سياسات الاحتواء:

التحركات الغربية لتحجيم العلاقات الروسية مع دول البلقان

Trending Events - - المحتويات - ليونيد سافين

أدت الاتهامات الغربية لموسكو بالتورط في محاولة اغتيال رئيس وزراء جمهورية الجبل الأسود السابق "ميلو ديوكانوفيتش" إلى إثارة الجدل حول الدور الروسي في منطقة البلقان، وتسعى هذه المقالة لإلقاء الضوء على أهمية البلقان في الاستراتيجية الروسية، فضلًا عن أبعاد العلاقات الروسية مع دولها، وأخيراً توضيح السياسات الغربية الهادفة لتحجيم النفوذ الروسي هناك.

�أولاً: �أهمية �لبلقان في �لا�ستر�تيجية �لرو�سية

تشغل البلقان مكانة مميزة في السياسة الروسية، وهو ما يرتبط بعدد من العوامل تتمثل في: انتماء أغلب سكان دول البلقان إلى المسيحية الأرثوذكسية، وهو المذهب الرئيسي السائد في روسيا، وعلاوة على ذلك، نجد أن أغلب سكان دول البلقان ينتمون إلى العرق السلافي. وعلى الرغم من أن الإمبراطورية الروسية لم تعتنق عقيدة القومية والوحدة السلافية سوى في القرن التاسع عشر، فإن العامل السلافي استمر في لعب دور مؤثر في السياسة الداخلية الروسية بعد ذلك.

وبالإضافة إلى ما سبق، ارتبطت موسكو بعلاقات تاريخية قوية بتلك المنطقة، فقد دعمت الإمبراطورية الروسية حركات التحرر الوطني في منطقة البلقان في القرن التاسع عشر ضد الدولة العثمانية، فضلاً عن مشاركة روسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، إلى جانب الصرب في مواجهة الإمبراطورية الهنجارية - النمساوية.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتقاسم كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة النفوذ في القارة الأوروبية، وقعت بلغاريا ورومانيا تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي. بينما ظلت يوغوسلافيا حليفاً له لفترة طويلة. وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي والحروب الأهلية التي شهدتها البلقان في التسعينيات،

دعمت روسيا نظام سلوبودان ميلوسيفيتش، وتطوع العديد من المواطنين الروس للحرب إلى جانب الصرب.

ولا تعكس الوثائق الروسية أهمية منطقة البلقان، فبالرجوع إلى "عقيدة السياسة الخارجية الروسية"، )الصادرة في يوليو 2008، وفي نوفمبر 2016(، فسنجد أنه لم يتم ذكر المنطقة أو أي من دولها، وذلك على الرغم من إشارته صراحة إلى تطلع روسيا لتطوير علاقاتها بدول أخرى، اقتصادياً وأمنياً، لا تقع في جوارها الجغرافي المباشر، مثل مصر والسعودية) .)

ومن جهة أخرى، فإن الدوافع الاقتصادية لم تكن عاملاً حاسماً، وراء المساعي الروسية لتعزيز وجودها في منطقة البلقان. إذ تظهر الاحصاءات أن الصادرات الروسية إلى دول البلقان تراجعت بصورة مستمرة قبل فرض الاتحاد الأوروبي العقوبات على روسيا، في حين ظلت الواردات الروسية من تلك الدول ثابتة نسبياً، وهو ما انعكس إيجابياً على اقتصادات تلك الدول في المقام الأول) .)

وفي المقابل، فإن بعض دول الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا وإيطاليا احتلت مرتبة متقدمة في هيكل التجارة الروسية، خاصة فيما يتعلق باستيراد النفط والغاز من روسيا. ولذلك مثلت "السياسات النفطية" عنصراً رئيسياً في استراتيجيتها تجاه الاتحاد الأوروبي على مدى السنوات العشرين الماضية.

ثانياً: �لعلاقات �لرو�سية مع دول �لبلقان

تحتفظ موسكو بعلاقات قوية مع صربيا، فقد ألغيت تأشيرة الدخول بينهما، وتم توقيع اتفاقية للتجارة الحرة. وتعمل كبريات الشركات الروسية المملوكة للدولة، مثل السكك الحديدية الروسية، ومصرف "سبيربنك" الحكومي Sberbank() وشركة غازبروم، ولوك أويل، على الأراضي الصربية. ويضاف إلى ما سبق، وجود مركز روسي – صربي للحالات الطارئة في مدينة "نيس" الصربية، والذي يمكن أن يكون نواة لوجود روسي عسكري كامل. كما أمدت روسيا صربيا مراراً بالمساعدات الإنسانية في أعقاب الكوارث الطبيعية.

