حروب الظل:

تعقيدات إدارة "صراعات المناطق الرمادية" في الشرق الأوسط

Trending Events - - المحتويات - د. محمد عز العرب

تنطوي صراعات المناطق الرمادية على توظيف متزامن للأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية، والوكلاء المحليين في إدارة علاقات الصراع مع الخصوم بهدف تحقيق مصالح الدولة من دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.

�أولاً: مفهوم «�سر�عات �لمناطق �لرمادية»

تطلق الأدبيات على صراعات المناطق الرمادية مسميات عديدة منها "الصراعات الهجينة" أو ‪Hybrid Conflict(‬ ) أو "حروب الظل" ‪Shadow Wars(‬ ()(1 أو حروب الوكالة ‪Proxy War(‬ ،) حيث تنتمي لفئة الصراعات غير التقليدية أو الحروب غير المتماثلة، سواء فيما يخص أطرافها أو استراتيجيتها أو تكتيكاتها أو مساراتها.

ومن أبرز الأمثلة المعبرة عن هذا النمط من الصراعات صراع السلفادور في عام 1980 وحروب الصومال في عام 1990 والتي مازالت تداعياتها ممتدة إلى الآن، فضلاً عن حروب قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ونمو تنظيم "داعش" في المشرق العربي، وتمدد تنظيم بوكو حرام في غرب أفريقيا.

وقد تعددت الاتجاهات السائدة في الأدبيات الغربية في تعريف مفهوم "المناطق الرمادية"، فهناك اتجاه يعرفها بأنها "أنشطة تتسم بطبيعتها العدوانية والعنيفة، التي يتم التخطيط لها بتعمد من قبل الأطراف المنخرطة فيها، وتتجاوز تلك الأنشطة حدود التنافس التقليدي، إلا أنها تقع في مساحة دون مستوى الصراع العسكري الشامل )أي الحرب النظامية بين الدول(، وربما تفتح المجال لنشوب حرب داخل الدولة الواحدة )أي الحرب الأهلية(" 2).)

في حين أن هناك اتجاهاً آخر يعرف صراعات المناطق الرمادية بأنها "المسافة البينية بين السلام والحرب، وتوجد تلك المسافة عندما يقوم بعض الفاعلين باستخدام الآليات والأدوات المتعددة لممارسة القوة لتحقيق الأهداف السياسية والأمنية عبر أنشطة عديدة تتسم بالغموض والتعقيد إلى حد كبير، فضلاً عن اتساع نطاق تأثيرها")3.)

ويشير اتجاه ثالث إلى صراعات المناطق الرمادية بأنها "المساحة الوسيطة بين الصراع والسلم، وتتسم تلك المناطق بالمنافسة السياسية والاقتصادية والمعلوماتية والعسكرية الحادة". وهنا، تعد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مثالاً معبراً عن حرب متسعة النطاق بالوكالة بين القطبين الكبيرين في

قمة هرم النظام الدولي، على أساس أيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، من دون أن تصل إلى مواجهة عسكرية محتملة أو حرب نووية. هذا بخلاف اتساع نطاق المواجهات بين الفواعل من غير الدول في صراعات إقليمية محدودة النطاق، وكذلك التغلغل من جانب القوى الكبرى في فعاليات هذه الصراعات عبر التدخلات والتدخلات المضادة)4.)

ويعتبر اتجاه رابع صراعات المناطق الرمادية "البيئة المهيأة لممارسة العمليات العسكرية بين مختلف الفواعل، فالأعداء المنخرطون في الصراعات يميلون إلى استخدام القوة والنفوذ والغموض في ممارسة أفعالهم العدوانية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.. وبداخل المنطقة الرمادية، يلجأ الأعداء إلى استخدام التكتيكات المركبة والمهجنة لتحقيق تلك الأهداف". وتبعاً لهذا الاتجاه، تعد العمليات العسكرية الروسية الدائرة في شرق أوكرانيا مثالاً واضحاً لما يطلق عليه "الجيل الجديد للحروب" ‪New Generation Warfare(‬ 5().)

