة الإرهابية بدأت في دولة وانتهت في أخرى، مثل اختطاف طائرة، على سبيل المثال. • أن تستهدف العملية الإرهابية منظمة دولية أو عملية حفظ السام. • أن يكون أفراد التنظيم من دول مختلفة أو يستهدفون أكثر من دولة. 2 الاتجاهات الرئيسية بشأن نهاية التنظيمات الإرهابية أدى تعقد الظاهرة الإرهابية منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم، إلى وجود جدالات كبرى بين الأكاديميين وصانعي القرار فيما يخص وجهة النظر حول نهاية التنظيمات الإرهابية، وهو ما ينعكس على وسائل التعامل مع حمات مواجهة هذه التنظيمات، حيث يفيد تتبع مسارات صعود وأفول مثل هذه التنظيمات بأنه لا يوجد اتفاق حول أنسب الوسائل لمواجهتها، ولا توافق حول نهايتها. ويمكن في هذا الصدد استنتاج أن ثمة توجهين أساسيين، وهما: أ تنظيمات الإرهاب لا تنتهي: يشير أنصار هذا الاتجاه إلى أن الأنسب ليس وضع استراتيجيات تنهي هذه التنظيمات، فمعظمها سوف يبقى ويعاد إنتاجه بشكل آخر) ولكن الهدف هنا يتعلق بإخمادها من أجل حفظ سيادة الدولة والقضاء على التمرد. ويعزى ذلك إلى أن دورة حياة العديد من التنظيمات الإرهابية تعتبر طويلة إلى حد كبير، لاسيما إذا ما تمتعت بعض الخصائص والسمات، كما سيأتي لاحقاً.

ويرى أنصار هذا الاتجاه أنه يجب التعامل مع التنظيمات الإرهابية وفقاً للسياق الضيق والمحدد الذي أنتجها، ويشتركون في التأكيد على أن هدف التنظيمات كافة، القديمة والجديدة، هو نزع الشرعية عن الدولة بالأساس، وبالتالي ما دامت الدولة تحافظ على شرعيتها وسيادتها، وتمنع هذه التنظيمات من منازعتها في هذا الأمر، فإنها تكون قد نجحت في تحجيمها بغض الطرف عن غاية إنهائها تماماً. ب تنظيمات الإرهاب تتصدع وقد تنتهي: يشير أنصار هذا الاتجاه إلى أن تنظيمات الإرهاب لها دورة حياة محددة، في أنماط تتراوح بين الصعود تارة والأفول تارة أخرى، وهذا التصدع قد يبلغ مرحلة الانتهاء شريطة أن تكون للتنظيم خصائص محددة وواضحة، فله مطالب محددة، وله شخصيات تقوده، وربما تراتبية هيكلية واضحة، إذ يمكن في هذه الحالة التعامل مع التنظيم كجماعة تمرد يجب إخمادها إما بالقوة أو بالتفاوض والعمل على الحد من شعبيتها ومقاومة آرائها وأفكارها ومنعها من الانتشار داخل المجتمعات المحلية.

أما إذا كان التنظيم له أهداف ذات طابع طوباوي وديني خالص، على سبيل المثال، أو إذا كان هدفه أن يحل محل الدولة تماماً، أو كانت له طبائع عامة عابرة للحدود، فمن المرجح أن مثل هذا التنظيم قد لا ينتهي، بل تنطبق عليه دورات الصعود والهبوط.

وبالتالي فمن المهم التفرقة بين جماعات لها مطالب وأهداف محددة، غالباً ما تكون محلية، وبين جماعات تستحضر ما تعتبره "مظلوميات" تاريخية، وتنتقل للعمل ضد مصالح دول العالم كافة، ما يجعلها تنظيمات عابرة للحدود، جغرافياً ودينياً وثقافياً.

ويستخلص من هذين الاتجاهين - بشكل أو آخر - أن ثمة صعوبة في التأكيد على أن تنظيمات الإرهاب قد تنتهي، خصوصاً تلك التنظيمات المعاصرة، والتي اتخذت طابعاً عولمياً، مثل القاعدة بفروعها المختلفة، وتنظيم "داعش"، فكا التنظيمين باعتبارهما يقدمان النموذج الأحدث لتنظيمات الإرهاب، عابران للحدود، ويمتلكان وسائل عديدة للبقاء والتمدد، واستطاع "داعش" أن يبسط نفوذه على الأرض، وأن يستخدم إمكانات غير متاحة في بعض دول العالم.

بكلمات أخرى، تفيد التجارب السابقة بأن تنظيمات الإرهاب، حتى المحلية منها، تنتهي بصعوبة بغض النظر عن الاستراتيجيات المتبعة، وأنه كلما استطاعت التنظيمات أن تكون عابرة للحدود، كلما كانت هناك صعوبات مماثلة في أن تنتهي إلى الأبد، والأرجح أنها كلما تعرضت لهزيمة كبيرة أو لانشقاقات داخلية، فإنها تنتج تنظيمات أخرى، إما في أشكال عنقودية، أو شبكية، وفي بعض الحالات يتحول أعضاؤها إلى خايا صغيرة تنتظر الفرصة للظهور من جديد.

