الذكاء الاصطناعي:

تأثيرات تزايد دور التقنيات الذكية في الحياة اليومية للبشر

Trending Events - - تحليلات المستقبل -

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي أمراً من الخيال العلمي، خاصة في ضوء تنامي التطبيقات والآلات التي بدأت تعتمد عليه، ووجود تداعيات لبعض أشكال الذكاء الاصطناعي على الحياة البشرية، وهو ما يسلط الضوء مجدداً على تحذيرات ستيفن هوكينغ– عالم الفيزياء الكبير– من قدرة الذكاء الاصطناعي على تدمير الحياة البشرية.

يتجسد الذكاء الاصطناعي في العديد من التطبيقات من حولنا في الخوارزميات الموجودة في مواقع التواصل الاجتماعي التي ترشح إليك الأصدقاء وتدفقات الأخبار، وخوارزميات محركات البحث والخرائط الرقمية والإعلانات، وبرامج المساعدة الصوتية مثل سيري )Siri( وكاميرات المراقبة التي تدرك وتميز الوجوه، ونظم المرور الذكية. ويعتبر إعلان عملاق التجزئة أمازون، في ديسمبر 2016، عن إنشاء أول متجر تجزئة كامل يديره الذكاء الاصطناعي، أحد أبرز التطبيقات اليومية للذكاء الاصطناعي، فكل ما على العميل القيام به عند دخول المتجر فقط تسجيل دخول بالحساب الخاص به على موقع أمازون، وأخذ ما يلزمه من المتجر والخروج بهدوء، بينما تقوم العديد من المستشعرات والكاميرات بالتعرف على العميل وتحديد الأصناف التي اشتراها المستهلك، وفي النهاية تأتي له فاتورة الحساب على الهاتف بكل سهولة ويسر، ويتم خصمها من حسابه البنكي)1.)

�أولاً: عنا�سر �لذكاء �لا�سطناعي

قام جون مكارثي ‪John McCarthy(‬ ) بصك هذا المصطلح في عام 1956، ووفقاً له، فإن الذكاء الاصطناعي هو "علم هندسة إنشاء آلات ذكية، وبصورة خاصة برامج الكمبيوتر")2،) فهو علم إنشاء أجهزة وبرامج كمبيوتر قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التي يعمل بها الدماغ البشري، تتعلم مثلما نتعلم، وتقرر كما نقرر، وتتصرف كما نتصرف.

وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهي محاولة لتقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذ قراراتهم، وتتم من خلال دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في مواقف معينة ومراقبة ردود أفعالهم ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع هذه المواقف، ومن ثم محاولة محاكاة طريقة التفكير البشرية عبر أنظمة كمبيوتر معقدة.

ولما كان الذكاء الاصطناعي هو أنظمة كمبيوتر تحاكي البشر في تصرفاتهم، فإن هذا لا يعني أن أي قطعة برمجية تعمل من خلال خوارزمية معينة، وتقوم بمهام محددة تعتبر ذكاء اصطناعياً، فلكي نطلق هذا المصطلح

على نظام كمبيوتر لابد أن يكون قادراً على التعلم وجمع البيانات وتحليلها واتخاذ قرارات بناء على عملية التحليل هذه، بصورة تحاكي طريقة تفكير البشر، وهو ما يعني توافر ثلاث صفات رئيسية هي)3:) • القدرة على التعلم، أي اكتساب المعلومات ووضع قواعد استخدام هذه المعلومات. • إمكانية جمع وتحليل هذه البيانات والمعلومات وخلق علاقات فيما بينها، ويساعد في ذلك الانتشار المتزايد للبيانات العملاقة ‪.)Big Data(‬ • اتخاذ قرارات بناء على عملية تحليل المعلومات، وليس فقط مجرد خوارزمية تحقق هدفاً معيناً.

وفي ضوء ما سبق، فإن خوارزمية البحث على جوجل، مثلاً، لا تصبح ذكاء اصطناعياً إلا إذا توافرت فيها هذه الصفات الثلاث، فإذا قام أحد الأفراد بالبحث، مثلاً، عن السياحة في أبوظبي، وأدركت خوارزمية البحث هذا المطلب وأجابته عليه في حدود البحث عن السياحة في أبوظبي فقط، فإن ذلك لا يعد ذكاء اصطناعياً، ولكي يكون كذلك، لابد أن تجمع الخوارزمية بيانات أكثر، وتعرض مقترحات إضافية، أي أن يقوم النظام من تلقاء نفسه بترشيح إعلانات لهذا الشخص عن عروض السياحة في أبوظبي، وأفضل خطوط الطيران التي يمكن أن يسافر من خلالها، وأي الفنادق التي يمكن أن يسكن فيها أثناء رحلته، ثم يبدأ بترشيح بعض الأماكن والمعالم السياحية التي يمكن زيارتها في أبوظبي، وبهذا يقدم النظام أكثر من مجرد عملية بحث عادية، وهو ما يحدث بالفعل عبر جوجل.

