هل تتوحد قبرص؟

هل تتوحد قبرص من جديد؟ سؤال بات يطرح بقوة هذه الأيام على وقع جولات المفاوضات الجارية بين الأطرافالمعنيةبالأزمةالقبرصية.

Trending Events - - المحتويات - خورشيد دلي

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، لابد من التوقف عند المستجدات والعوامل التي دفعت الأطراف المعنية نحو الجلوس إلى طاولة التفاوض من جديد بعد أن انتهت جميع الجهود والمبادرات السابقة إلى الفشل.

�أولاً: م�ستجد�ت �لتفاو�ض

لعل من أبرز المستجدات التي دفعت إلى التفاوض من جديد التالي: 1- فوز مصطفى أكينجي برئاسة جمهورية قبرص التركية، ما اعتبر تطوراً سياسياً مهماً، فالرجل الذي فاز بنسبة 60% من الأصوات بنى حملته الانتخابية على أساس الانفتاح على جمهورية قبرص اليونانية، وتاريخياً مشهود لأكينجي اليساري بأنه يسعى إلى التعاون مع القسم الجنوبي بعيداً عن التعصب القومي الذي ساد الجزيرة. 2- تزامن مع تولي أكينجي، وجود زعيم يساري يحكم اليونان، وهو رئيس حزب سيريزا أليكسيس تسيبراس، ما بعث الشعور لدى القبارصة الأتراك بتراجع النزعة القومية والدينية الأرثوذكسية لدى الطرف الآخر، وبما ينعكس إيجاباً على إمكان حصول تقارب بين شطري قبرص على أساس جملة من المصالح الاقتصادية والوطنية وليس البعد القومي. 3- منذ إعلان جمهورية قبرص التركية في عام 1983 لم يعترف بها إلى اليوم سوى تركيا، وقد سبب هذا الأمر عزلة دبلوماسية وسياسية للجمهورية التي نشأت بحكم أمر الواقع بعد غزو تركيا شمال قبرص عام 1974، ومع غياب أي أفق لتغيير هذه المعادلة، ثمة أهمية لكيفية عودة قبرص الشمالية إلى الاندماج في المجتمع الدولي من خلال حل مقبول للأزمة القبرصية، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي اشترط عضوية القسم الشمالي بمثل هذا الحل. 4- لعل العامل المستجد والأهم في هذه المعادلة، هو عامل الطاقة، فمع اكتشاف كميات كبيرة من الغاز في البحر المتوسط، والحاجة إلى نقل هذا الغاز إلى أوروبا، وأهمية التعاون بين الدول المعنية لإنجاز مشاريع إقليمية ضخمة في هذا المجال، ثمة "جردة" حساب لكل الأطراف، فقبرص الجنوبية ترى أهمية تحسين وضعها الاقتصادي، والشمالية ربما ترى في هذه المشاريع مخرجاً للتخلص من فقرها واعتمادها الكامل على تركيا. من جانب آخر فإن طرفي الصراع الإقليميين أي اليونان وتركيا لهما مصالح كبرى من وراء ذلك. كما تسعى أوروبا إلى خط طاقة بديل للغاز الروسي، وعليه، فان قضية الطاقة باتت تشكل حافزاً قوياً في الدفع بمفاوضات توحيد شطري الجزيرة إلى الأمام.

ثانياً: تحولات جديدة

يمكن القول إن جملة المعطيات والعوامل السابقة، فرضت تحولات مهمة على مسار الأزمة القبرصية، وقد تجلى هذا الأمر في عدة مستويات: -1 انطلاق سلسلة جولات من المفاوضات في سويسرا، ولعل السمة المميزة لها هي الجدية والوضوح والمباشرة والتمثيل الكبير. إذ للمرة الأولى قدم طرفا النزاع الخرائط

المتعلقة بالحدود والمناطق المتنازع عليها وطرحا قضية التعويض والأملاك وغيرها من القضايا الجوهرية في الصراع. 2- إن هذه المفاوضات تجري باهتمام ومشاركة الدول الضامنة أي بريطانيا وتركيا واليونان. وعلى الرغم من اختلاف استراتيجية هذه الدول في كيفية حل الأزمة فإن مصالحها تتقاطع في عدة قضايا، لاسيما قضية الطاقة. 3- ثمة اهتمام أمريكي كبير بقضية قبرص لأسباب تتجاوز الطاقة إلى الأمن، وربما الصراع الخفي مع بريطانيا على الوجود العسكري في هذه الجزيرة الحساسة والقريبة من أحداث الشرق الأوسط. فهناك حركة مبعوثين أمريكيين إلى قبرص في الفترة الأخيرة، وهذه ظاهرة لم تكن موجودة من قبل. 4- مع أن الأمم المتحدة لم تعد تقوم بدور فعلي منذ فشل مبادرة أمينها العام السابق كوفي عنان، بعد رفضت جمهورية قبرص الجنوبية الاستفتاء الذي جرى عام 2004، فإنها عادت وبقوة عبر مبعوثها الخاص اسبن بارث ايدي، للقيام بدور في المفاوضات الجارية، لاسيما على صعيد تقديم الاقتراحات بخصوص قضيتي الأمن والضمانات. ولعل مثل هذا الأمر له أهمية كبيرة في ظل خلاف الأطراف المعنية على الوجود العسكري الأجنبي في الجزيرة ومحاولة التوصل إلى اتفاق بين الدول الضامنة بهذا الخصوص.

