فرنسا نموذجاً:

لماذا تحولت بعض تجمعات مسلمي أوروبا إلى حواضن للتطرف؟

Trending Events - - المحتويات - جمال العرفاوي

ويتمثل هذا الواقع في أن القائمين على هذه الهجمات ينتمون إلى أبناء الجيل الثالث من المهاجرين، بل إن بعضهم كان من المتحولين حديثاً إلى الإسام، وتطرفوا من خال الدعاية الجهادية عبر الإنترنت، وشرعوا في تنفيذ عمليات إرهابية، وهو ما يكشف عن مخاطر تطرف الشباب، ويدفع إلى التساؤل حول الأسباب، التي دفعتهم إلى التحول من أفراد عاديين إلى إرهابيين.

ويجادل هذا التحليل بأن أحد أسباب تطرف الشباب في الدول الغربية، هو شعورهم بالعزلة المجتمعية والتمييز والاضطهاد، وهو ما دفعهم إلى التطرف بحثاً عن الهوية والقبول وأن يكون لهم هدف ووجهة، وقد وجدوا في التطرف المتنفس الرئيسي للتعبير عن غضبهم من الدولة التي خذلتهم، وللتخلص من الشعور بالظلم والاضطهاد والإهانة(1).

وقد ساعد على هذا الشعور تكوين المسلمين في الدول الأوروبية ل "مجتمعات موازية"، بغض النظر عن نموذج الاندماج الذي اتبعته هذه الدول، إذ يعيش أبناء الأقليات الإسامية في أحياء فقيرة عانت من تجاهل الدولة، ومن التمييز والاضطهاد من المجتمع الأوسع، ولذلك فإنهم، وإن استطاعوا الحفاظ على قيمهم الدينية والثقافية، إلا إنهم عجزوا عن استيعاب قيم الدولة التي يعيشون فيه، وهو ما جعلهم عرضة للدعاية المتطرفة(2).

وفي ضوء ما سبق، فإنه يمكن القول إن ما شهدته العاصمة الفرنسية يوم 13 نوفمبر 2015 من هجمات إرهابية متزامنة، راح ضحيتها 132 فرداً، نتيجة طبيعية لتراكمات لم تتم معالجتها في وقتها وبالجدية المطلوبة، وذلك على الرغم من أن تلك العملية لم تكن الأولى، فقد سبقتها عملية شارلي إيبدو الإرهابية في يناير من نفس العام، إلا أن أصحاب القرار ظلوا يدورون في حلقة الاقرار.

وسوف تسعى هذه المقالة إلى توضيح تلك الفرضية من خال بيان التحولات في العمليات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها فرنسا، والتي تختلف عن سابقتها، والكيفية التي تحولت من خالها الضواحي التي يقيم فيها المسلمون في الغرب إلى حواضن للتطرف، والدور الذي

لعبه أئمة التطرف في هذا الإطار.

اأولاً: تحوّل فا�صل

لا تعتبر العمليات الإرهابية ظاهرة جديدة تشهدها فرنسا، فعقب استقال الجزائر عن فرنسا في عام 1962، شهدت باريس موجات إرهابية، غير أن الملحوظة الأساسية أن أغلب تلك العمليات قد ارتبط بصراعات تورطت فيها فرنسا بعيداً عن حدودها مثل الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينيات، والجزائرية في التسعينيات من القرن الماضي، أما أبرز الهجمات الإرهابية الأخرى، فقد استهدفت المؤسسات التابعة لليهود، كمطعم أو مدرسة يهودية، وعلى الرغم من أنها وقعت على الأراضي الفرنسية، فإنها كانت نابعة بصورة أساسية من الغضب من الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وبالتالي يمكن النظر إليها باعتبارها امتداداً للصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط أكثر من كونها هجمات تستهدف فرنسا نفسها( 3 ).

ولكن عام 2015 شهد تحولاً فاصاً في تاريخ فرنسا مع الإرهاب، ولا يرجع ذلك بالضرورة إلى أنه العام الذي شهد الأحداث الإرهابية الأكثر دموية من حيث عدد الضحايا، ولكن يرجع ذلك إلى عاملين أساسيين، يتمثل العامل الأول في أن هذه العمليات جاءت بعد عام تقريباً من مياد تنظيم "داعش" الذي استطاع أن يستغل سخط الشباب المسلمين الفرنسيين، وينتدبهم لينفذوا عمليات إرهابية بعد حصولهم على التدريبات الازمة على مختلف أنواع الأسلحة والقدرة على القيام بعمليات إرهابية متزامنة، وبالتالي فإن هذه العمليات قد تمت من قبل شباب فرنسيين وضد أهداف فرنسية.

