التدابير الاحترازية:

مشكلات التعامل الاستباقي مع التهديدات الأمنية المحتملة

Trending Events - - المحتويات - سمية متولي

وبطبيعة الحال لا تعد الإجراءات الاحترازية أمراً جديداً، سواءً على مستوى الأفراد في حياتهم العادية أو على مستوى المؤسسات أو على مستوى الدول وهي تحافظ على أمنها الوطني، لكن الأمر الجديد الذي يمكن ماحظته على مستوى الدول هو تصاعد وتيرة اتخاذ إجراءات استباقية في الأعوام الأخيرة، وهو ما يرتبط بعدد من الأبعاد، أولها ضرورة وضع الكيفية والوسائل للتعامل مع أحداث مفاجئة وغير متوقعة واتخاذ ما يلزم لاستباق تداعياتها، وثانيها أن الدول تلجأ الآن لتعزيز استراتيجيات الاحتراز في مواجهة الإرهاب كبديل عن الحروب الاستباقية التي أدت إلى تزايد التطرف وانتشار التنظيمات الإرهابية، وثالثها أن تدابير الاحتراز يجب أن تتضمن الجمع بين الأدوات الاقتصادية والثقافية بالتوازي مع الأدوات العسكرية والأمنية.

ويمكن القول إن الدول تتجه لمزيد من تطبيق الإجراءات الاحترازية في المجالات الأمنية، وهو ما كان ظهر بداية في مواجهة الكوارث الطبيعية، فالهدف الأخير هو تعزيز القدرة والوسائل الكفيلة بالتعامل مع المخاطر والتهديدات قبل وقوعها والتكيف معها سريعاً حالة وقوعها.

اأولاً: مبداأ الاحتراز واإدارة الاأزمات

تشير كلمة "احتراز" اصطاحاً إلى المنع والتجنب. ويرجع أصل كلمة (Precaution) إلى الاتينية القديمة (Praecavēre)، وتتكون من مقطعين (Prae) وتعني "قبل" و(Cavēre) وتعني الخطر، ثم ظهرت في الاتينية الحديثة (Praecautio) في القرن الخامس عشر الميادي، ومنها تُرجمت إلى الفرنسية حيث ظهرت في كتابات مونتين (Montiagne) في عام 1580 ثم إلى الإنجليزية لتصبح (Precaution) المستخدمة حالياً( 1 ).

ويستخدم مصطلح الاحتراز في فقه القانون الجنائي ليعني اتخاذ التدابير الازمة لمنع وقوع جريمة، لكن مع ماحظة أن الإجراءات الاحترازية في القانون الجنائي تلي وقوع الجريمة ويتم اتخاذها حين يُعتقد

أن المتهم - الذي ثبت ارتكابه لجريمة بالفعل- قد يقدم على ارتكاب جرائم أخرى، أما في مجال إدارة الأزمات، فإن الإجراءات الاحترازية تستبق وقوع الأزمة.

وترتبط بدايات استخدام المصطلح في حقل إدارة الأزمات وأدبيات صنع القرار بالإعان الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية الذي عقد في ريو دي جانيرو في عام 1992، حيث ورد في المبدأ الخامس عشر من الإعان أنه "من أجل حماية البيئة، يجب أن يطبق الاقتراب الاحترازي وفقاً لإمكانيات كل دولة. ومتى كانت هناك أضرار جسيمة لا رجعة فيها، فا يجب استخدام عدم توافر اليقين العلمي الكامل كذريعة لتأخير استخدام تدابير فعالة من حيث التكلفة لمنع التآكل البيئي")2).

وأعقب ذلك مؤتمر شبكة العلوم والصحة البيئية في عام 1998، والذي وضع اللبنة الثانية في بناء مبدأ الاحتراز وتفعيله، حيث أشار البيان الختامي للمؤتمر إلى أن هناك ثاثة عناصر حاكمة لمبدأ الاحتراز، وهي: )وجود ضرر متوقع، ووجود عاقة بين سياسة ما وبين الضرر المتوقع، ووجود سياسة عاجية لهذا الضرر المتوقع(.