وتؤكد ذلك نتائج المشروع البحثي الإمبريقي الذي قام به

(The Memorial Institute for Presentation of Terrorism MIPT)، في عام 2006، ليختبر مجموعة من الافتراضات النظرية والواقعية الخاصة ببحث نهاية التنظيمات الإرهابية، وديناميات التعامل الأساسية معها، حيث وضع قاعدة بيانات ل 457 تنظيماً إرهابياً نشطاً منذ عام 1968، وذلك وفقاً لقيامها بعملية إرهابية تصيب المدنيين أو عملية خطف ما، ليستنتج العاقة الارتباطية بين ثاثة معايير أساسية، وهي (العمر الزمني للتنظيم الإرهابي، ودرجة ارتباطه بالمفاوضات، ومدى تحقيقه للأهداف الأساسية التي يريدها)، حيث تشير بعض نتائج هذا المشروع، وفقاً للخبيرة في دراسات الإرهاب، أودري كورث كرونين (Audrey Kurth Cronin )، إلى ما يلي( ): 1- بغض الطرف عن الاعتبارات الخاصة بتصنيف جماعات الإرهاب المختلفة، فإن الثابت أنه لا يمكن التوافق على استراتيجيات محددة للقضاء على التنظيمات الإرهابية، وأن ثمة ضرورة للجمع بين عدة وسائل حتى يمكن هزيمة هذه التنظيمات. 2- فيما يتعلق بعمر التنظيم الإرهابي، وضع المشروع بداية مياد التنظيم مع قيامه بأول عملية إرهابية، ووضع نهايته وفق ثاثة مؤشرات، وهي: • أن تعلن الدولة نهاية هذا التنظيم. • الوقت الذي يعلن فيه التنظيم وقف إطاق النار، أو نبذ العنف، أو التحول لحركة أخرى غير إرهابية، أو يجمد نشاطه الإرهابي. • أن لا ينفذ عملية واحدة لمدة ثاث سنوات.

وهنا تشير المخرجات إلى أن العمر القصير لتنظيم إرهابي نفذ عملية واحدة هو خمس سنوات، بينما العمر الوسط هو 8 سنوات، وأن المتوسط العام يتراوح بين 5 إلى 9 سنوات. أما بالنسبة للتنظيمات الأكبر، والتي لديها موارد متعددة ومساحات على الأرض ولها هيكل تنظيمي، فقد بلغ متوسط عمرها بين 15 إلى 20 سنة، ويتضاعف هذا الرقم ليتجاوز 40 سنة لدى 19 تنظيماً إرهابياً، كما هو موضح بالجدول المرفق. ويعني ذلك أن العديد من تنظيمات الإرهاب، وبغض الطرف عن توصيفها وفق المشروع، تتمتع بدورة حياة طويلة نسبياً، ويزيد هذا الاحتمال كلما كان التنظيم عابراً للحدود، وكلما تمتع بقدرات لم تتمتع بها مثل هذه التنظيمات المرفقة بالجدول. 3- تشير النتائج إلى أن تنظيمات الإرهاب لا تفضل الدخول في إطار للمفاوضات، فمن جميع التنظيمات ال 457 المشمولة بالمشروع، ثمة 17.8% منها فقط لجأت للتفاوض، وأن ثلث هذه النسبة فقط هو ما تمكنت الدولة بالخروج بنتائج معه نتيجة للتفاوض، وأن التنظيمات طويلة الأجل، أي التي تجاوز وجودها 40 سنة، لم تنجح منها إلا 50% في التفاوض، وفي معظم الحالات كان ذلك يتم وفق أهداف داخلية خاصة بها في السلطة أو في الحصول على بعض المكاسب. من جانب آخر، تفيد هذه التطبيقات بأن 22.2% فقط من التنظيمات طويلة الأجل قد تمكنت من تحقيق بعض أهدافها الاستراتيجية وراء التفاوض، ما يعني أن هذا العدد، 5 تنظيمات إرهابية من 19 تنظيماً عاشت أكثر من 40 سنةً، من بين قائمة تضم 457 تنظيماً.

وما يمكن استخاصه من هذه النتائج السابقة أن تنظيمات الإرهاب بوجه عام تتصف بأنها تتمتع بدورة حياة طويلة نسبياً، وأنها لا تمتلك القدرات لتحقيق أهدافها، وأنها كيانات لا تنزع للتفاوض؛ وهي نتائج تبدو مفيدة فيما يتعلق بالتوجه العام الذي يسود تجاه تنظيمين مثل "القاعدة" و"داعش"، إذ

يتوقع في ظل قراءة أحداث السنوات الأخيرة أن يطول عمر التنظيمين، لكن لا يتوقع أن يتمكنا من تحقيق أهدافهما، وأن استخدام القوة ضدهما وضد من يعلن ولاءه لأي منهما، قد لا ينجح بالكلية، لكنه ربما الوسيلة الأنسب للتعامل معهما، وأن الأهداف المعلنة لكل التنظيمين تبدو خيالية وطوباوية غير قابلة للتحقق.

ثانياً: مظاهر اأفول التنظيمات الاإرهابية

تفيد خبرات العديد من التنظيمات الإرهابية بوجود عدة مؤشرات يمكن الاستدلال من خالها على بداية أفولها وتراجعها، ولعل أهمها يتمثل فيما يلي: أ- التراجع العسكري: يُعد فقدان التنظيمات الإرهابية مناطق كانت تسيطر عليها أحد أهم مؤشرات تصدع هذه التنظيمات وإمكانية بداية انحسارها، فعلى سبيل المثال، يرى البعض أن انسحاب تنظيم حركة شباب المجاهدين في الصومال من مدينة باراوي في مطلع أكتوبر 2014 بعد تقدم القوات الصومالية مدعومة بالقوات الأفريقية، وفقدانها السيطرة على ميناء باراوي الاستراتيجي أحد المنابع الاقتصادية للتنظيم، قد شكل أحد أهم مؤشرات بداية انحساره الميداني. ب- فقدان التأييد: تستند التنظيمات الإرهابية في بقائها إلى وجود حواضن شعبية داعمة، سواءً نتيجة للتعاطف العقيدي مع أطروحاتها أو نتيجة للخدمات التي يحصل عليها المواطنون من هذه التنظيمات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، أو نتيجة لتراجع الدولة وملء هذه الكيانات لهذا الفراغ، لكن بعض ممارسات التنظيمات الإرهابية تؤدي لفقدانها الحواضن الشعبية على غرار تطبيق أنظمة قمعية على المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والسعي للقضاء على الحلفاء المحليين وتصفيتهم لانفراد بالسلطة، والتوقف عن تقديم الخدمات، واستخدام العنف في مواجهة المدنيين. ج- التصدع الذاتي: يرتبط تراجع التنظيمات الإرهابية بتعرضها للتفكك الذاتي، ويشمل ذلك: رحيل قياداتها المؤسسة، وعدم قدرتها على تصعيد قيادات جديدة قادرة على الحفاظ على تماسك التنظيمات، وانشقاق الأجنحة التي تتمرد على التنظيم وتتحدى شرعيته، وفقدان التنظيم القدرة على استقطاب كوادر جديدة بسبب تراجع جاذبية النموذج الذي يُمثله. د- صعود المنافسين: يبدأ التنظيم الإرهابي في التراجع عقب صعود تنظيمات جديدة تتبنى رؤى فكرية وعقيدية مختلفة تقوم على تقويض شرعية التنظيم، مما يؤدي لاحتدام الصراع بين التنظيمات الإرهابية على الموارد واجتذاب المتطوعين. ولا ينفصل ذلك عن اتجاه بعض التنظيمات للتكتل في مواجهة تنظيم، على غرار تحالف الجبهة الإسامية، الذي يضم عدداً من التنظيمات والفصائل المناوئة لتنظيم "داعش" بهدف التصدي لوجوده في الأراضي السورية.