أما العامل الثاني، فيتمثل في حدوث تحوّل في نمط التهديدات التي تفرزها الضواحي، وذلك من الاحتجاج الجماعي، كما في احتجاج الضواحي في أكتوبر 2005، إلى انتهاج أسلوب العمليات الإرهابية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن أغلب تلك العمليات قام بها أبناء الجيل الثالث، أي ذلك الجيل الذي ولد وترعرع ودرس في فرنسا على قيم الجمهورية الفرنسية، وبالتالي كان من المفترض أن يكون مندمجاً في المجتمع الفرنسي.

وقد وضحت مشكلة "الاغتراب والتهميش" التي يعاني منها المسلمون في فرنسا، من خال "أحداث الضواحي" في عام 2005، والتي كانت بمنزلة ناقوس خطر لم يشأ أن ينتبه إليه الساسة الفرنسيون، وبدلاً من التعرف على الأسباب الكامنة وراءها ومعالجتها، حولوا أزمة الضواحي إلى وقود للمزايدات الحزبية والانتخابية، التي سرعان ما تراجعت عقب الانتهاء من الانتخابات.

ففي 27 أكتوبر 2005، اندلعت مواجهات فور انتشار خبر وفاة شابين بعدما صعقا كهربائياً عقب فرارهما من الشرطة، فقد خرج سكان الضواحي إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم الدفين، وللتنديد بممارسات الشرطة القاسية وفقاً لهم. فقاموا بإضرام النار في بعض المباني، وبعضها كان يرمز للدولة كالمدارس والمباني العامة، وأحرقوا السيارات، لتلتهب الضواحي الفرنسية لمدة ثاثة أسابيع، إلى أن فرضت السلطات حالة الطوارئ في 8 نوفمبر 2005، لتكون بذلك هي المرة الأولى التي يتم فيها فرض مثل هذا القرار منذ نهاية الحرب الفرنسية – الجزائرية في 1962.

وبعد أن هدأت العاصفة قدم العديد من الساسة الفرنسيين وعوداً جارفة تبشر بإجراء تغييرات جذرية على تلك المناطق المهمشة، والتي تحولت إلى مصدر تهديد، غير أنه بعد مرور عشر سنوات على هذه الأحداث كشف استطاع للرأي قام به معهد سودكسا ونشرت نتائجه صحيفة لوباريزيان الفرنسية أن شيئاً لم يتغير في داخل هذه الأحياء أو نظرة الفرنسيين لسكانها، فقد اعتبر 62% من الفرنسيين أن سكان الضواحي لا يتصرفون بشكل لائق ولا يحترمون الآخرين، وقد ارتفعت هذه النسبة لتبلغ 78% لدى أنصار اليمين مقابل 48% عند أنصار أحزاب اليسار.

ويؤكد هذا الاستطاع أن الصور النمطية التي يحملها الفرنسيون عن سكان الضواحي متجذرة في عقول الفرنسيين عموماً، ولم تتغير، والتي تدور في مجملها حول أن الضواحي مناطق فقيرة وخطيرة ويعيش فيها سكان من أصول وثقافات متشابهة ويتقاسمون طريقة العيش نفسها(4).

ثانياً: مجتمعات موازية

يكشف ما سبق عن فشل الاندماج في صفوف المهاجرين داخل المجتمع الفرنسي، ولعل من مامح ذلك أن أغلب التاميذ الذين ينتمون إلى الجيل الثالث، والذين يعتبرون فرنسيين بالولادة واللغة يحملون وعياً لا يختلف كثيراً عن وعي الجيل الأول.

فقد تعرض هذا الجيل لنظامين مختلفين من المبادئ هما: نظام العائلة ونظام المدرسة، فقد وجد هذا الجيل نفسه في أسرة مغاربية بكل جذورها وأصولها الثقافية والدينية، لكنه في الوقت نفسه ترعرع وعاش وسط مجتمع فرنسي غريب اللغة واللسان والثقافة")5،( وبالتالي فقد نشأ هذا الجيل ممزقاً بين ثقافتين: ثقافة المجتمع الخارجي، الذي يفرض نمط حياة يتواءم وطبيعة المجتمع الغربي المنفتح، وثقافة الأسرة بعاداتها وتقاليدها العربية والإسامية المحافظة.