وقد أثار هذا التعريف ثاث قضايا أساسية أضحت محل جدل بين أنصار المفهوم وبين منتقديه. العنصر الأول يتعلق بغموض المفهوم من عدمه، حيث يشير المنتقدون إلى أنه إذا كان مبدأ الاحتراز من الناحية البنيوية يجعل العلم وإمكانات التنبؤ اليقينية مركزاً لإمكانية تطوير سياسات فعالة، لأنه يهدف في جوهره إلى الوصول بالسياسات والقرارات إلى أعلى درجات العقانية والرشادة وما يستتبعهما من تحكم دقيق وموجه في مسار الواقع الاجتماعي، لكن هذا يجعل المفهوم ينطوي في الوقت ذاته على درجات من عدم الوضوح، وعدم الاتساق، كما أنه لا يتعرض لاحتمال وقوع آثار عكسية؛ مما يجعل من العقانية المبتغاة سراباً يطارده المفهوم ولا يدركه بشكل كلي.

ويتجلى غموض المفهوم وعدم وضوحه في عدد من المواضع المسكوت عنها، فبموجب هذا المبدأ، فإن سياسة ما يجب أن يتبناها الفاعل المؤسسي حال وقوع "ضرر جسيم"، لكن لم يحدد على وجه الدقة ما المقصود بالضرر الجسيم، وما مدى جسامة الضرر التي تجعل من الضروري أن يتخذ الفاعل المؤسسي سياسة وقائية، وما هي درجة الاحتراز الازمة لكل درجة من درجات الخطر/ الضرر؟ ومن الذي

يتحمل كلفة الاحتراز؟)3)

وفي المقابل، يؤكد أنصار هذا المبدأ مثل جوردون وأوريوردان (Jordan and O'Riordan ) أن الغموض في مفهوم الاحتراز يسمح لصانع القرار بأكبر قدر من الحركة وفقاً للمتغيرات التي تتأثر بها عملية صناعة القرار)4،( وأن هذا الغموض لم يخرج عن إطار المألوف في الدراسات الاجتماعية والإنسانية التي تتسم مفاهيمها بعدم الوضوح، وأن ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو ضرورة وجود معايير لتحديد جسامة الخطر.

أما الجدل الثاني حول المفهوم فيدور حول تميزه بالاتساق من عدمه، فالمنتقدون يرون أن عدم الاتساق في مفهوم "الاحتراز" له بعدان: الأول يتعلق بأن المبدأ يهدف إلى ترشيد عملية صنع القرار في ضوء عدم كمال المعلومات (Imperfect Knowledge )، وهو ما يعني أن تدابير تفادي الضرر قد تؤدي لتداعيات غير مقصودة ربما تتضمن توليد أنماط جديدة من التهديدات، وهو ما أشارت إليه الأدبيات على أنه ظاهرة "فرض المخاطر" (Risk Imposition) بمعنى أن تنطوي الخيارات الاحترازية لصانع القرار على تهديدات جانبية وهامش للمخاطرة غير المحسوبة) 5 ).

ويرتبط البعد الثاني لعدم الاتساق بأن مبدأ الاحتراز لا يأخذ في الاعتبار حالات المفاضلة بين خطرين، مثل المفاضلة بين خطر المجاعة وخطر زراعة محاصيل معدلة جينياً لها أضرار بيئية وأضرار على صحة الإنسان. لكن المؤيدين للمفهوم يقولون إن السياسات الاحترازية ليست با مخاطر (Risk-Free) وإن المأخذ السابق ينطوي على افتراض ضمني مفاده أن المفاضلة تتم بين الإجراءات الاحترازية وبين حالة الافعل، وهو افتراض غير واقعي لأن صانع السياسات العامة يعمل دائماً على تطوير بدائل سياسات محددة تتضمن مفاضلة بين التكلفة والعائد.

أما الجدل الثالث فيدور حول النتائج المتوقعة، إذ يرى المنتقدون أن الإغراق في تطبيق التدابير الاحترازية يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، لكن المؤيدين يرون أن هذه التدابير مهمة لحفظ الأمن، وأنها لا تتخذ ولا يتم تطبيقها إلا في حالات تشير التوقعات إلى أنها سوف تحدث أضراراً كبيرة( 6 ).

ثانياً: منظومة �صنع القرارات والتدابير الاحترازية

ترتبط عملية صنع القرارات والسياسات الاحترازية في مواجهة الأزمات بترتيب مؤسسات الدولة للتهديدات وفق درجة خطورتها وإمكانية التعامل الاستباقي مع العوامل التي تؤدي لتفجر الأزمة.