وكشفت الانتخابات البرلمانية، التي جرت مؤخراً في صربيا في مارس 2016، عن الدعم الملفت لروسيا من قبل الأحزاب السياسية الصربية كافة، على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية، فقد سعى مرشحو الأحزاب لاستمالة الناخبين عن طريق إبداء تأييدهم ودعمهم لروسيا. أما بالنسبة للمواطنين العاديين، فيشعر أغلبهم، بغض النظر عن أعمارهم أو أوضاعهم الاجتماعية أو ميولهم السياسية، بالحاجة إلى تعزيز النفوذ الروسي في صربيا ومنطقة البلقان.

ويلعب العامل الديني دوراً مهماً في تقوية العلاقات بين البلدين، خاصة مع معارضة الكنيسة الأرثوذكسية في كل من روسيا وصربيا الحركات الداعية إلى توحيد الكنائس، والمتمثلة في الحركات المسكونية والتوفيقية، وهي الدعوة التي لاقت قبولاً في أواسط الكنائس الأرثوذكسية المنتشرة في الدول الغربية، أي في الاتحاد الأوروبي، وأمريكا الشمالية.

ويتفاوت حجم العلاقات الروسية مع دول البلقان الأخرى، إذ تحتفظ موسكو بعلاقات قوية مع سلوفانيا، ساعد على ذلك وجود عدد كبير من الشركات الروسية العاملة هناك منذ أمد بعيد. وفي المقابل، فإن العلاقات الروسية – الكرواتية تعتبر فاترة، إذ إن مناخها غير جاذب للاستثمار، فضلاً عن حرصها على الاستجابة لمطالب الاتحاد الأوروبي منذ انضمامها له.

أما جمهورية صرب البوسنة ومقدونيا، فتعدان شريكتين محتملتين لروسيا، على الرغم من غياب الاستثمارات الروسية فيهما. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدولتين تتسمان بعدم الاستقرار السياسي، خاصة مع وجود محاولات جادة من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي يمولها جورج سوروس للتدخل في الشؤون الداخلية للدولتين، خاصة مقدونيا) .) وقد اعتبرت جمهورية الجبل الأسود حتى وقت قريب دولة صديقة، أو على الأقل محايدة. وهيمنت الاستثمارات الروسية على الجبل الأسود على مدار السنوات العشر الماضية، ففي عام 2010، كانت 32% من الشركات والمشروعات التجارية فيها تابعة لرجال أعمال روس) .)

وعلى الرغم من انفصال جمهورية الجبل الأسود عن صربيا، وتقارب الأولى مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، فإن روسيا لاتزال تتمتع بنفوذ كبير على اقتصادها، وذلك لأن مصدر الدخل الرئيسي للدولة هو السياحة. وتستطيع موسكو الضغط على الجبل الأسود عن طريق توصية الشركات السياحية الروسية بوقف رحلاتها المتجهة إلى هناك.

وفيما يتعلق بالحضور الروسي الإقليمي، اشترى بنك سبيربنك Sberbank() الروسي في صيف عام 2012 القسم الخاص بأوروبا الشرقية من مجموعة "فولكسبانك" Volksbank() المصرفية مقابل 600 مليون يورو، وهو ما أكسبها حضوراً في كل من سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وصربيا) .)

ويُعد توسع حلف الناتو موضوعاً حساساً بالنسبة لروسيا، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالدول التي تربطها بها علاقات ودية أو حيادية. وتتخوف روسيا من إمكانية انضمام جمهورية "الجبل الأسود"، فضلاً عن صربيا ومقدونيا إلى الحلف، غير أن المواقف الروسية، في هذا الصدد، اكتفت بالتصريحات الدبلوماسية المنددة بتوسع الحلف. ولم تسع لإقامة تحالف عسكري – سياسي موازٍ لموازنة دور الناتو في المنطقة.

وفي المقابل، عملت روسيا على تطوير علاقاتها الثنائية العسكرية والأمنية بدول المنطقة، ومن ذلك قيامها بتصدير الأسلحة إلى صربيا. ومن جهة ثانية، سعت موسكو لتعزيز التعاون الأمني مع دول المنطقة، وتحديداً مقدونيا وجنوب صربيا )كوسوفو وميتوهيا(، وكذلك البوسنة والهرسك، والتي تعاني وجود خلايا "داعش" إرهابية، إذ تقدم موسكو نفسها باعتبارها شريكاً في مكافحة الإرهاب، خاصة بعدما أخفقت الدول الأوروبية في وقف الاعتداءات الإرهابية المتتالية.