ومن جهة ثانية، لعب عامل آخر دوراً مهماً في عدم إدماج أبناء الجيل الثالث في المجتمع، ويتمثل هذا العامل في أن القانون الفرنسي يجبر التاميذ على الدراسة في أقرب مدرسة للحي الذي يقيم فيه، فالمدارس الحكومية لا تقبل إلا تامذة الحي التابع لها، وبالتالي يبقى هؤلاء في نفس المحيط غير مهيأ لاندماج في المجتمع الأكبر، كما أن جانباً منهاً يفشل في الاستمرار في مسيرتهم التعليمية فيواجهون الفشل الدراسي،

وهو ما يضيف إلى حالة التمزق النفسي الذي يعيشونه.

وإذا تمكن أبناء الجيل الثالث من تجاوز كل العقبات الاجتماعية والحصول على شهادة علمية أو مهنية، تمكنهم من الخروج من الضاحية أو الغيتو الذي يعيشون فيه، فإنهم سيصطدمون بالنظرة العنصرية والصورة النمطية للمجتمع الفرنسي عنهم، ففرص حصولهم على وظيفة في مؤسسة فرنسية تحترم شهادتهم العلمية، وتختلف عن تلك التي استقبلت آباءهم أو أجدادهم خال خمسينيات القرن الماضي، والتي انحسرت في مناجم الفحم أو شق الطرق لإقامة سكك المترو، تبقى منعدمة، وهو ما يزيد من إحساسهم بالظلم، وشعورهم بالاغتراب عن المجتمع الفرنسي.

وقد كشف التقرير الصادر عن المرصد الوطني لسياسات المدن لعام 2014، أن المناطق التي يقيم فيها المهاجرون – وعددها 751 منطقة – تعيش حالة من التهميش، إذ تبلغ نسب البطالة فيها نحو 23%، وذلك على الرغم من إطاق عدة مشاريع تعود بعضها إلى فترة رئاسة جاك شيراك (1995 – 2007،) تهدف جميعها لحل مشكلة البطالة التي تواجه الجيلين الثالث والرابع من أبناء الضواحي في سوق العمل، وذلك بهدف إدماجهم في المجتمع.

أما العامل الرابع الذي ساهم في تفاقم شعور أبناء الجيل الثالث والرابع بالاغتراب، فيرجع إلى غياب أي معالجة حقيقة لمشاكلهم من قبل الحكومات الفرنسية المتعاقبة، والتي عادة ما تطرح قضايا إدماج أبناء المهاجرين المغاربة في سوق العمل في المناسبات الانتخابية فقط، نظراً للقوة الانتخابية لهم، إذ يقدرون بحوالي 8% من إجمالي سكان فرنسا.

فمن الملحوظ أنه تم التراجع عن تنفيذ العديد من الأفكار التي وعدت بها الحكومات المختلفة، والتي تم طرحها منذ بداية الثمانينيات من القرن السابق، وذلك على الرغم من التفاعل الإيجابي معها من قبل ممثلي أبناء المهاجرين. وتتمثل أهم هذه الأفكار في فرض نسبة معينة لكل جالية للحصول على مساكن حكومية زهيدة الإيجار، وذلك للحد من تكدس جالية واحدة في منطقة معينة، تمهيداً لدمجهم في المجتمع الفرنسي، فضاً عن إنشاء المجلس الإسامي الأعلى، والذي كان يهدف إلى تحصين الشباب الفرنسي المسلم من الأفكار المتطرفة القادمة من الخارج.

ومن ضمن الأفكار الأخرى، التي هدفت لتعزيز حضور الأقلية المسلمة في سوق العمل، كان هناك اقتراح ب "فرض السيرة الذاتية المجهولة الهوية"، أي أن المتقدم للوظيفة لا يذكر اسمه أو عنوانه في السيرة الذاتية ثم يترك فقط رقم الهاتف أو الإيميل، وذلك لضمان اختيار الشخص الكفء للوظيفة، وفقاً لاعتبارات مهنية، من دون الاستناد إلى الخلفيات الاجتماعية، غير أن ذلك المقترح لم يتم تطبيقه هو الآخر.