وفي هذا الإطار أشار "ستيفن جون" لعدة عوامل تؤثر على عملية صنع قرار الإجراءات الاحترازية السابقة

تؤثر بعض المتغيرات في انتقاء سياسات احترازية للتعامل مع الأزمات يتمثل أهمها في درجة التهديد وإمكانية التعافي من تداعياته ودرجة تأثير التهديد على الأفراد وهل يوجد مستفيدون من تداعيات حدوث الأزمة، وأخيراً مستوى اليقين فيما يتعلق بحجم وتأثير الخطر ومدى امتلاك معلومات كاملة عن العوامل المسببة له وتداعياته.

على وقوع الأزمات، والتي يمكن تلخيصها فيما يعرف ب "مصفوفة المتغيرات المؤثرة على القرار الاحترازي")7( كما تظهر في الجدول رقم )1)

وقد أشار "ستيفن جون" إلى عدد من المتغيرات التي تلعب دوراً في اتخاذ القرار الاحترازي، يتمثل أهمها في درجة التهديد وإمكانية التعافي من تداعياته ودرجة تأثير التهديد على الأفراد وهل يوجد مستفيدون من تداعيات حدوث الأزمة، وأخيراً مستوى اليقين فيما يتعلق بحجم وتأثير الخطر ومدى امتاك معلومات كاملة عن العوامل المسببة له وتداعياته.

وعليه، فإن صانع السياسات العامة أمامه ثاثة أنواع أو بدائل من القرارات وفق رؤية جون، يتمثل أهمها في منع الأنشطة المسببة للخطر نهائياً بغض النظر عن وجود استفادة لبعض الفاعلين، أو السماح بالأنشطة المسببة للخطر بغض النظر عن تضرر البعض منها، أو الاختيار الثالث المتمثل في اتخاذ تدابير متوازنة تسمح بتحقيق استفادة من الفرص التي تترتب على التهديد مع تقليص الضرر على المتأثرين سلباً.

وبالنظر إلى الجدولين السابقين، يمكن القول إن أكثر الحالات صعوبة، والتي يواجهها صانع القرار هي تلك التي تكون فيها المخاطر جسيمة ولا يمكن التعافي منها، وتصاحبها درجة عالية من عدم اليقين وغياب معلومات كافية عن سبب حدوثها، ففي هذه الحالة يمكن لصانع القرار الاختيار بين قرارين، الأول: اتخاذ تدابير احترازية دائمة لمنع الأضرار في حال حدوث الخطر في ظل عدم اليقين حول توقيت الحدوث، والثاني: يتمثل في عدم اتخاذ أي تدابير مسبقة والاستعداد للتدخل عقب حدوث الخطر وإدارة الأزمة والتعامل مع التداعيات عقب حدوثها.

ويفترض هذا النموذج ضمنياً أمرين: الأول: رشادة الأفراد القائمين بالتعامل مع المخاطر ومعرفتهم الكاملة بتداعياتها والخسائر المترتبة عليها (Informed and Rational ) بحيث يمكنهم المفاضلة بين الضرر على المديين القريب والبعيد، أو المنافع على المديين القريب والبعيد.

وتؤكد الأدبيات في هذا الصدد أنه كلما اتسع النطاق الزمني يقل إدراك الفرد للخطر، بمعنى أن اتساع الفجوة بين توقع حدوث المخاطر وحدوثها الفعلي يؤدي لتراجع إدراك الفرد لهذه المخاطر وتراجع قدرته على التعامل معها والتعافي منها.

أما الأمر الثاني فهو يفترض توافر درجة عالية من الشفافية في عملية صنع القرار، ودرجة عالية من المسؤولية الاجتماعية لدى الفاعل المؤسسي. ويمكن هنا الإشارة إلى رد فعل جمهورية ألمانيا الاتحادية، عقب كارثة مفاعل فوكوشيما في اليابان في مارس 2011، حيث أصدرت المستشارة الألمانية أنجيا ميركل قراراً باتخاذ حزمة من التدابير الوقائية تقضي بإعدام المفاعات القديمة "نسبياً"، وإجراء اختبارات إخاء فوري للسكان لتدريبهم على إجراءات السامة في هذه الأزمات حال وقوعها، وتجاهلت ميركل كافة

الضغوط من جانب القائمين على صناعات الطاقة والذين تمكنوا في فترة سابقة من تأجيل ما يطلق عليه الإجماع النووي (Nuclear Consensus )، والذي كان يقضي بأن يتم إعدام كافة المفاعات القديمة بحلول عام 2020 ).