ثالثاً: �صبعة عوامل وراء ت�صدع التنظيمات الاإرهابية

تشير الخبرات المختلفة إلى أن التنظيم الإرهابي يتصدع عندما تجتمع عدة خيارات في مدى زمني ضيق، بحيث تؤثر على قدراته وأفكاره ومناطق تواجده وهيكله... إلخ، وفي هذا الصدد، يمكن تصنيف هذه العوامل إلى ما يلي: 1- العوامل الداخلية "الذاتية" لتصدع التنظيمات الإرهابية عادة ما يبدأ تصدع التنظيمات الإرهابية من داخلها نتيجة فقدانها غاية وجودها، وانتشار الانشقاقات والانقسامات داخلها، وتآكل أفكارها وأصالتها الأيديولوجية. وتتمثل أهم هذه الأبعاد الداخلية فيما يلي: أ انتهاء الغاية: تتوقف بعض التنظيمات الإرهابية عن أعمالها بعد أن تحقق أهدافها، مثل العصابات الصهيونية المُسماة "إيزل (ETZEL)" أو أرجون (Irgun)، التي قامت بتفجيرات 1946 في فندق الملك داود، ومقرات الحكم البريطاني في فلسطين، والتي راح ضحيتها 92 شخصاً، مما سرع وتيرة الانسحاب البريطاني، وقد تم حل المنظمة وغيرها من المنظمات بعد إعان إسرائيل تكوين الجيش الإسرائيلي الذي شكلت نواته هذه التنظيمات.

وينطبق الأمر ذاته على العديد من التنظيمات التي أعلنت توقفها عن أعمال الإرهاب بسبب التوصل لتسوية ما مع الدولة، أو حصولها على بعض المكاسب التي رأت أنها تحقق بعض أهدافها، لكن مع ماحظة أن هذا ينطبق بشكل أكبر على التنظيمات ذات الطابع المحلي لا العابرة للحدود. ب تزايد الانشقاقات: يرتبط هذا العامل بدرجة الانقسامات وحجم الخافات بين أعضاء التنظيم، وهو ما يتأثر بتنوع الهويات المكونة للتنظيم إلى حد ما، الأمر الذي يطرح سيناريوهين، أولهما تفكك التنظيم ذاته، مثل الانقسامات الداخلية التي ساهمت في تفكك تنظيم القاعدة في العراق خال حرب الولايات المتحدة بين عامي 2004 و2008، والآخر أن تنتهي الانقسامات بانتماء الأعضاء المنشقين إلى تنظيمات أخرى مشابهة أو تأسيسهم تنظيمات جديدة أكثر تطرفاً وإرهاباً تنافس التنظيمات التي كانوا ينتمون إليها مثلما حدث بالنسبة لتنظيم "داعش" الذي ولد من رحم تنظيم القاعدة في باد الرافدين.

ويلعب التغيير في الخطاب الإعامي الداخلي للتنظيم دوراً مؤثراً في تشتت أعضائه وأنصاره، وهو ما يؤدي إلى دفع عدد كبير منهم إلى الانشقاق. فعلى سبيل المثال، أدى التحول الراديكالي في الخطاب المحلي الموجه لأعضاء تنظيم "داعش" من الثقة في النصر إلى دعوة التمسك بطاعة البغدادي وعدم الخروج عليه إلى انشقاق عدد كبير من المتطوعين الأجانب الذين انضموا إلى التنظيم ومحاولتهم الهرب. ج تآكل الصورة الذهنية: يرتبط ذلك بصورة أساسية بنزع

الشرعية عن التنظيمات الإرهابية، وهو ما ينتج عن أسباب عدة، مثل تغير آليات التنظيم التي سبق وأن اكتسبت قبولاً لدى أنصاره، فمثاً كان تآكل الشعبية عاماً مهماً في تقويض دعم الانفصاليين السيخ في الهند، الذين سعوا إلى الانفصال عن الهند وإنشاء دولة خالستان، وذلك عندما قتلوا عشرات الآلاف بين عامي 1981 و1995 وكانوا مسؤولين عن اغتيال رئيسة وزراء الهند آنديرا غاندي في 31 أكتوبر 1984 وهو ما أثر على قدرة التنظيم على التعبئة والتجنيد والاستقطاب لأنصار جدد ومتطوعين.

