Confrontations

التحول نحو ”المواجهات المكشوفة“في الشرق الأوسط د. محمد عبدالسلام

Trending Events - - المحتويات - د. محمد عبدالسلام مدير المركز أبوظبي، 1 مايو 2017

إن ما يتم سماعه في دوائر متعددة على ساحة الشرق الأوسط ليس مجرد "حرب كلمات" تتعلق بخلافات سياسية أو حساسيات تاريخية أو نزاعات محدودة أو صراعات مكانة، وإنما على الأرجح "كلمات حرب"، تستند إلى تقديرات تتعلق باستمرار وتصاعد "عمليات على الأرض" يمكن أن تؤثر على المصالح الحيوية لدول عربية رئيسية. فتفاعات القوى الفاعلة في الإقليم تتجه، نحو "مرحلة" من المواجهات المكشوفة، وربما المفتوحة، التي ستشكل أهم مامح المنطقة في المدى القصير.

المشكلة أن كل ذلك يبدو وكأنه قراءة لما يجري حالياً، أكثر منه توقع لتحوّل قادم، فالإقليم يمثل فعلياً مسرح عمليات تدور عليه حوالي 70 حالة صراعية متفاوتة الحدة، بينها 6 حالات تشكل حروباً حقيقية، لكن هناك مؤشرات بأن ما قد يقع لن يكون "المزيد مما هو قائم"، فقد يتم استخدام كل الأساليب المتاحة تقريباً، والانتقال إلى "سياسات أكثر حدة"، ولن تتم مهادنات من دون شروط، ثم قد يأتي التطور الأقل احتمالاً والأكثر خطورة، وهو فتح مسارح عمليات جديدة، أو خوض مواجهات مباشرة، إذا لم يحدث تفاهم على ترتيبات معدلة لأوضاع وعلاقات الشرق الأوسط. فما الذي سيجري بالضبط؟

إن بداية الإجابة على هذا السؤال، هي أن المنطقة )العربية( اختلفت، في طبيعة القيادات التي تدير شؤون الدول فيها، والطريقة التي يتم بها تقدير المخاطر والتهديدات التي تواجهها، والاستراتيجيات التي يتم اتباعها للتعامل مع مشكات الأمن، والاستعداد لدفع ثمن الحفاظ على أمن ومصالح الدول أياً كان، وأكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي محلل هو أن يعتقد أن هذا الاختاف مؤقت أو انتقالي أو "غير طبيعي"، أو أن ما مضى يفترض أن يستمر، وأن أحداً لم يكن عليه أن يتحرك إلا بعد أن يصل التهديد إلى حدوده أو أراضيه، أو يفقد هوية دولته، أو دولة حليفة له، للأبد.

في هذا الإطار، فإنه من واقع نقاشات جرت الفترة الماضية، في لقاءات تتجمع فيها أطراف الإقليم، أو تلتقي من دون ترتيبات، بما فيها أطراف متصارعة، مع وجود أطراف دولية فاعلة، وتتم داخلها أحاديث صريحة، يمكن الإشارة إلى نقاط يمكن أن تساهم في تحديد مامح المواجهات التالية في الإقليم.

الاتجاه نحو العوا�سم الرئي�سية

هناك مصطلح يسمى "الصراعات المعقدة"، تم الاستناد إليه في تحليل كثير مما يجري في الإقليم، كالصراعات غير المتماثلة، و"الصراعات الهجينة"، و"حروب الوكالة"، و"الإرهاب بدون قيادات"، وغيرها، لكن ظلت أشكال الصراعات في حاجة إلى تجاوز الأطر التقليدية التي حكمتها لفترات طويلة، والتي تقسمها إلى صراعات بين الدول، وصراعات داخل الدول، وترسخت بشأنها مقولات حقيقية تقرر مثاً، أن أحد المامح الرئيسية لها، هو أن 90 في المائة منها يدور داخل الدول، أي صراعات أهلية.

كان هناك إسهام لمعهد هايدلبرج لأبحاث الصراع الدولي في ألمانيا، من خال باروميتر الصراع الذي يصدره سنوياً، فقد بدأ يصنفها بشكل مركب، يقرر من خاله مثاً )وفقاً لبيانات 2016( أن العالم شهد 401 حالة صراعية، منها 265 داخل الدول Intrastate(،) و69 بين الدول ،)Interstate( ثم 54 داخل مناطق في الدول ،)Substate( وأخيراً 13 حالة عابرة لحدود الدول Trans-State(،) وإذا تم تطبيق ذلك على الإقليم، فإنه يوضح حالته، لكن المهم هو أن الصراعات داخل الدول تمثل النسبة الأكبر.