وبصورة عامة، يمكن تقسيم أنواع الذكاء الاصطناعي إلى أربعة أنواع رئيسية تتراوح من رد الفعل البسيط إلى الإدراك والتفاعل الذاتي، وذلك على النحو التالي)4:) 1- الذكاء الاصطناعي الضيق أو الضعيف ‪Narrow AI or(‬ ‪:)Weak AI‬ وهو أبسط أشكال الذكاء الاصطناعي، وتتم برمجة الذكاء الاصطناعي للقيام بوظائف معينة داخل بيئة محددة، ويعتبر تصرفه بمنزلة رد فعل على موقف معين، ولا يمكن له العمل إلا في الظروف البيئة الخاصة به، ومن الأمثلة على ذلك الروبوت "ديب بلو"، والذي صنعته شركة "آي. بي إم." IBM() والذي هزم جاري كاسباروف بطل الشطرنج العالمي. 2- الذكاء الاصطناعي القوي أو العام ‪General AI or(‬ ‪:)Strong AI‬ ويتميز بالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها وعمل تراكم خبرات من المواقف التي يكتسبها، والتي تؤهله لأن يتخذ قرارات مستقلة وذاتية، ومن الأمثلة على ذلك السيارات ذاتية القيادة، وروبوتات الدردشة الفورية، وبرامج المساعدة الذاتية الشخصية. 3- الذكاء الاصطناعي الخارق ‪:)Super AI(‬ وهي نماذج لاتزال تحت التجربة وتسعى لمحاكاة الإنسان، ويمكن هنا التمييز بين نمطين أساسيين، الأول: يحاول فهم الأفكار البشرية، والانفعالات التي تؤثر على سلوك البشر، ويملك قدرة محدودة على التفاعل الاجتماعي، أما الثاني فهو نموذج لنظرية العقل، حيث تستطيع هذه النماذج التعبير عن حالتها الداخلية، وأن تتنبأ بمشاعر الآخرين ومواقفهم وتتفاعل معها فهي الجيل القادم من الآلات فائقة الذكاء.

ثانياً: ع�سرة تطبيقات للذكاء �لا�سطناعي

يمكن الإشارة إلى عشرة تطبيقات أساسية تستخدم الذكاء الاصطناعي، ونشعر بها في حياتنا اليومية، ويمكن إيجاز أهم هذه التطبيقات فيما يلي: 1- الروبوتيكس Robotics(:) ويعد أحد أبرز أشكال الذكاء الاصطناعي، وهو ذلك الفرع من التكنولوجيا المتعلق بعملية تصميم وبناء وتشغيل تطبيقات مختلفة من الروبوتات أو الإنسان الآلي، ويعد واحداً من أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقدماً، حيث يهتم ببناء هيكل مادي يعمل وفق منطق بشري، يمكن برمجته أو توصيله بالحاسب الآلي ليؤدي مهاماً معينة، ولكونها آلة ذكية فيُترك لها قدر من حرية التصرف وفق ما تواجهه من مواقف، وقد كثفت كثير من الشركات خلال السنوات القليلة الماضية جهودها نحو بناء نظام آلي قادر على قيادة السيارات، مثل شركة جوجل وتسلا، ومؤخراً آبل وغيرها من الشركات، بصورة تحل السائق الآلي محل السائق البشري)5.) 2- الدرونز: وقد انتشرت الطائرات من دون طيار في كثير من الأعمال، منها ما هو مسيّر من خلال غرفة تحكم بشرية، ومنها ما هو قادر على اتخاذ قراراته بنفسه، مثل تتبع حركة غير منطقية، كما في الطائرات التي تستخدم في مراقبة الحدود والمحاصيل الزراعية، أو الطائرات القادرة على توصيل الطرود والأطعمة أو تلك الطائرات المستخدمة في التصوير الشخصي، مثل كاميرات نيكسي، والتي يتم تثبيتها على اليد، ثم تنفك، وتحلق بعيداً لتلتقط صوراً أو لقطات فيديو عن بعد، وغيرها من عشرات الاستخدامات المدنية)6.) 3- الطابعات ثلاثية الأبعاد: تعتبر الطابعات ثلاثية الأبعاد ذكاءً اصطناعياً فقط في حالة اتصالها بغيرها من الآلات، فمثلاً إذا كانت الطابعة مبرمجة على إنتاج منتج محدد بصورة آلية، فهذا لا تتوافر فيه شروط الذكاء الاصطناعي السابق ذكرها، أما إذا استطاعت أن تتصل بغيرها من الآلات لإنتاج منزل مثلاً، أو تشييد بناء، أو الدخول في عمل معقد، فهنا تصبح نموذجاً من نماذج الذكاء الاصطناعي، أما محور اهتمام كثير من الأبحاث حالياً فهو الطابعات رباعية الأبعاد والتي لها القدرة على إنتاج مجسمات قادرة على تجميع نفسها آلياً. 4- إنترنت الأشياء: لا يعتبر إنترنت الأشياء Internet( ‪of Things‬ ) تطبيقاً للذكاء الاصطناعي، إلا عندما تتواصل الآلات مع بعضها البعض ‪Machine to machine(‬ communication،) أي أن تبدأ الآلات مثل الأدوات الكهربائية وقطع الأثاث والألعاب الإلكترونية والسيارات والساعات والنظارات والملابس والأحذية وغيرها من مليارات الأجهزة والأدوات في تبادل المعلومات فيما بينها واتخاذ قرارات وفقاً لعملية تبادل المعلومات وتحليلها، بحيث تتمكن من الاتصال ببعضها البعض بصورة آلية وفورية من دون الحاجة إلى