من جانب آخر ينضم البعض للتنظيم الإرهابي بحثاً عن صورة مثالية يجسدها لهم، وعندما ينضمون يصطدمون بواقع مختلف عن توقعاتهم. فعلى سبيل المثال، اتهم المسؤول الشرعي لتنظيم "داعش" في القلمون أبو الوليد المقدس في تسجيل صوتي تنظيم "داعش" بالفساد، وأعلن انشقاقه عنه( ). 2- الأبعاد الخارجية "الموضوعية" لتصدع التنظيمات الإرهابية

تتراوح الأبعاد الخارجية بين عدة متغيرات، يرتبط أبرزها بوجود تنظيمات إرهابية تتنافس فيما بينها، وهو ما يلعب دوراً في تحديد مصيرها نتيجة استنزاف قدراتها أحياناً في الصراعات البينية، لكن يبقى المتغير الخارجي الحاسم في تحديد إمكانية تصدع أو تفكك التنظيمات الإرهابية هو الدولة - أو الدول -، فهي الفاعل الأساسي الذي يحدد استراتيجيات وتكتيكات شن حمات مختلفة ضد تنظيمات الإرهاب( ).

وبناءً على ذلك، تتمثل أهم الأبعاد الخارجية المحددة لقدرة التنظيمات الإرهابية على البقاء أو التصدع والاتجاه إلى التفكك فيما يلي: أ استخدام القوة: تستخلص "كرونين" من واقع الدراسات الإمبريقية حول مواجهة تنظيمات الإرهاب إلى أن قمعها واستخدام القوة ضدها، يتميز بثاثة مامح أساسية، وهي أن الدول تستخدم القوة للتعامل المباشر والقصير الأجل والرد الفوري على تنظيم إرهابي يكتسب قوة في منطقة داخل الدولة، وأنه لا فارق في ذلك بين دول ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية، وأن نمط القوة والقمع مع هذه التنظيمات يكون سمة أساسية للدول في حالات الانتقال والتحول الكبرى، مثل استخدام روسيا ذلك ضد الشيشانيين في منتصف التسعينيات، ومثلما فعلت الجزائر في مطلع التسعينيات أيضاً، ومثلما فعلت مصر مع جماعة الإخوان المسلمين في بداية الخمسينيات( ).

وتتخذ العمليات العسكرية التي تقوم بها الدولة في مواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية نمطين رئيسيين، الأول: التدخل الدولي الذي يكون خارج حدود الدولة، مثلما هي الحال بالنسبة للقاعدة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، وكما الآن بالنسبة للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش". والثاني: قمع التنظيمات الإرهابية التي تقطن حدود أراضي الدولة نفسها، مثلما هي الحال بالنسبة للعمليات العسكرية التي تقودها القوات المسلحة المصرية في سيناء للقضاء على بؤر التنظيمات الإرهابية التي توغلت في الأراضي المصرية.

وتواجه الدولة هذه التنظيمات الإرهابية بالقوة لأن جزءاً من استراتيجيات عمل التنظيمات يعتمد على بث حالة الارتباك لدى سلطات الدولة من خال القيام بعمليات تنشر الفوضى التي يصعب السيطرة عليها على نحو يهز ثقة المواطنين في قدرة الدولة على فرض النظام وتحقيق الأمن ضمن حدودها.

ومع أن استخدام القوة قد نجح في حالات عديدة في وأد العمليات الإرهابية، إلا أن القوة وحدها لا تقضي على التنظيم الإرهابي، لأنها قد تأتي في بعض الحالات بنتائج عكسية، مثل قتل المدنيين، الأمر الذي يوفر مزيداً من الحصانة والماذ لتنظيمات الإرهاب، ولهذا فنجاح القوة مشروط بأن يصاحبها توافر عوامل، داخلية في التنظيم، وأخرى خارجية مماثلة، حتى تثمر نتائج ملموسة تقود لإضعاف التنظيم الإرهابي. ب قتل قيادات التنظيم: تستخدم الدولة في هذا الإطار القوة القسرية بصورة مباشرة ومحددة لاستهداف أشخاص بعينهم من منطلق أنهم مُلهمين لأفراد التنظيم، لأنهم من يضعون استراتيجيات وآليات العمل. ويختلف تأثير اتباع هذا النمط من تنظيم لآخر تبعاً لعدد من العوامل والمتغيرات التي تتعلق بصورة أساسية بالعاقة بين زعيم التنظيم وأنصاره، وهي عاقة معقدة تحكمها عدة عوامل من أهمها: هيكل التنظيم، وأهمية الأيديولوجيا للواقع، ودوافع اتجاهه للعمل المسلح.

وثمة حالات انتهت فيها منظمات مسلحة أو تقلص حجم نشاطها بعد مقتل قائدها الكاريزمي، مثلما حدث لمنظمة أوم شينريكيو اليابانية التي قادت الهجوم بغاز السارين على محطات مترو أنفاق طوكيو في عام 1995، حيث انتهى نشاطها المسلح بعد إعدام شوكو أساهارا مؤسسها وزعيمها( ولكن في بعض الحالات ياحظ أن زعماء التنظيمات يتمتعون بحالة من التقديس لأشخاصهم، وهنا قد يأتي مقتل هذه الشخصيات بنتائج عكسية، تؤدي إلى زيادة شعبية التنظيم، فالتنظيمات الامركزية التي تتبنى أيديولوجيات جامدة، وتعتبر ذاتها تعبيراً عن مرارة الواقع غالباً ما تنجو بعد فقدان قيادتها الكاريزمية بالمقارنة بالتنظيمات المركزية. ومن ذلك نموذج "الفروع المستقلة" للقاعدة مثل تنظيم أبي مصعب الزرقاوي في العراق، والذي أخذ اسم "القاعدة" ليكتسب الشرعية عند البعض، والقدرة على التجنيد والحشد والدعاية، لكنه كان مستقاً تنظيمياً؛ لذا عندما طالبه أيمن الظواهري بوقف استهداف الشيعة لم يستجب أبو مصعب، بل قام بالتصعيد بالمخالفة.