وحتى فيما يتعلق ببعض الخطوات الفعلية التي تم اتخاذها، تجدر الإشارة إلى أن جانباً منها شهد انتكاسة، فمثاً كان يتم، في بعض الأحيان، اختيار شخص ذي أصول عربية أو أفريقية لمنصب حكومي رفيع بهدف إشعار الأقليات بأنهم جزء فاعل ومهم في المجتمع، مثل اختيار شخص ذي أصول جزائرية لمنصب محافظ الشرطة لمدينة جورا(6،( إلا أن بعضها كان شكلياً، وعلى سبيل المثال، فقد تمت إقالة عبدالرحمن دحمان من منصبه كمستشار للرئيس ساركوزي لشؤون الجمعيات المسلمة بسبب انتقاده لمبادرة أطلقها ساركوزي لإجراء حوار وطني حول مستقبل الإسام في الباد، والتي اعتبرها دحمان خطوة عنصرية تهدف لاستمالة أصوات اليمين المتطرف)7(.

أما العامل الخامس، وراء شعور أبناء الجيل الثالث بالتهميش، فيتمثل في القوانين المتعاقبة التي صدرت، والتي نُظر إليها على أنها تحمل قدراً كبيراً من التمييز ضد المسلمين، مثل تبني الحكومات الفرنسية المتعاقبة قوانين لحظر ارتداء الحجاب في المدارس في عام 2004 تاه حظر النقاب في الأماكن العامة في عام (8 2010).

وفيما كان الجدل متواصاً حول الحجاب وتبعاته، جاءت أحداث 11 سبتمبر لتضاعف من نفور هذا الجيل الجديد، وبرزت عدة مؤشرات على تحوّل الشباب للتطرف من دون أن يتم الالتفات لها، فأصبح شباب الضواحي يسنون أنظمة خاصة في منطقة سكنهم تخالف في الكثير من الأحيان مبادئ الجمهورية الفرنسية، فانتشر اللباس الأفغاني في صفوفهم وأُطلقت اللحى وازدهرت تجارة المواد الاستهاكية المدموغة بكلمة حال.

وقد دفعت هذه العوامل مجتمعة إلى تحويل قضية "الانتماء إلى الدولة الفرنسية" لشباب الضواحي محل شك، خاصة في ظل السياسات السابقة، والتي نُظر إليها على أنها تحمل الكثير من التمييز والظلم لهم، وهو ما دفعهم إلى الدفاع عن "هويتهم"، التي لا يعلمون عنها بالضرورة الكثير، بل والالتجاء إليها للتمايز عن الآخر المختلف عرقياً ودينياً، لتتولد بعد ذلك نزعة دينية أدت في الكثير من الأحيان لكره المجتمع الذي يعيشون فيه وصولاً إلى الرغبة في الانتقام منه.

وحين سئلت السيدة لمياء قدور– الباحثة المتخصصة في العلوم الإسامية ومؤلفة كتاب "مستعدون للقتل: لماذا يذهب الشباب الألمان إلى الجهاد؟"– عن أسباب سفر خمسة من طلبتها إلى سوريا للجهاد، أجابت أن السبب الرئيسي لتطرُّفهم يتمثل في شعورهم في أنَّهم ضائعون في المجتمع الذي

هيأت العوامل السابقة مجتمعة الظروف لتقبل أبناء الجيل الثالث للتطرف، ولكن كان هناك عامل إضافي ساهم في تحولهم إلى التطرف ولتبني العنف ضد المجتمع الأوسع، وقد تمثل هذا في وجود شخص كاريزمي يتمتع بقدرة كبيرة على التلاعب بمظلوميتهم، وإقناعهم بالتطرف للرد عليها.

يعيشون فيه، ومنبوذون. كما ذهبت إلى "أن الأمر ينطبق أيضاً على المعتنقين حديثاً للإسام"، إذ إنه توجد لدى معتنقي الإسام الأسباب النفسية والاجتماعية نفسها، وهم في ذلك لا يختلفون عن الشباب الذين يختارون في وقت لاحق الانضمام إلى جماعات اليمين المتطرِّف، فهم يشعرون جميعاً بعدم الاعتراف بهم وبأنَّهم غير مشمولين بالرعاية(9).