تدخل الإنسان. 5- برامج المساعدة الصوتية ‪Sound Assistance(‬ :)Programs ويقصد بها تلك البرامج التي تتلقى الأوامر الصوتية من المستخدم للقيام بوظائف معينة، أو تتفاعل مع المستخدم عبر تقنية الصوت، وقد اتجهت كبريات الشركات في العالم إلى إنشاء نماذج من هذه البرامج، فأنشأت شركة آبل تطبيق سيري SIRI() وشركة أمازون برنامج أليكسا ALEXA(،) وشركة مايكروسوفت برنامج كورتانا Cortana() وشركة جوجل جوجل أسستانت Google( Assistant) وشركة فيس بوك برنامج جارفيز Jarvis(،) وأخيراً أنشأت شركة نوكيا برنامج فيكي Viki(،) ونلاحظ أن هذه البرامج على الرغم من تعددها، فإنه لا يوجد برنامج واحد حتى الآن منها يمكن القول إن له الأفضلية على البرامج الأخرى، فمثلاً مساعد جوجل هو الأفضل في البحث عن الأماكن، أما مساعد آبل فهو الأفضل في مطالعة الإيميلات والبحث على الإنترنت، ويتفوق إليكسا في نتائج شراء الكتب والتسوق الإلكتروني وهكذا) 7 .) 6- التحكم في نتائج البحث وترشيحات الأخبار: إذ إن التغريدات والتعليقات والصور والفيديوهات التي تظهر أمامك، والصداقات التي يتم اقتراحها عليك، والإعلانات التي تراها على الإنترنت، ما هي إلا خوارزميات مطوّرة بذكاء؛ بحيث تتلاءم مع توجهات المستخدم، وتعتبر أحد أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي، الذي يبدأ بتحليل المستخدم وفهم توجهاته وتفضيلاته، وبناء عليه يبدأ في اقتراح ما يتناسب معه، فمثلاً إذا قمت بالبحث عن قضية معينة على جوجل أو فيديو على موقع ال"يوتيوب"، فإنه يبدأ في اقتراح فيديوهات أخرى حول موضوع الفيديو الأول نفسه، وهكذا ينطبق على كل شيء تقوم بالبحث عليه)8.) 7- قدرة الآلات على التعلم ‪:)Machine Learning(‬ لايزال الجدل العلمي مستمراً حول ما إذا كان تعلم الآلات أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي أم لا، ولكن الذي يتفق عليه الباحثون أن هناك تطبيقات كثيرة تجمع بينهما، وبغض النظر عن هذا الجدل العلمي، فإن المقصود بتعلم الآلات هو زيادة قدرتها على التعلم وذلك من خلال تحسين عملية جمع المعلومات وتحليلها بصورة فورية واستخراج علاقات جديدة بينها، بصورة تجعل الآلات قادرة على التعلم من دون برمجة مسبقة من الفنيين)9(، فنجد مثلاً أجهزة الكمبيوتر قادرة على اكتشاف تعرضها للهجمات الإلكترونية، وتكون قادرة على تحليل نوعية هذه الهجمات وهدفها ومصدرها، بل والتعامل معها بصورة آلية، ونجد السيارات ذاتية القيادة قادرة على تعديل خط سيرها وفق حالة الطريق، أو توقع الأماكن التي يرغب صاحبها في الذهاب إليها وغيرها من التطبيقات الأخرى. 8- المتابعة والرصد الشامل ‪:)Mass Surveillance(‬ قد يكون إسناد مهمة متابعة شاشات التليفزيون الخاصة بكاميرات المراقبة لشخص واحد أو حتى عدة أشخاص، ليس بالأمر الجيد لتحقيق الأمن ومراقبة الخطر واكتشاف مصادر التهديد، وبصورة خاصة في الأماكن العامة، ولكن يمكن لخوارزمية أمنية القيام بهذه المهمة بسهولة ويسر، كما أنها تستطيع أن تميز حركة الأفراد، وتتوقع الحركات التي قد تشكل تهديداً وتطلق انذاراً بها، بل يمكن لها أيضاً أن تميز الوجوه وتتعرف على هوية الأشخاص الموجودون بالمكان)10.) 9- نظم آلية للرد على استفسارات العملاء: غالباً ما يحتاج أحد المستخدمين الحديث مع قسم الدعم الفني أو خدمة العملاء عبر الدردشة المباشرة ‪Live Chat(‬ ) من خلال المواقع الإلكترونية للشركات، والتي تقدمها مثل مايكروسوفت ونورتون وآي بي إم، حيث يقوم المستخدم بطرح أسئلته عبر نافذة الدردشة، ومن ثم يتلقى إجابات من قسم الدعم الفني، ولكن في الحقيقة ليس جميع هذه الشركات لديها موظفون للرد على أسئلة العملاء، حيث طورت بعض هذه الشركات نظم ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل أسئلة العميل والرد عليها بما يحقق غايته ورضاه، من دون أن يدرك العميل أنه يتحدث مع نظام ذكاء اصطناعي، وليس ممثل خدمة عملاء)11.)