من استعراض الاتجاهات المختلفة في تعريف مفهوم صراعات المناطق الرمادية يمكن القول أنها "المساحة الوسيطة بين مساري الحرب والسلام التي تنشأ حينما يقوم الفاعلون في صراع ما بتوظيف أدوات معينة أو وكلاء بعينهم لتحقيق الأهداف السياسية والأمنية عبر أنشطة تتسم بالغموض، وتتجاوز حدود التنافس التقليدي بين أطراف الصراع، إلا أنها تقع في مساحة دون مستوى الصراع العسكري الكامل أو إنجاز التسوية السلمية الشاملة".

ثانياً: �لمحدد�ت �لحاكمة لتبلور �سر�عات �لمناطق �لرمادية

يرجع التماهي بين حالتي الحرب والسلام، ومشاركة القوات النظامية في مواجهة القوات غير النظامية، وتداخل الأدوات المستحدمة في هذا النمط من الصراعات إلى عدة عوامل، يتمثل أهمها فيما يلي: 1- الإنهاك المتبادل بين أطراف الصراع: ويطلق على هذه الحالة، "الإنهاك الصراعي". فالاقتتال العسكري المتواصل بين أطراف الصراع في ساحة أو ساحات متعددة، وما يفرضه من تدفق أسلحة عسكرية وتخصيص موارد مالية وتوفير أذرع إعلامية وحشد قوى إقليمية يصل بتلك الأطراف إلى حالة إنهاك أو استنزاف على نحو يجعل أطراف الصراع قانعين بأن الخيار العسكري لم يعد مجدياً في تلبية الاحتياجات أو تحقيق المصالح، بل قد تكون للصراع ذاته تبعات مركبة لم يعد بالإمكان تحملها. وفي ظل هذه الظروف يضطر أطراف الصراع إلى القبول بالتوقف المؤقت عن مسار الحرب، على نحو ما يظهر جلياً في اتفاقات وقف إطلاق النار، أو خوض غمار مسار التفاوض لإيقاف نزيف الخسائر)6.)

ويصل أطراف الصراع إلى حالة الإنهاك أو ما يطلق عليه "اللحظة الناضجة لتسوية الصراع" ‪The Ripe Moment(‬ ) بفعل مجموعة من الشروط)7(، أولها إدراك ممثلي أطراف الصراع عدم توافر خيارات غير التفاوض كأداة أقل تكلفة من الحرب أو الصراع، التي تنتج عنها خسائر بشرية فضلاً، عن خسائر مادية تتمثل في انهيار منشآت تعليمية وصحية وتدمير جسور وطرق، بل يحقق التفاوض بشكل أكبر مصالحهم.

ثانيها، تبلور ضغوط داخلية، سواء من النخبة السياسية أو أحد الأجنحة المحسوبة على أطراف الصراع أو قطاعات واسعة من الرأي العام لوقف استمرار الانزلاق إلى الحرب. ثالثها تواصل ضغوط الأطراف الخارجية، سواء دولية أو إقليمية للتحول من الصراع إلى التفاوض حول بنود السلام. رابعها، تراجع أو صعوبة الحصول على الدعم المالي والتسليحي لأطراف الصراع على نحو يقلص المواجهات الميدانية التي يمكنهم الاستمرار في دخولها. 2- تعارض المصالح بين الأطراف المتصارعة: فقد ارتبطت صراعات المناطق الرمادية بدرجات حادة من التعارض أو التناقض بين أطرافها على مستويات مختلفة، تتصل بطبيعة القضايا أو القيم المتنازع عليها، وموازين القوة العسكرية بين أطرافها، إضافة إلى أهداف كل طرف من استخدام القوة المسلحة، وتصوراته للعائد الذي يستهدفه أو يمكنه الحصول عليه مقابل الخسائر التي سيتكبدها جراء الصراع.

وقادت تلك العوامل إلى التعقيد والتداخل في أبعاد صراعات المناطق الرمادية وقضاياها وأطرافها، مما يؤدي إلى استعصاء أغلب هذه الصراعات على التسوية)8،) حيث يسود اتجاه في الأدبيات مفاده أن تكلفة السلام تدفع مختلف الأطراف للاستمرار في الصراع في إطار حالة من اللاحسم) 9 .) 3- توظيف الأطراف الخارجية لأطراف الصراعات: تتسم صراعات المناطق الرمادية بتصاعد تدخلات الأطراف الدولية والإقليمية – ذات المصالح المتعارضة - في مساراتها، بأشكال غير مباشرة أو مستترة، سواء باتجاه الصراع أو التسوية، مما يؤدي لاتساع نطاقها من مجرد صراعات داخلية إلى بؤر للأزمات الإقليمية في ظل تصدع الدول موضع الصراع، وتفككها إلى دويلات متناحرة، وشيوع النزعات الانفصالية وصعود الفاعلين المسلحين من غير الدول.