ويندرج في هذا الإطار نموذج "التحرك الذاتي أو التجنيد الذاتي"، الذي يسميه البعض "الجبهة الأيديولوجية"، وهو نموذج ينبني على خايا أو أفراد يضمون أنفسهم للتنظيم، أو ينتهجون العمل المسلح بعد إيمانهم بالأيديولوجية من دون الحاجة لمن يدعوهم أو يجندهم أو يقودهم للعمل؛ ففي هذه الحالات يكون قتل القائد أكثر إلهاماً وأقوى تأثيراً من بقائه على قيد الحياة) وهذا ما يفسر جزءاً من أسباب استمرار

القاعدة في العراق بعد قتل قائدها أبي مصعب الزرقاوي في عام 2006 عبر الهجمات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية، فبعدها جددت القاعدة نفسها داخل السجون الأمريكية في العراق، وتاقى المتمردون والإرهابيون وشكلوا شبكات، ومن هذه البوتقة ظهر أبوبكر البغدادي الذي أعلن نفسه زعيماً لتنظيم "داعش". ج- المراجعات الفكرية: تتضاعف احتمالات النهاية أو التحول عندما يعلن القادة المسجونون نبذ العمل المسلح، وعندما يدعون أتباعهم لوقف العنف، ويتضمن ذلك إما مبادرات للمراجعة كتلك التي أطلقتها قيادات الجماعة الإسامية وجماعة الجهاد في مصر في تسعينيات القرن الماضي، والتي طرحت نموذجاً للمبادرة الذاتية من جانب قيادات وكوادر تلك التنظيمات، التي عكفت قياداتها في السجون على إعداد سلسلة كتب للمراجعة الفكرية، وكما حدث في مبادرات "التوبة" التي أطلقتها الأجهزة الأمنية في الجزائر في فبراير 2014؛ او يتضمن إعادة التأهيل مثل تجربة المناصحة الفكرية في المملكة العربية السعودية في عام 2004 لمواجهة التطرف الفكري) ).

ولا يعد هذا جديداً بالنسبة للتنظيمات الإرهابية والعنيفة، فقد حدث مع قائد منظمة الدرب المضيء الماوية في بيرو، د. مانويل جوزمان، وكذلك زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجان، ومؤسس الجيش الجمهوري الحقيقي في أيرلندا الشمالية، مايكل ماكيفيت، فكل هؤلاء مروا بتجربة التخلي عن العمل المسلح، ودعوا أتباعهم للعمل السلمي بعد محاكمتهم وسجنهم.

وهناك اختاف حول تقييم فاعلية تجارب المراجعات الفكرية، حيث يشير البعض إلى أن تأثيرها محدود، إذ يرتد بعض المسجونين سابقاً عن الأفكار الجديدة، فهم إما ينكرون المراجعات أو يعودون للتطرف في ظروف مختلفة عما سبق أو على الأقل يستعيدون تطرفهم الفكري) ومع ذلك فإن المراجعات بحد ذاتها تبقى وسيلة لوضع حد ونهاية لبعض التنظيمات العنيفة، حيث تثبت التجارب أن إلقاء القبض على زعيم – أو قيادات - التنظيم الإرهابي يكون أكثر تأثيراً في تدمير التنظيم من قتله أو اغتياله في بعض الحالات. د المفاوضات: إن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع جماعة إرهابية، هو أمر نادر الحدوث، وغالباً ما تتخلى الجماعة الإرهابية عن جانب كبير من أهدافها، وتقبل بالحد الأدنى من مطالبها، وهذا ينطبق بشكل أكبر على التنظيمات الإرهابية المحلية، وليس العابرة للحدود. والحوار مع الجماعة الإرهابية تفرضه عوامل عدة، من أبرزها أن الصراع لا يمكن تحقيق الانتصار فيه أو أن يسود اعتقاد لدى كل طرف أنه يمكن أن ينهزم في النهاية، فمثاً بدأت الحكومة الجنوب أفريقية التفاوض مع نيلسون مانديا عندما توصلت لاستنتاج أنه لا يمكن احتواء العصيان المدني للسود، فضاً عن الفشل في إقناع بعض جماعات السود بالتحالف مع البيض ضد مانديا) ).

وقد يُشكل فتح باب المفاوضات نحو عملية سياسية شرعية محفزاً لتراجع أو انتهاء بعض التنظيمات الإرهابية والعنيفة، حيث تتحول عن السلوك الإرهابي بعد بدء العملية السياسية، مثلما حدث لتنظيم الجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت بعد المشاركة في المحادثات متعددة الأطراف مع الحكومات البريطانية والأيرلندية لاتفاقية الجمعة السعيدة (Good Friday Agreement ) في عام 1998 ).

وقد ينتج عن المفاوضات انشقاق التنظيم الإرهابي إلى جماعات متفرقة منها ما يدعم المفاوضات وبعضها لا يدعمها، مثلما حدث مع الجيش الجمهوري الأيرلندي الذي شهد انقسامات نتيجة الاختافات حول الاستراتيجيات والتكتيك، إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت، ومجموعة أخرى تحت اسم الجيش الجمهوري الأيرلندي الرسمي) ).

ويُاحظ أن الدولة قد تسعى إلى إثارة الانقسامات داخل التنظيم من خال إعان عملية المفاوضات، ومحاولة استقطاب بعض أطرافه التي لا تميل للعنف، وعزل وتقييد الفصائل الراديكالية، لكن استراتيجية التفاوض كما سبق لا تجد قبولاً لدى غالبية التنظيمات الإرهابية، لاسيما التي يمكن تصنيفها بأنها عابرة للحدود والأهداف.

رابعاً: معايير الت�صدع.. تطبيق على تنظيم داع�ش"

تشير خبرة تأسيس تنظيم "داعش" إلى أنه قد انبثق أساساً من تنظيم القاعدة، وهو ما يشير إلى غلبة التوجه القائل بأن التنظيمات ذات الطبيعة الدينية، والتي تأخذ شكاً عابراً للحدود، لا تنتهي في وقت قصير، بل تتخذ أشكالاً أخرى، كأن تتفرع إلى تنظيمات أصغر يعلن العديد منها ولاءه للتنظيم "الأم"، أو أن ينبثق منها تنظيم آخر أكثر تطرفاً وتشدداً وتوسعاً، وهو ما حدث بالنسبة ل "داعش".