إن المستقبل القريب قد يحمل توجهات معدلة، في الشرق الأوسط، بالتحرك نحو العواصم الرئيسية، فمع صحة ما يطرح حول الفاعلين المسلحين من دون الدول الذين يتصارعون في مناطق الفوضى، يوجد توجه في النقاشات الحالية بأن الصراعات تدور في الواقع بين "قوى إقليمية" رئيسية أو مؤثرة، وأن شيئاً لن يحسم إذا لم يتم التوجه نحو العواصم، ويطرح ذلك علناً، فحتى معظم تنظيمات الإرهاب، توجد خلفها دول داعمة، وبالتالي قد تصبح الصراعات مباشرة، بين الدول. هناك اتجاهان بهذا الشأن، حالياً: 1- ترجيح استمرار الوضع الراهن، الذي يؤكد نمط الحرب الباردة، والتي قد تتخذ شكل صدام في مكان وتوافق في آخر، مع الشكل التقليدي لحروب الوكالة في مناطق الصراعات، لكن بمستويات أكثر حدة. 2- احتمالات وقوع نمط معدل للصراعات بين الدول، يقترب من المواجهات المباشرة، التي تتخذ شكل المواجهات المسلحة المحدودة، أو نقل المعركة إلى أرض الخصم، أو الانزلاق إلى حرب، لا يرغب فيها أحد.

في كل الأحوال، فإن مواجهات الدول بشكل مباشر، كما يتضح من التصريحات العلنية، وما قد يتطور لتحركات فعلية، سيمثل ملمحاً من مامح المستقبل، خاصة أن "الحقائق القديمة" الخاصة بالمساحة والسكان، أصبحت محل نقاش.

الت�سعيد اإلى «الم�ستوى الاأعلى»

لقد اعتادت النظريات التقليدية لتحليل العاقات الدولية، على أن

تتعامل مع التفاعات ذات الطابع الصراعي، على أنها تتخذ 3 أشكال أساسية، هي – بتبسيط شديد وتحريف ما – كالتالي: • الجدالات Debates(:) وترتبط بخافات جادة حول مصالح مهمة، تنفجر في إطارها التصريحات السياسية والحمات الإعامية و"التربيطات الدولية"، ولا بأس من بعض ضربات الإزعاج أو الاستفزاز بين أطرافها. • الألعاب Games(:) وتتعلق بخافات عميقة حول مصالح حيوية، وهنا تبدأ الدول في استخدام أذرعها المختلفة، عبر تدخات في الشؤون الداخلية أو عمليات ضغط اقتصادية، وأنشطة استخباراتية، في إطار ضغوط إكراهية حادة. • المعارك :)Fights( وتتصل بتناقضات جذرية تبدو غير قابلة للحل، سوى بأعمال عنيفة لفرض أمر واقع أو تليين إرادة الطرف الآخر، بالوكالة أو مباشرة، ويرتبط هذا المستوى بالمواجهات العنيفة، أو المسلحة.

وتتمثل السمة الثانية للمواجهات التالية في التصعيد إلى المستوى الأعلى، فمن الممكن أن تتحول الصراعات التي تتخذ شكل جدالات إلى ألعاب، والألعاب إلى معارك، مع ماحظة أن أدوات وأشكال استخدام القوة في المستوى التالي تتضمن أيضاً ما هو قائم في المستوى السابق له، فإذا انتقلت الدول لممارسة أعمال الضغط والإكراه )الألعاب( سيتضمن ذلك أيضاً أعمال الإزعاج والاستفزاز المرتبطة بالجدالات الحادة؛ أي أن الصراعات ستميل إلى أن تكون أكثر حدة.

إن ما يجرى حالياً، يدعم إمكانية وقوع ذلك، بتصعيد المواجهات، من الاشتباك إلى الاحتواء، ومن الاحتواء إلى الصدام، فهناك من قرر ألا يتم التغاضي عن سلوك معادٍ يقوم به طرف ما خارج ما يعتقد أنه ضروري لاعتبارات أمنه، أو الانسحاب )أو الخروج( من مسرح عمليات تحت أية ضغوط، طالما لم تحل المشكلة، مع قناعات بأن حروب الإعام ليست نهاية المطاف، وأن أعمال التهديد قد لا تكون مجدية من دون قتال، وأنه لا بديل عن الاستعداد للتصعيد، والتحسب لاحتمالات الانزلاق إلى الحرب المباشرة. وعموماً فإن المنطقة تنتقل من المباريات إلى المعارك.