ثالثاً : �لتحركات �لغربية �لم�سادة

تكشف التصريحات الصادرة عن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، عن مخاوف مبالغ فيها من "التهديد الروسي" في أعقاب الأزمة الأوكرانية في عام 2014، وصلت

إلى التحذير من إمكانية إقدام روسيا على احتلال دول البلطيق))5 وفنلندا)6(، خاصة أن سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه دول المنطقة، والتي تهدف إلى تحقيق بيئة مزدهرة وآمنة في منطقة البلقان وفق "إعلان سالونيك" عام 2003، لم تترجم على أرض الواقع على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات)7.)

وقد لجأت الدول الغربية لتوظيف أدوات متنوعة لتحجيم النفوذ الروسي في منطقة البلقان، وذلك على النحو التالي: 1- الضغط السياسي: إذ قامت المفوضية الأوروبية بالضغط على قادة صربيا والجبل الأسود ومقدونيا وجمهورية صرب البوسنة لإثنائهم عن تطوير علاقاتهم مع روسيا. 2- مزاحمة النفوذ الاقتصادي الروسي: وذلك من خلال قيام عدد من الشركات الغربية، بالاستثمار في قطاعات حيوية بتلك الدول، فضلاً عن محاولة ربطهم اقتصادياً بالاتحاد الأوروبي، تمهيداً لضمهم لعضويتها، وإن كانت هذه المحاولات قد تراجعت خلال العامين الأخيرين، بسبب الانقسامات الداخلية التي يعانيها الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية. 3- تحجيم الوجود الأمني الروسي: فقد تبنى حلف الناتو، بضغط أمريكي، مبادرات لتحجيم الوجود الروسي، العسكري والأمني، في منطقة البلقان، وذلك من خلال ما يلي: أ- تعزيز التعاون العسكري ومبيعات السلاح الغربي لدول البلقان، تمهيداً لضمهم حلف الناتو، وفي هذا الإطار قام الحلف بتبني مبادرة "الحزم الأطلسي" ‪Atlantic Resolve(‬ ،) والتي سيتم بموجبها نشر قوات برية وبحرية تابعة للحلف في بعض دول أوروبا الشرقية، وذلك رداً على التدخل الروسي في أوكرانيا، وقد شملت المبادرة بعض دول البلقان، وتحديداً رومانيا وبلغاريا. ب- توظيف القوة الناعمة للناتو، من خلال استخدام "وسائل الاتصال الاستراتيجية")8(، أي توظيف الدبلوماسية العامة، والعمليات المعلوماتية والنفسية، لخلق مناخ داعم ومؤيد لسياسات الحلف وأنشطته في المنطقة المراد التدخل فيها")9(، ويدخل في هذا الإطار تدبير عمليات الانقلاب، مثل تلك التي جرت في جمهورية "الجبل الأسود")10(، والتي ينفي الغرب تورطه فيها، ويتهم روسيا بالوقوف وراءها)11.)

ولعل ما يضفي مصداقية على الموقف الروسي، أن ميلو ديوكانوفيتش، رئيس الوزراء السابق، كانت بلاده في عهده شريكاً تجارياً لروسيا، كما أنه تورط في صفقات غير قانونية معها لفترة طويلة)12.)

�لخاتمة

في ضوء العرض السابق، يمكن القول إن روسيا ستتعرض في المستقبل القريب لتحركات استفزازية في منطقة البلقان من جانب الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ومع ذلك، قد يحمل العام 2017 تغيراً في مجمل السياسات الغربية حيال روسيا، ارتباطاً بالانتخابات التي ستُجرى خلاله في عدد من الدول التي تمثل نواة الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا. وقد تؤدي الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالقارة الأوروبية، إلى دعم التيارات الشعبوية وتلك المناوئة للاتحاد الأوروبي، الذين يتبنون موقفاً ودياً تجاه روسيا.

ومن جهة ثانية، لا ينبغي إغفال أن الصين قد بدأت تنشط اقتصادياً في منطقة البلقان، من خلال الاستثمار في المنشآت الصناعية والزراعية المختلفة، فضلاً عن استثمارها في مشاريع البنية التحتية، والتي تشكل جزءاً من طريق الحرير الجديد.

ويعد مثل هذا الدور الذي يلعبه العملاق الآسيوي عاملاً إيجابياً بالنسبة لروسيا، خاصة أن كلا الدولتين عضوان في "منظمة شانجهاي للتعاون"، وتشتركان في الهدف نفسه، وهو إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. وعلى الرغم من أن الصين تفوق روسيا من حيث القدرة على الاستثمار في تلك الدول، فضلاً عن عدم فرضها أي مشروطية سياسية على تعاونها الاقتصادي مع الدول الأخرى، فإن روسيا لاتزال تحتفظ بعلاقات ثقافية قوية مع تلك الدول.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.