من جانب آخر، تشير خبرة تصدع التنظيمات الإرهابية وفق العوامل الداخلية والخارجية السابق الإشارة إليها إلى أن التنظيمات الراهنة باتت لديها القدرة إلى حد كبير على وضع تكتيكات متعددة تتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وأنها تتحسب جيداً، سواء لدى وضع هيكلها التنظيمي أو أهدافها أو طبيعة عملياتها العسكرية، من تجمع مجموعة من الشروط التي تفضي إلى تصدعها، وهو ما يؤكد أن مواجهة تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش" تتطلب من الدول وضع استراتيجيات جماعية وعابرة للحدود، إذا ما أرادت هزيمة هذه التنظيمات.

وبناءً على ذلك، يناقش هذا الجزء من الدراسة تقييماً عاماً للأبعاد الداخلية والخارجية المرتبطة بإمكانية "تصدع" تنظيم "داعش، وذلك من واقع المعايير السبعة السالفة، والخاصة بنهاية التنظيمات الإرهابية. 1- الأبعاد الداخلية ثمة ثاثة أبعاد داخلية أساسية تحدد مستقبل "داعش"، وهي: الغاية، والشرعية والصورة الذهنية، والانشقاقات الداخلية أو

تماسك التنظيم.

فيما يخص الغاية، ياحظ أن تنظيم "داعش" طور في فترات متقاربة غاياته لدرجة يمكن معها القول إنها مستحيلة التحقيق، ما يعني أن معيار انتهاء الغاية قد لا ينطبق عليه كشرط لتصدعه؛ فالتنظيم انتقل من هدف إنشاء دولة تضم الأجزاء ذات الأغلبية السنية من العراق في عام 2004 حينما كان يسمى "تنظيم القاعدة في العراق" إلى هدف إنشاء دولة "إسامية" في العراق والشام في عام 2013، ثم تأسيس "الدولة الإسامية" منذ يونيو 2014 حينما أعلن عما أسماه "دولته" وخليفته "أبوبكر البغدادي".

ولأن هذه الغاية، والتي تشبه غاية تنظيم القاعدة النهائية أيضاً، لا ترتبط بتحقيق أهداف ومطالب واضحة للتنظيم، فإنه يصعب تصور تحقيقها كشرك لوضع نهاية له وتحوله إلى صورة أخرى.

أما فيما يختص بالصورة الذهنية وبشرعية "داعش"، ياحظ أنه أطلق على نفسه "الدولة الإسامية" في عام 2014، وذلك كإحدى الآليات التي يسعى من خالها لاستقطاب مسلمين من أنحاء العالم. كما يروج لنفسه كدولة قادرة على تحقيق الانتصار والخاص، من خال إحياء مشروع "دولة الخافة الإسامية"، والذي يحظى بقبول لدى الشباب السني المستاء من الأوضاع المحلية في جميع أنحاء العالم، حيث يستغل التنظيم هذا الاستياء والسخط في الترويج لأعماله الوحشية التي يراها الوسيلة الأكثر فاعلية للتعبئة والحشد.

لكن هذه الصورة الذهنية التي يقدمها "داعش" تحمل في طياتها إحدى عوامل تصدعه، وهو ما يتوقف على مدى نجاح جهود مواجهته فكرياً وإعامياً. وفي هذا الصدد ياحظ، على سبيل المثال، أن غالبية وسائل الإعام تستخدم لفظ "تنظيم داعش" وليس "الدولة الإسامية"، كما سيق من خال عدة مبادرات، منها إعان سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، في خطابه أمام الاجتماع الوزاري لمجلس الأمن في سبتمبر 2014 رفضه "تسمية كيان داعش الإرهابي بالدولة الإسامية"، ودعوته الجميع إلى مشاركته في هذا الرفض) ). كما طالب رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، هيئة الإذاعة البريطانية، بعدم استخدام اسم "الدولة الإسامية"، واقترح مجلس الأديان الروسي استخدام تسمية "داعش" بدلًا من "الدولة الإسامية") في محاولة لنهاية الربط بين الإرهابيين من جهة والديانة الإسامية ومفهوم الدولة من جهة أخرى. ودعا رئيس جمهورية الشيشان الروسية، رمضان قد بروف، إلى تسميتهم "دولة إبليس") ).

ويمكن القول إن التحدي الذي يفرضه نزع الشرعية عن "داعش" يرتبط إلى حد كبير بنزع سيطرته على الأراضي التي سيطر عليها، لأنه يروج لنفسه بأنه "دولة" وليس فاعاً من غير الدولة، كما أنه لا يعمل من ماذ آمن داخل دول ترعى وجوده كما كان الوضع بالنسبة لتنظيم القاعدة) ).

أما بالنسبة لتماسك "داعش" داخلياً، فإن تحديد حقيقة أسباب استمرار ولاء الأفراد لهذا التنظيم ستحدد إلى حد كبير مدى قدرته في الحفاظ على تماسكه، وحدود الصلة بين التنظيم والجماعات المبايعة. وهنا ياحظ أن النجاحات المبكرة التي حققها التنظيم مكنته من ادعاء تحقيق ما لم يستطع تحقيقه غيره من التنظيمات، مثل "القاعدة"، وهو ما أدى، ولايزال، إلى سلسلة من إعانات الولاء أو عبارات التعاطف من التنظيمات الإرهابية التي تزعم الإسام.

لكن من ناحية أخرى، يظل هناك خاف حول مدى الولاء والتعاطف الصادق في أتباع البغدادي، ومدى الولاء والتعاطف المدفوع بالرغبة في الاستفادة من التنظيم لتحقيق مصالح شخصية، خاصة مع توارد أنباء عن محاولات البعض الخروج عن "داعش"، والذين يتم التعامل معهم بالقتل حفاظاً على بقاء التنظيم.