إن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهي محاولة لتقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذ قراراتهم، وتتم من خلال دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في مواقف معينة ومراقبة ردود أفعالهم ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع هذه المواقف.

10- توقع احتياجات العميل Purchase( :)Prediction طورت العديد من الشركات تقنيات ذكاء اصطناعي من شأنها توقع احتياجات العميل بناء على خبراته الشرائية أو حالته الصحية، فمثلاً طورت كل من أمازون وتارجت، اللتين تعدان من كبريات شركات التجزئة في الولايات المتحدة، نظاماً ذكياً قادراً على التنبؤ باحتياجات العميل، وذلك بناء على تحليل البيانات العملاقة الخاصة بتاريخه الشرائي)12(، ومن ثم تقوم بإرسال ترشيحات من منتجات أخرى إلى منزله قد تتلاءم واحتياجاته المستقبلية، كما طورت نتفليكس Netflix() نظام ذكاء اصطناعي أيضاً قادر على ترشيح الأفلام لعملائه بناء على اختياراتهم السابقة) 13 .)

ثالثاً: تد�عيات مركبة

هناك العديد من التداعيات المترتبة على زيادة الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء كانت أمنية أو اجتماعية أو اقتصادية أو حتى إنسانية وقانونية. فمن ناحية اقتصادية، فإن الذكاء الاصطناعي سوف يؤثر على حجم ونوعية الوظائف وفرص العمل المتاحة، حيث من المتوقع أن يؤثر الروبوت سلباً على الوظائف في مجال الصناعات التحويلية وصناعة السيارات والأدوات الكهربائية، بالإضافة إلى خدمة العملاء، بينما يؤثر إيجاباً على وظائف أخرى مثل الهندسة الميكانيكية وهندسة الأمن والسلامة وصناعة السوفت وير والبرمجيات والإلكترونيات، الأمر كذلك ينطبق على السيارات ذاتية القيادة والطائرات من دون طيار والطابعات ثلاثية الأبعاد، حيث تهدد وظائف وتنعش وظائف أخرى.

أما من المنظور الأمني، فإن من التداعيات الخطرة التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي هو تهديدهم لحق البشر في الحياة، ويتضح ذلك في حالة الأنظمة القتالية المستقلة ‪Lethal Autonomous Weapons(‬ ) مثل الطائرات من دون طيار التي تحمل أسلحة، أو الروبوتات الموجودة في أرض المعارك للقيام بوظائف محددة، حيث تكمن الخطورة هنا في أن هذه الأجهزة مصممة من أجل التدمير أساساً، فماذا يحدث إذا وقعت في يد الشخص الخطأ، أو تم اختراقها لقصور أو خطأ بشري في إجراءات التأمين والتلاعب بالخوارزميات التي تتحكم فيها، فهنا سوف تكون النتائج كارثية.