ثالثاً: تو�فقات وتحديات

إن وصول المفاوضات بشأن المشكلة القبرصية إلى هذا المستوى المتقدم، هو تعبير عن دخولها مرحلة جديدة، وهي مرحلة البحث عن توافقات ممكنة تحقق تطلعات الجميع وفي المقدمة الطرفان المحليان. ولعل ما يصعب من تحقيق هذا الأمر، أن الصراع في قبرص قديم ومتداخل محلياً وإقليمياً ودولياً.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه ينبغي النظر إلى أمرين مهمين: الأول هو رغبة الطرفين، أي شطري قبرص، في إيجاد حل مقبول لأسباب اقتصادية وسياسية تتعلق بكل طرف، بعد عقود من صراع استنزف الطرفين أوصل الأمور إلى نقطة مسدودة في ظل رغبة بالخروج من هذا الوضع الذي يلحق خسائر كبيرة بالطرفين. والثاني هو توافق الطرفين على الشكل العام للحل من خلال دولة فيدرالية اتحادية تحفظ لكل طرف حكومته وكيانه وحدوده وخصوصيته، وهو البديل الذي يحظى بقبول من شطري قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ما سبق لا يعني عدم وجود خلافات في جوهر الرؤية، وعلى تفاصيل القضايا الأساسية، وهي خلافات كافية لإفشال الجهود والمفاوضات التي جرت ما لم يقدم كل طرف تنازلات حقيقية لصالح الحل الوطني. وهناك مجموعة من العقبات الكبيرة كالتالي: 1- خلافات بين شطري قبرص على قضايا الحدود والأمن والقيادة، فتسمك قبرص الجنوبية بعودة كل المناطق التي وقعت تحت سيطرة القسم الشمالي خلال الغزو التركي للجزيرة، قد يعقد المفاوضات ويفشلها، إذ إن المرحلة التي تلت الغزو التركي أحدثت تغيرات كبيرة في بنية المناطق وديمغرافيتها وبالتالي حيوية مصالح كل طرف، وهنا تبرز قضية بلدة مورفو الاستراتيجية على الساحل الشمالي التي يطالب القسم الجنوبي بإعادتها بالكامل وهو ما يرفضه القسم الشمالي. 2- الخلاف بشأن الوجود العسكري الاجنبي، فأمام مطالبة الجميع تركيا بسحب جنودها البالغ عددهم 30 ألفاً من الجزيرة تبرز مطالبة تركيا اليونان بسحب جنودها من القسم الجنوبي، وسط اختلاف النظرة إلى الوجود العسكري للطرفين، إذ إن الوجود العسكري التركي في الجزيرة هو احتلال وفقاً للقانون الدولي. 3- الخلاف يمتد أيضاً إلى مسألة القيادة، فثمة مقترحات تنطلق من معادلة نسبة السكان في الجزيرة، إذ طرح الجانب القبرصي اليوناني معادلة أربع ولايات حكم مقابل ولاية واحدة للجانب القبرصي التركي على اعتبار أن القبارصة اليونانيين يشكلون قرابة 80% من السكان، وهو ما يرفضه الجانب التركي ويطرح معادلة أربع ولايات مقابل اثنتين أو اثنتين مقابل واحدة. 4- دور المتغير الخارجي، خاصة الصراع التركي – اليوناني، حيث يستخدم كل طرف هذه القضية كورقة في هذا الصراع القديم - المتجدد، لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز الجزيرة.

خاتمة

مع التأكيد أن الخلافات كثيرة ومعقدة بين الجانبين القبرصيين، فإن ذلك لا يعني عدم إمكانية حلها إذا توافرت العوامل الخارجية المتوافقة مع مصالح القبرصيين. وفي الواقع تبدو الصراعات الخارجية من أهم العوامل التي تمنع توحيد الجزيرة، ولعل عودة السخونة إلى العلاقات التركية– اليونانية من زاوية الصراع على الجزر في بحر ايجه يعكس سخونة المفاوضات بشأن قبرص ومحاولة كل طرف تحميل الآخر مسؤولية تعثر الوصول إلى اتفاق في سويسرا.

ولعل تصريحات أردوغان بأن الوجود العسكري التركي في الجزيرة باق إلى ما لا نهاية مقابل التظاهرات التي ينظمها حزب الحركة القومية انتصاراً للأيديولوجية القومية التي يعتمدها في تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية وسلطوية، وهو ما يخلق ردود فعل مماثلة على جبهة اليونان، وبالتالي صعود النزعة القومية التي شكلت على الدوام عاملاً لإدامة الصراع في قبرص.

من جانب آخر ثمة ملامح صراع بريطاني – أميركي على الجزيرة القبرصية، فبريطانيا التي كانت مستعمرة للجزيرة ولها قاعدتان عسكريتان مهمتان فيها لا تبدو في عجلة إلى التوصل لأي حل يفضي إلى إنهاء وجودها العسكري هناك، فيما الولايات المتحدة التي تريد من قبرص قاعدة عسكرية استراتيجية لها تحاول بكل الطرق الدفع باتجاه حل توافقي يشرع وجودها العسكري في الجزيرة، بما يعني أن الصراع تظل أقوى من جهود الحل والمفاوضات الجارية، وهي معادلة بنظر كثيرين كافية لإفشال المفاوضات وإدامة الوضع الحالي إلى مرحلة أخرى.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.