وهنا، تنتقل التفاعلات الصراعية في الأقاليم الجغرافية من "تجارة الجملة" التي يسيطر عليها فاعل مركزي محدد وهو "الدولة" إلى "تجارة التجزئة" التي يزداد فيها عدد الفاعلين، ويتم توظيفهم كوكلاء من بعض القوى الإقليمية والدولية للدفاع عن مصالحهم، بما يسهم في تعقيد مسارات الصراع)10.) 4- تنامي اقتصادات الصراع: يرتبط صعود اقتصادات صراعات المناطق الرمادية بوجود جماعات مصالح ليست على صلة مباشرة بأطراف الصراع، في ظل حدود سائلة، تعزز من انتشارها، فضلاً عن انتشار أنماط السيادة المتعددة على طول خطوط الحدود، وهو ما يقود إلى تزايد المكاسب المالية الناجمة عن عدم حسم تعقيدات الصراع.

وقد أدى ذلك إلى صعود شبكات بين التنظيمات الإرهابية والجماعات الإجرامية، لاسيما في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وتصاعد عدم الرضاء المجتمعي عن إخفاق أجهزة

ومؤسسات الدولة في تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، على نحو يؤدي إلى انتعاش اقتصادات التهريب أو التجارة الموازية غير الشرعية، سواء للبشر أو الأسلحة أو المخدرات أو الآثار أو النفط أو السيارات أو السلع)11.)

ثالثاً: �لاإ�سكاليات �لمرتبطة بمفهوم �سر�عات �لمناطق �لرمادية

تتعدد إشكاليات صراعات المناطق الرمادية، كما أوردتها الأدبيات النظرية والخبرات التطبيقية، على نحو ما توضحه النقاط التالية: 1- غموض الأهداف: تحمل صراعات المناطق الرمادية العديد من التهديدات التي تتسم بقدر كبير من التعقيد الأمر الذي يقود إلى تقسيم هذه التهديدات إلى نوعين رئيسيين: النوع الأول، يسمى بالتهديدات المهجنة للمناطق الرمادية ‪Gray Zone(‬ ‪Hybrid Threats‬ ،) فيما يسمى النوع الثاني بالتهديدات المهجنة للصراع المفتوح ‪Open- Warfare Hybrid(‬ Threats.) وثمة مجموعة من الفروق الجوهرية المميزة بين النوعين)12.)

فالتهديدات الهجينة للمناطق الرمادية تحدث نتيجة نشوب صراع تقليدي محدود النطاق، بحيث يتوسط الحالة ما بين المواجهات العسكرية التقليدية والحروب غير التقليدية، في حين تحدث الصراعات الثانية نتيجة نشوب حروب نظامية. وتستخدم في الأولى بشكل صريح الأسلحة التقليدية، وتستخدم في الثانية الأسلحة غير التقليدية.

وتتسم الصراعات في الأولى بالغموض والالتباس لعدم وضوح الأهداف في حين تتسم الصراعات الثانية بقلة الغموض نظراً لوضوح الأهداف. وأخيراً، تستخدم في الصراعات الأولى قوات خاصة وشبكات إجرامية وجيوش موازية، وتتبع تكتيكات غير نظامية، في حين تستخدم في الصراعات الثانية قوات وتكتيكات نظامية. 2- تعقد القضايا: يعد التعقيد ملمحاً حاكماً لصراعات المناطق الرمادية، وذلك لاستمرار مسار تلك الصراعات في المساحة الوسيطة بين الحرب والسلام. فالفاعلون المنخرطون في تلك الصراعات، يحرصون على عدم وضوح الأهداف التي يطمحون إلى تحقيقها، ونوعية الأسلحة التي يستخدمونها، والتكتيكات التي يتبعونها، وذلك حتى لا يتسع نطاق الصراع في المناطق الرمادية ليأخذ شكل حرب مفتوحة تسمح بتدخلات قوى خارجية .