ومما لا شك فيه أن ثمة ارتباطاً بين تماسك التنظيم وبين استغاله للأوضاع الداخلية في كل من سوريا والعراق والاستياء الشديد إزاء نظم الحكم التي فشلت في معالجة الاحتياجات الأساسية للمواطنين) ومن ثَم فإن الوسيلة الأكثر فاعلية لإضعاف التنظيم هي تفكيك قاعدته الاجتماعية من خال معالجة الأوضاع التي خلقت هذا الاستياء الشعبي.

2- الأبعاد الخارجية ترتبط العوامل الخارجية الخاصة بمواجهة "داعش" بكل من العمليات العسكرية الجارية ضده، وقتل قياداته، فيما يوجد عامان آخران لا ينطبقان عليه، وهما المراجعات الفكرية والمفاوضات باعتبارهما من وسائل تفكيك التنظيمات؛ إذ لا يتوقع أن يقوم مثل هذا التنظيم بمراجعة أفكاره الأكثر تطرفاً، والتي تعتبر إحدى أهم نقاط الضعف التي يواجهها، لأنه بمجرد انحسار التقدم الميداني الذي يقوم به، فإن غياب نسق فكري متماسك سيسرع من اضمحاله الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، كثير من أبناء العشائر السنية في العراق يلتحقون ب "داعش" ليس بسبب مشروع فكري إسامي يتبناه، لكن كوسيلة للوقوف ضد السلطة المركزية في بغداد، والتي يرون أنها تتبنى نهجاً طائفياً، ولمواجهة حليفتها الإقليمية إيران( ).

من جانب آخر، يتبنى "داعش" عقيدة للحرب الشاملة من دون قيود، ويرفض التحكيم أو الحلول الوسط، حتى مع منافسيه من التنظيمات الإرهابية، ويقاتل الجميع بما في ذلك تنظيم

القاعدة؛ ولذلك يصعب القول باحتمالات وجود أي مفاوضات مع هذا التنظيم، لأنها ترتبط كذلك بالغايات التي يريدها، وهو ما يستحيل تحققه كوسيلة لوضع نهاية له.

أما بالنسبة لتصفية رأس التنظيم وقياداته، فعلى الرغم من أنه من الاستراتيجيات الفعالة لإضعاف التنظيمات الإرهابية بوجه عام، لكنه يعتمد كذلك على طبيعة هيكل إدارة عمل التنظيم، ومدى ما يتمتع به من دعم محلي. وهنا ياحظ أن "داعش" أسس هيكاً لا مركزياً نسبياً، يشمل المناطق التي تخضع لسيطرته، والأفراد المحددين المكلفين بشؤون هذه المناطق، ويتمتع قادته الميدانيون ومديريه المدنيين باستقالية، إذ يقدم البغدادي فقط التوجيهات الاستراتيجية الأساسية( ).

ويشير ذلك بشكل ما إلى احتمالات عدم فعالية هذا العامل في القضاء على "داعش"، لكنه عامل ربما يقود إلى إضعاف التنظيم جزئياً، شرط امتاك المعلومات التي تفيد بطبيعة القادة والأشخاص الرئيسيين الذين يديرون التنظيم فعلياً، لاسيما القادة العسكريين الذين كانوا يتبعون الجيش العراقي وأجهزة الأمن في نظام صدام حسين، والقادة الأجانب الذين يتمتعون بقدرات قيادية ميدانية عالية.

أخيراً، تبقى العمليات العسكرية كوسيلة لتصدع "داعش" هي المعيار الأقرب تطبيقاً ضمن سياسات المواجهة، حيث تشن العديد من الأطراف الدولية هجمات عسكرية على مواقعه، ومن أبرزها: حمات التحالف الدولي، والحملة الروسية، والحمات التي تقوم بها القوات العسكرية الوطنية في الدول التي ينشط فيها التنظيم.

وعلى الرغم من تعدد الفاعلين الدوليين الذين أعلنوا محاربة التنظيم، وما يتمتع به هؤلاء الفاعلون من قدرات عسكرية متنوعة ومتقدمة، فإن "داعش" لم يفقد بعد أكثر من عام من العمليات العسكرية الكثير من الأراضي التي سيطر عليها، وهو ما يمكن تفسيره بأن هذه الأطراف وإن توافقت حول أهداف مواجهة "داعش"، فإنها تختلف في الأهداف السياسية، وتفتقد التعاون والتنسيق المطلوب لهزيمته.

وعلى نقيض الحرب الدولية التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم "القاعدة" وحركة طالبان في عام 2001، والتي أثمرت عن إنهاء حكم طالبان والحد من قدرات القاعدة، فإن الظروف الإقليمية والدولية الآن تساعد "داعش" كثيراً على المقاومة، وذلك بالنظر لتعدد وتداخل مصالح الأطراف الرئيسية، "وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول فاعلية نوعية العمليات العسكرية المستخدمة في مواجهة التهديدات التي يطرحها التنظيم؛ فالضربات الجوية تأثيرها محدود، كما أن الطائرات من دون طيار تؤدي إلى ارتفاع حصيلة القتلى من المدنيين، الأمر الذي يساعد "داعش" على الحشد واستقطاب المزيد من المقاتلين الأجانب. من ناحية أخرى، فإن التفكير في إرسال قوات أرضية أجنبية إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم محفوف بالمخاطر لأن وجودهم سيجعل التنظيم يدعي أنه يتعرض لهجمات مما يقوي قدرته على الحشد واستقطاب أفراد جدد( ).

ومع ذلك تبقى الأداة العسكرية هي الوسيلة الأقرب لتصدع "داعش"، فمما لا شك فيه أن التنظيم فقد الآلاف من مقاتليه من جانب، ولم يتمكن من إحكام قبضة سلطته على المناطق التي يسيطر عليها من جانب آخر، كما أن القوات العراقية تحرز تقدماً في الحرب ضده في الآونة الأخيرة.