ويضيف البعض الآخر بعض التداعيات الإنسانية والأخلاقية، فزيادة الاحتكاك مع الآلات، من شأنه أن يفصل الإنسان تدريجياً عن محيطه الطبيعي الاجتماعي البشري، وأن يٌفقد العلاقات البشرية مرونتها التقليدية، ويجعلها أكثر صلابة وجموداً، فتتحول طرق التفكير والتفاعلات البشرية من التعقيد المفيد، إلى التنميط ولو كان منتجاً، ويصبح الهدف من العلاقات الإنسانية مادياً بعد أن كان معنوياً بالأساس.

وفي ضوء ما سبق، يصبح التساؤل الرئيسي، ما هي القواعد الأخلاقية التي تحكم العلاقات بين الإنسان والآلة، وبين الآلة والآلة أيضاً، وما هي المنظومة القيمية أو مجموعة القواعد العليا التي يجب أن تعمل في إطارها هذه العلاقات "البشرية – الروبوتية"، كما يثار التساؤل حول الكيفية التي سيتم من خلالها التعامل مع التجاوزات التي تصدر عن الآلات، مثل اعتداء الآلة على الإنسان، كأن تقتل السيارة ذاتية القيادة إنساناً، أو أن يتم توظيف كاميرات المراقبة في انتهاك خصوصية الأفراد، أو أن يتسبب تعليم الآلات في ضمور القدرات البشرية، أو أن تتحكم خوارزميات البحث على الانترنت في أنماط تفكيرنا وأولوياتنا.

فالذكاء الاصطناعي مصمم للقيام بوظائف مفيدة للبشرية، وسيقوم بها، بغض النظر عن الظروف المحيطة أو المستجدة، فمثلاً إذا قام أحد الأطفال في المنزل بمحاولة إعاقة الروبوت عن القيام بوظائفه في تنظيف المنزل على سبيل الدعابة، فإن الروبوت سيتعامل مع هذا الموقف باعتباره تهديداً يعوقه عن القيام بوظيفته، وقد يتسبب في مقتل هذا الطفل من أجل القيام بوظيفته التي صمم من أجلها، أسئلة وقضايا أخلاقية وفلسفية كثيرة، لابد من الإجابة عنها أولاً لضمان الحفاظ على هويتنا البشرية.

خاتمة

في المستقبل سيكون الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بوظائف متعددة على المستوى الشخصي في حياتنا اليومية، فمثلاً سيكون قادراً على معرفة الثغرات الموجودة بالأجهزة الذكية واكتشافها وإصلاحها، ورصد أي محاولة قرصنة أو شن هجمات إلكترونية والتنبيه لها والتعامل الفوري معها، وسيكون قادراً أيضاً على إدارة شؤون المنزل كافة من التعرف على الزوار واستقبالهم إلى التنبيه بحالة وجود أي خطر داخل المنزل، مثل حالة الحريق أو تعرض طفل صغير للسقوط من أعلى أو وجود محاولة سرقة للمنزل، وسيقوم بإعداد القهوة الخاصة بك وطلب احتياجات المنزل من السوبر ماركت وتوصيلها إلى المنزل بصورة آلية، وسيستطيع قيادة سيارتك ودراجتك، وكذلك التعرف على حالتك المزاجية والتفاعل معها وترشيح أي المنتجات في الأسواق تتناسب وذوقك، وفي أي الأماكن يمكن أن تجده، وهو ما يتوقع الباحثون المتخصصون في مجال الذكاء الاصطناعي حدوثه في غضون أربعين عاماً من الآن)14 .)

ومن هنا لابد من الاهتمام بإنشاء آلية تنظيمية وأخلاقية تحكم عمل الذكاء الاصطناعي، وحماية الوظائف التي سوف تتأثر جراء عملية الأتمتة الذكية، من خلال فرض ضرائب على الصناعات التي تدار من خلال الآلات، فضلاً عن صياغة قوانين تضمن الحفاظ على حقوق البشر الأساسية، مع تشجيع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي الصديق للإنسان، ووضع منظومة قيمية تحكم العلاقة بين الإنسان والآلة في عصر قد تتفوق فيه الآلة على الإنسان.

إيهاب خليفة

رئيس وحدة التطورات التكنولوجية - المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.