الاعتياد على ا�ستخدام القوة الم�سلحة

ما يقال هنا مكرر، فالجميع يدركون أن استخدام القوة المسلحة ليس مسألة سهلة، وأنه لا يجب أن يتم التعامل معها إلا كخيار أخير واضطراري، بعد استنفاد كل الوسائل الأخرى، لكن إحدى حقائق الإقليم، هي أن كل دولة تقريباً قد اتجهت لاستخدام القوة المسلحة فعلياً، بما في ذلك دول كانت محافظة تقليدياً بهذا الشأن، وبدأت قواتها تعمل في مسارح عمليات بعيدة عن أراضيها، فالجوار لم يعد فقط المشكلة، إذ كان كذلك دوماً، وإنما أيضاً جوار الجوار، والجوار البعيد، الذي تتشكل فيه الرياح قبل أن تتحول إلى عواصف وأعاصير.

لقد خرج الجميع من الحدود الجغرافية إلى الحدود الاستراتيجية، بعد أن أدركوا أنه لا يجب انتظار وصول العدو إلى الأبواب، وفي إطار ذلك أصبح الجميع يدركون ويتعاملون مع محددات وآليات ومشاكل استخدام القوة، وأصبحت الشعوب تتفهم الموقف عملياً، فاستخدام القوة المسلحة لم يعد مستبعداً لدى أي طرف، وهناك 10 مؤشرات تشير إلى تصورات لاستخدامها على نطاق واسع "إقليمي".

إن ما يتم على ساحة الإقليم، يشير إلى وجود استعدادات مسلحة لاحتمالات وقوع الحالات السيئة، فلأول مرة – بالنسبة لأطراف مختلفة – يتم التفكير في امتاك حامات هليكوبتر مسلحة، أو إرسال قوات إلى مسارح عمليات بعيدة، أو إقامة قواعد عسكرية في مناطق حيوية على الخريطة، أو عقد صفقات تسليحية بأحجام ونوعيات تتجاوز ما تم من قبل، تتعلق بحروب نظامية وعمليات خاصة. فلم يعد أحد يستبعد شيئاً، بما في ذلك سيناريوهات غير تقليدية تماماً.

‪End Game‬

بقي سؤال أخير، فما هي نهاية كل ذلك؟ وما الذي تريده الدول )العربية( التي قررت مواجهة الاختراقات، وملء الفراغ الذي تركته إدارة الرئيس أوباما يتسع؟ ويبدو أن إدارة الرئيس ترامب تريد التعامل معه بشكل مختلف، بشروطها الخاصة. إن الإجابة ليست صعبة، ومن الممكن سماعها في كل مكان تقريباً، وتتمثل في نقطتين:

الأولى، التعامل مع الضغوط التي جرت على المنطقة العربية، فعملية فرض الأمر الواقع، والسياسات التي اتبعت لزعزعة استقرار الدول، أو السيطرة عليها، في ظل أوهام قوة أو توجهات إمبراطورية أو "ألعاب إقليمية" ليست مقبولة، وسيتم العمل ضدها، حتى لو تطلب الأمر اتباع نفس أساليبها، فهذا ما يتم التفكير فيه وبدأ التصريح به، في دوائر عربية مختلفة.

الثانية، أن الأطراف التي تقوم بأعمال تفكيك أو اختراق أو استهداف أو إرهاب أو تغيير هوية في المنطقة العربية، عليها أن تعود إلى حدودها الجغرافية في الإقليم أو أحجامها الطبيعية داخل الدول، لا أكثر ولا أقل، مع اعتراف بمصالحها المشروعة، فالمسألة يمكن ان تنحصر في إنهاء "سياسات التهديد"، على الرغم من وجود مامح عداء مزمنة.

السؤال الأخير هو، هل يمكن للدول العربية أن تفعل ذلك؟ وإحدى الإجابات التي تقال إنه "من الأفضل لنا أن نتمكن، وهناك دائماً أساليب لتحقيق أي هدف، طالما يوجد استعداد للذهاب إلى نهاية الشوط"، فالمشكلة هي أن الأطراف غير العربية وحلفاءها داخل المنطقة لا يتصرفون كمنافسين أو حتى خصوم وإنما ك "أعداء"، وتعمقت قناعة داخل العواصم العربية بأنه لا يوجد خيار سوى اتباع استراتيجيات صدامية، وأن ثمن عدم فعل شيء، يتجاوز بكثير تكلفة القيام بذلك، حتى لو كانت هناك خسائر وتداعيات. لكن لا توجد حتميات، فربما تظهر في مرحلة ما تعبيرات مثل "حل الصراعات" أو "التعايش السلمي"، بصورة ما في وقت ما، أو بفعل "الاستعداد للمواجهة ذاتها"، فنحن في الشرق الأوسط.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.