ومما سبق يمكن القول إن أبرز العوامل التي تقود إلى تفكيك "داعش" تكمن داخلياً في إمكانية حدوث انشقاقات كبرى بداخله، بما يضعف من قدراته على التجنيد، والتغلب عليه فكرياً من خال تشويه صورته الذهنية ونزع شرعيته المفترضة. وخارجياً تتمثل أبرز العوامل في تفعيل نتائج العمليات العسكرية ونزع سيطرته على العديد من المناطق، فهذا يكفل إضعافه معنوياً ومادياً، ويفقده الحواضن الاجتماعية القائمة اليوم.

بيد أنه ينبغي التأكيد على أنه من الصعوبة تصور حسم مسألة نهاية "داعش" في الأجل القصير؛ لأن عوامل ظهوره واستمراره لاتزال موجودة، فهذا التنظيم جاء نتاجاً لانهيار مؤسسات الدولة في سوريا والعراق، وانتشار الفكر المتطرف، وصعود التوترات الطائفية التي أدت إلى مظالم متراكمة، واستقطابات سياسية وتعبئة اجتماعية استمرت عقوداً من الزمن؛ ولذا فمن الضرورة أن تتم المعالجة الشاملة لهذه العوامل التي أدت إلى تفاقم ظاهرة الإرهاب.

خاتمة

تفيد الدراسات المختصة بالإرهاب أنه لا توجد أدبيات نظرية توافقت فيما بينها على وضع دورة محددة لبداية ونهاية، أو ما يعرف باسم "دورة حياة" التنظيمات الإرهابية، وربما يحتاج المتخصصون والأكاديميون والمسؤولون إلى بلورة تصنيفات متعددة لهذه التنظيمات. وبالتالي ثمة عدة تحديات تفرض نفسها على صانعي القرار عند بناء سياسات لمواجهة القوى الإرهابية، ومن أبرزها: 1- المعلومات؛ فمن الضرورة معرفة قدرات أي تنظيم، وأهدافه، وإدراك الأسس الأيديولوجية التي ينطلق عمله منها، من أجل تسهيل بناء سياسة استراتيجية تتناسب مع القوى التي تتعامل معه، ومن ثم لابد من الوصول إلى المعلومات الدقيقة التي على أساسها سيتم بناء السياسات التي تحقق الفاعلية المطلوبة، فعلى سبيل المثال، لتجفيف مصادر تمويل التنظيمات الإرهابية لابد من توافر المعلومات الدقيقة عن مصادر هذه الموارد( ).

2- التعميم؛ فا يمكن النجاح باستخدام الوسائل نفسها في مواجهة أفراد أو جماعات إرهابية مختلفة، فعلى سبيل المثال، تكونت الشبكات الإرهابية مثل القاعدة بشكل عام من عشرات أو مئات الأفراد الذين يهاجمون المدنيين، ولا يمتلكون سلطة مركزية على الأرض، ولا يمكن لهم مواجهة قوات عسكرية نظامية بصورة مباشرة، وفي المقابل فإن تنظيم "داعش" يضم متطوعين من أكثر من 80 دولة حول العالم، وصل عددهم وفق تقديرات المخابرات الأمريكية ما بين 20,00 إلى 31.000 مقاتل، ويفرض سلطته على أجزاء من أراض في العراق وسوريا، ويملك قدرات عسكرية متقدمة، ويتحكم في خطوط الاتصال، والبنية التحتية، والتمويل، ويضع نظاماً قضائياً يوالي أفكاره، ويشترك في عمليات عسكرية معقدة( ).

أيضاً من الآليات التي تمت الاستعانة بها في مواجهة القاعدة كان نزع شرعيتها من خال نشر أخطائها وأعمال العنف التي تقوم بها، لكن الوضع بالنسبة لتنظيم "داعش" مختلف، لأنه لم يرفع شعارات مثالية، ولكن كانت رسالته الرئيسية تدور حول الانتقام، وبالتالي فإن التركيز على وحشيته، قد يكون في صالحه. 3- الاختزال؛ ويقصد به النظر إلى التكتيكات الإرهابية كما لو أنها تمثل ظاهرة متماسكة، وقائمة بذاتها ومميزة تماماً، ففي هذه الحالة لابد من أن تحدث أخطاء في تقييم الأوضاع؛) فالتنظيمات الإرهابية باتت تتسم بالمرونة التي تختلف درجتها من تنظيم لآخر، وهو ما يساعدها في التحرك في الحرب غير النظامية، التي لا تنحسر في محيط جغرافي بعينه.

أيضاً هناك مشكلة يواجهها صانعو القرار عند اختزال التنظيمات في أسماء زعمائها إبان إلقاء خطاباتهم الرسمية الموجهة للشعوب، لأن ذلك يساعد في خلق الهالة التي يصنعها أنصاره حوله، مما يمنحه شرعية لوجوده. ولعل أبرز الأمثلة كانت تتعلق بزعيم تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن"، الأمر الذي يؤثر على بدائل السياسات المتاحة في مواجهة مثل هذه التنظيمات.

أخيراً، فإنه لا يمكن أن يتم اختزال دوافع أعضاء التنظيم الإرهابي في عامل واحد من أجل التبسيط أو لكسب شعبية لدى الرأي العام تجاه موقف معين، إذ لابد من بحث حقيقة العوامل التي شكلت دوافع الأعضاء المنتمين لأي تنظيم حتى يتم وضع السياسات المائمة للتعامل معهم.

دكتوراه في العلوم السياسية كلية الاقتصاد

والعلوم السياسية جامعة القاهرة

"المحرر: تم حذف "منظمة التحرير الفلسطينية من هذه القائمة".

Source: Audrey Kurth Cronin, How Terrorism Ends: understanding the Decline and Demise of Terrorist campaigns ,

United Kingdom : Princeton University Press , )2009 p 221 .

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.