وعلى الرغم من ذلك، فإن تلك الصراعات تتسم بتعقيد شديد، على نحو يصبح من المتعذر تسويتها وإنما قد يتم اللجوء للهدنات الإنسانية أو وقف إطلاق النار أو التوصل إلى صيغ "المصالحات المحلية" أو وقف القتال في مناطق محددة في حين يستمر أتون الصراع مستمر في مناطق أخرى، على نحو ما تشهده بؤرتا الصراع في كل من سوريا وليبيا)12.) 3- تعدد الفواعل: شهدت الصراعات الإقليمية تطورات نوعية، مع ظهور الفاعلين من غير الدول، بما لديها من أجنحة عسكرية، والأهم هو التعدد الشديد في تلك الأطراف، على نحو ما هو قائم في سوريا والعراق، وفلسطين ولبنان، والسودان والصومال واليمن وليبيا. وهنا يحاول الفاعلون في صراعات المناطق الرمادية استمرار الغموض بتلك الصراعات من خلال استخدام الوكلاء مثل الشبكات الإجرامية والميليشيات المسلحة والقوات الخاصة والجيوش المناطقية والقوى العشائرية المسلحة)13.)

وقد يتم استخدام المدنيين في تلك الصراعات لتحقيق عدد من الأهداف من خلال وسائل سلمية. ويعد من أبرز الأمثلة الحديثة التي توضح كيفية استخدام الفواعل لعنصر الغموض في صراعات المناطق الرمادية حالة استخدام روسيا الاتحادية للفرق غير محددة الهوية ‪Unidentified Troops(‬ ) في شرق أوكرانيا لتأمين المنشآت الحكومية الرئيسية والمرافق العامة في صراعها مع الجماعات الروسية الإرهابية والانفصالية والذين يرغبون في الاستيلاء على إحدى المناطق، بل والإعلان عن استقلالها كجمهورية قائمة بذاتها. كما يستخدم الفاعلون في صراعات المناطق الرمادية الشبكات الإجرامية لاستمرار حالة الغموض عبر الحصول على المزيد من الدعم المالي من تلك الشبكات، حيث يتركز نشاطها في مجال التهريب، خاصة المخدرات والأسلحة والمقاتلين. 4- التوازن الغائب: يقود مفهوم صراعات المناطق الرمادية إلى نشر الأفكار التي تحرض على النضال السياسي والتخريب الاقتصادي في إطار دعم ما يسمى ب"وكلاء الحرب" على نحو يطلق عليه "عدم الاستقرار الممتد" نظراً لعدم وجود توازن للقوى بين الأطراف، وهو ما يخالف الاتجاه الرئيسي السائد في نظريات الصراع بين الدول المنخرطة في ساحات مواجهة في النظام الدولي، تبعاً لوضعها في الإقليم والعالم، وحجم وطبيعة الأدوات التي تستخدمها في الصراع.

وفي هذا السياق، قد يكون أحد أطراف الصراع للمناطق الرمادية دول مؤثرة في تفاعلات النظام الدولي أو الجوار الإقليمي، على نحو ما تفعله روسيا في الأزمة الليبية وإيران في الأزمة اليمنية. فهناك اتجاه في الأدبيات يشير إلى أن التدخل الإيراني محدود في اليمن، حيث تقتصر المساعدات المالية والعسكرية على حدها الأدنى في حين يتمثل الدعم الجوهري في الأبعاد السياسية)14(، على الرغم من أن هناك تقارير تتحدث عن نقل أسلحة من إيران باتجاه اليمن والصومال) 15 .)

وقد لا تكون أطراف الصراع دول بارزة أو مؤثرة في تفاعلات النظام الدولي، وإنما بعض الدول التي يتولد لدى نخبتها الحاكمة إدراك بالتهميش والإقصاء عن صياغة ملامح هذا النظام، بحيث تنخرط في هذا الصراع أو ذاك لحين حصاد

بعض المكاسب الاقتصادية، أو أية مكاسب أخرى، دون تحمل التكاليف الناتجة عن التورط في مواجهات عسكرية مباشرة.