ثالثاً: اأئمة التطرف

هيأت العوامل السابقة مجتمعة الظروف لتقبل أبناء الجيل الثالث للتطرف، ولكن كان هناك عامل إضافي ساهم في تحولهم إلى التطرف ولتبني العنف ضد المجتمع الأوسع، وقد تمثل هذا في وجود شخص كاريزمي يتمتع بقدرة كبيرة على التاعب بمظلوميتهم، وإقناعهم بالتطرف للرد عليها، سواء كان هذا الشخص موجوداً في المسجد أو المدرسة أو الجامعة أو حتى السجن)10،( فهؤلاء الشباب لم يكن لهم أية عاقة بالعالم العربي أو بالقرآن، وحين تحولوا إلى المساجد قدموا لهم نظرة متطرفة عن الدين الإسامي.

وعلى الرغم من اهتمام الطبقة السياسية بقضية التطرف الديني، فإنه كان لا يتجاوز حلقات النقاش السياسية أو الحمات الانتخابية، وتترك الساحة للجماعات الإسامية المتطرفة، والتي سعت إلى اغتنام غياب المرجعية الإسامية المعتدلة، ونجحت في التواصل مع الكثير من الشباب المغامر الذي بدأ يكفر بما هو رسمي، ومن أبرز شخصيات هذه الكتلة العقائدية المدون "المتشدد" فاتح كيموش الذي سجل موقعه "الكنز" 14 مليون زيارة في 2014 أو الشباب الناشطين في إطار جمعية مكافحة الإساموفوبيا في فرنسا")11).

وفي ضوء ما سبق، لم يجد تنظيم "داعش" صعوبة تذكر في الوصول إلى عقول شباب الضواحي في كل من فرنسا وبلجيكا، فقد كانت هناك شبكات كبيرة لتجنيد أبناء الضواحي قائمة بالفعل في أوروبا، وقد بدأت فرنسا تنتبه إلى خطر الأئمة المتطرفين، ففي أكتوبر 2015، اعترف رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، خال لقائه بشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في القاهرة أن باده تعاني عدم وجود صوت واحد للإسام في فرنسا، كما أكد أن باريس "تؤيد فكرة تدريب الأئمة الفرنسيين وتأهيلهم لمواجهة الفكر المتشدد حتى لا يقع الشباب فريسة في أيدي الجماعات المسلحة"، كما أعلن برنار كازنوف، وزير الداخلية الفرنسي والمكلف أيضاً بشؤون الأديان، أنه سيتم عقد لقاءات حوارية مع المؤسسات الإسامية في فرنسا بدءاً من يناير 2016، وذلك للتركيز على قضية التطرف.

وبالإضافة إلى المجهود الحكومي، بادر المجتمع المدني في فرنسا لمواجهة التطرف، ففي ديسمبر 2015 عقد معهد العالم العربي بباريس مؤتمراً لمناقشة كيفية مكافحة الخطاب التكفيري المتطرف، مثل إلقاء مواعظ باللغة الفرنسية وتنظيم تدريب وتأهيل أفضل لأئمة الجوامع وتأسيس جمعية لدعم الأحياء الفقيرة مالياً، كما وقعت الاتحادات الإسامية العشرة والجوامع الكبيرة الخمسة وعدد من ممثلي التيارات الإسامية، "بيان المواطنة" لمسلمي فرنسا، والذي يؤكد تمسك مسلمي فرنسا بميثاق الجمهورية، وأن تنظيم "داعش" يناقض الإسام بشكل كامل(13).

وفي الختام، يبقى التساؤل، هل تسعى فرنسا لالتفات إلى مشاكلها المجتمعية الحقيقية، وتبدأ بوضع معالجة جادة لها، أم أنها ستلجأ إلى تصدير أزمتها إلى الصراعات الدائرة في المنطقة العربية في أكثر من قطر عربي، لكي تتنصل من التزاماتها؟ وهل تتم محاربة كل أشكال التطرف في فرنسا، أم أنها ستقتصر على محاربة التطرف الإسامي، وتتغاطي عن اليمين المتطرف، والذي يصدر تصريحات عنصرية، مثل تصريح ماريون لوبان – ابنة أخت مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية – بأن المسلمين لا يمكن أن يحتلوا المرتبة نفسها مثل أتباع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية(14؟)

صحفي وباحث تونسي متخصص في الجماعات الإسلامية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.