ثالثاً: التدابير الاحترازية في مواجهة التهديدات الاأمنية

مما لا شك فيه أن الهدف من مبدأ الاحتراز في إدارة الأزمات هو تحسين حياة الأفراد، وتوفير درجة عالية من الأمان والرفاهة للحياة البشرية، إلا أن تفعيله يتطلب درجة عالية من الدقة وتوافر المعلومات، وأطر مؤسسية مسؤولة، وأن تتسم عملية صنع القرار بالتشاركية، وتوافر الإمكانيات المادية الازمة لتطبيقه.

ومع الإدراك بأن غالبية الكتابات التي تناولت المبدأ الاحترازي قد ركزت عليه بالتطبيق على مجالي الصحة والبيئة، فهذا لا ينفي ظهور اتجاه جديد في الأدبيات يتناول هذا المبدأ بالتطبيق على مجال الدراسات الأمنية، لاسيما مع انتشار التطرف والإرهاب كظاهرة دولية عابرة للحدود.

بيد أن مثل هذه الإجراءات الاحترازية الخاصة بحفظ الأمن ومنع المخاطر والتهديدات الأمنية المتوقعة تظهر في الممارسة بشكل أكبر، فقد لجأت العديد من الدول لاستراتيجيات الاحترازية كبديل عن الحروب الاستباقية التي أخفقت في القضاء على التنظيمات الإرهابية.

وتتصدر مثل هذه الإجراءات اليوم جهود مواجهة الإرهاب والتطرف، والعمل على تجفيف منابعه بالاعتماد على المداخل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعتمد على رصد العناصر المحتمل انجرافها باتجاه التطرف وتغيير أوضاعهم الاجتماعية والثقافية لإعادة دمجهم في المجتمع.

وتشمل الإجراءات الاحترازية في مجال مكافحة الإرهاب تأسيس مراكز للإنذار المبكر تقوم بتقييم احتمالات حدوث هجمات إرهابية في دول العالم كافة وإصدار إنذارات بإغاق سفارات الدولة وإجاء رعاياها في حالة وجود احتمالات مؤكدة. وينطبق الأمر ذاته على وقف حركة الطيران أو تأجيل رحات معينة في حالة وجود معطيات أمنية تؤكد احتمالية حدوث هجمات إرهابية.

وتتضمن هذه الإجراءات أيضاً تطوير نظم تحليل المحادثات الهاتفية والتفاعات عبر شبكة المعلومات الدولية التي تعتمد على برامج ذكية ترصد طائفة واسعة من الكلمات المفتاحية ذات الصلة بالإرهاب والتطرف، لتقوم بتتبع هذه المحادثات واستخاص معلومات عن أطرافها واحتمالات تورطهم في عمليات إرهابية، وتعتمد الأجهزة الأمنية كذلك على اختراق التنظيمات الإرهابية من الداخل والحصول على معلومات عن أهدافها وعملياتها المستقبلية.

ويضاف إلى الرصد المعلوماتي وضع نظم للرقابة الشاملة عبر كاميرات الفيديو لكافة مناطق الدولة لرصد أي تهديد محتمل قبل وقوعه، والإجراءات الأمنية التي تقوم بها بعض الدول لمنع حصول العناصر المتطرفة على أدوات تنفيذ العمليات الإرهابية من خال التطبيق الدقيق لحظر تداول الأسلحة الصغيرة والمواد الكيماوية التي يمكن استخدامها في تصنيع متفجرات بدائية.

وفي المجمل، يمكن القول إن تصاعد الاهتمام العالمي بالإجراءات الاحترازية في مواجهة التهديدات الإرهابية لا تعني منع وقوع عمليات إرهابية أو القضاء كلية على مخاطر الإرهابيين، فعاوة على الصعوبات التي تواجه تطبيق وتفعيل هذه الإجراءات لأنها تقوم بالأساس على توقع الأحداث المفاجئة وتعتمد على دقة المعلومات وعلى جهد بشري متصور من القيادات، فإنها أيضاً لا يمكنها أن تردع تماماً جماعات وتنظيمات تكاد تفكر بالطريقة ذاتها وتبتكر عناصر جديدة لدى تنفيذ هجماتها الإرهابية، هذا فضاً عن ما تثيره بعض الإجراءات الاحترازية الصارمة من جدل داخلي أحياناً بحيث يتم استخدامها سياسياً داخل الدول من قبل المعارضين السياسيين، والذين يلجأون للخيارات ذاتها تقريباً وهم في السلطة.

مدرس العلوم السياسية المساعد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.