فعلى سبيل المثال، تدرك الحكومة الفيتنامية أنها سوف تتكبد خسائر في حال دخولها في صراع عسكري مفتوح مع الصين، وكذلك الحال بالنسبة للحكومة الأوكرانية إذا قررت الدخول في مواجهات عسكرية كاملة مع روسيا. وبناء عليه، فإن الطرف الضعيف في صراعات المناطق الرمادية يلجأ لمواجهة اختلال القوة من خلال الحروب الرمادية ضد الدولة الكبرى. ومن ثم، فإن صراعات المناطق الرمادية هي أسلحة للأطراف القوية والضعيفة على حد سواء. 5- اختراق سيادة الدولة: لاسيما بعد غياب الخطوط الفاصلة بين الداخلي والخارجي. فلم تعد الحدود متماسكة أو عصية على الاختراق مثلما كانت في عقود ماضية، وهو ما يتم التعبير عنه بأقلمة أو تدويل الصراعات، واستعانت قوى داخلية عديدة بمساعدات خارجية، بعضها مستتر، وبعضها الآخر معلن. فعلى سبيل المثال، شهدت بؤر الصراعات في الشرق الأوسط تدفق مقاتلين من خارج الإقليم، وتدفق التمويل اللازم لدعم أنشطة هؤلاء المقاتلين من قبل قوى خارجية، وهو ما ساعد على تأجيج الصراع.

ر�بعاً: مو�جهة تهديد�ت �سر�عات �لمناطق �لرمادية

يرى اتجاه رئيسي في أدبيات العلاقات الدولية أن تهديدات صراعات المناطق الرمادية إحدى التهديدات الرئيسية للأمن الدولي، بل تهدد مكانة الدول الكبرى أو القوى الإقليمية، ويأتي في مقدمتها الولايات المتحدة. وقد تزايدت وتيرة تلك التهديدات في بقع جغرافية مختلفة من العالم وإن اتضحت بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، بعد الثورات العربية وتحول بعضها إلى صراعات داخلية ممتدة، وهو ما يتطلب انتهاج سياسات واستراتيجيات تهدف إلى الحد من هذا النمط من الصراعات، على النحو التالي)16:) 1- صياغة استراتيجية عالمية محكمة ودقيقة للتعامل بكفاءة مع تهديدات صراعات المناطق الرمادية، بحيث تتضمن هذه الاستراتيجية بيانات محددة بشأن أبعاد تلك الصراعات كافة من حيث نطاقاتها الجغرافية، والفواعل المنخرطة فيها، وطبيعة الأسلحة المستخدمة في دورتها، والتهديدات والمخاطر التي تحملها، وستساعد هذه الرؤية الشاملة على تحديد الآليات اللازمة للحد من صراعات المناطق الرمادية. 2- تبني الإدارة الجماعية أو توسيع أطر الشراكة في مواجهة تهديدات صراعات المناطق الرمادية، بما يعني أن القوى الدولية الكبرى لا يمكن بمفردها التصدي لتلك التهديدات، وإنما يتطلب الأمر المزيد من التعاون بين الحكومات والمؤسسات الدولية الرسمية والمنظمات العالمية غير الحكومية مثل الهيئات الإغاثية الإنسانية ومنظمات صنع السلام وغيرها. 3- قياس مدى فاعلية وتأثير الأدوات والخطط والاستراتيجيات التي يتم انتهاجها لمواجهة تهديدات صراعات المناطق الرمادية، والتي يمكن أن تضر بمصالح القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة، بل والمساس بأمن واستقرار بعض القوى الإقليمية الرئيسية في الشرق الأوسط. 4- البناء على الجهود الدولية لمكافحة إفرازات صراعات المناطق الرمادية، خاصة مواجهة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، مثل التحالف الدولي لمواجهة "داعش"، بما يؤدي إلى تقليص مخاطر تلك التنظيمات الإرهابية من ناحية، ويسهم في الحد من تعقيد الصراعات الإقليمية من ناحية أخرى.

د.محمد عزالعرب خبير الشؤون الإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومدير تحرير التقرير الاستراتيجي العربي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.