لماذا تصدر أجهزة الاستخبارات تقارير معلنة؟

جاسم محمد

Trending Events - - المحتويات - جاسم محمد رئيس المركز الأوروبي لدراسات ومكافحة الإرهاب والاستخبارات، أمسردام - هولندا

”قد تكون الحرب الباردة انتهت، لكن تفكير الحرب الباردة باقٍ“جوزيفروتبل

تعكس المقولة السابقة التطور الذي شهده مفهوم الحرب الباردة، من كونه مواجهة سياسية وأيديولوجية وأحياناً عسكرية ولو بشكل غير مباشر، إلى دخول أدوات وأساليب غير تقليدية إليه، منها استخدام أدوات الحرب السيبرانية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي فيها.

ويبدو أن هذه التغيرات خاصة المتعلقة بالطفرات التكنولوجية وتصاعد الهجمات السيبرانية قد دفعت العديد من أجهزة الاستخبارات وأبرزها الاستخبارات الأمريكية المركزية إلى استحداث وحدات رقمية من أجل ردع الهجمات الإلكترونية وربما لأغراض تنفيذ هجمات من جانبها.

كذلك أصبح هناك تغير آخر واضح في أداء أجهزة الاستخبارات، فبعد أن كانت التقارير الاستخبارية تحدها السرية، وترفع فقط إلى صانعي القرار، اتخذت العديد من أجهزة الاستخبارات سياسة جديدة وهي اعتماد مواقع رسمية على الإنترنت، تقوم بنشر الاستراتيجيات المتعلقة بمستقبل ومصير العالم. والسؤال المطروح إذن هو: ما هي دوافع عملية النشر؟ وسوف يتم استعراض بعض هذه الدوافع في النقاط التالية:

اأولاً: تاأكيد قوة الدولة

عادة يقوم بعملية التسريب المتعمد للتقارير الاستخباراتية وكالات الاستخبارات الكبرى، وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وفي الأغلب يهدف التسريب إلى تحقيق خطوة استباقية لإفشال عمليات محتملة من قبل خصوم الدولة قبل حدوثها. وربما يتعلق الأمر بتنفيذ عمليات عسكرية أو عمليات ضد محاولات إرهابية، ومن ثم فإن إفشاء تفاصيل العملية المتوقعة من قبل خصومها، يعني تأجيلها أو إيقافها.

ومن خال هذه التقارير ترسل الدولة رسائل إلى خصومها بأنها قادرة على تنفيذ سياساتها واستراتيجياتها، ما يساعدها على تعزيز قوتها وفرض هيمنتها.

ثانياً: م�سدر للمعلومات

يلجأ عدد من الدول إلى نشر التقارير الصادرة عن الوكالات الاستخباراتية المختلفة فيها، بهدف الحصول على أكبر قدر من ردود الفعل تجاه مضمون تقاريرها أو استراتيجياتها المطروحة. وهذا يساعد الدولة في إعادة تقييم وتعديل سياساتها وخططها على المستوى الاستراتيجي. وتشير بعض التحليات إلى أن ما تحصل عليه الوكالات الاستخبارية من ردود أفعال حول تقاريرها، ربما يزيد كثيراً في أحيان مختلفة من المعلومات التي تتحصل عليها من مصادرها البشرية داخل أروقة الدول، مع التأكيد على أهمية هذه المصادر.

من جانب آخر يعتبر العامل الزمني أيضاً عنصراً مهماً في دوافع نشر مثل هذه التقارير. فما تحصل عليه الوكالات الاستخباراتية من نتائج ربما يكون أكثر فاعلية وسرعة، من التي تحصل عليها من مصادر أخرى. وقد وفرت التكنولوجيات الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي فرصة سانحة لانتشار مثل هذه التقارير بسرعة كبيرة وعلى نطاق جغرافي واسع، ومكنت من تلقي سيل من ردود الفعل، وهو يعتبر عاماً

مشجعاً للوكالات الاستخباراتية لتبني سياسة نشر التقارير ووضع رؤيتها فيها، ومن ثم تحليل ردود الفعل عليها.

من جانب آخر تسعى بعض أجهزة الاستخبارات في وقت الأزمات ومع تضييق الخناق، من القيام بما يطلق عليه "حالات تماس" مع أجهزة استخبارات بعينها. وعادة ما تقوم بهذه الخطوة من خال دفع عمائها وضباط استخباراتها بإجراء اتصالات مع أجهزة استخبارات خصومها، لمعرفة النوايا والمواقف إزاء أحدث القضايا. ولكن من الممكن لنشر مثل هذه التقارير أن تصل إلى الهدف ذاته وهو معرفة مواقف الدول وأجهزة الاستخبارات الأخرى.

ثالثاً: ا�ستنزاف الدول المعادية

المقصود هنا هو أن نشر تقارير استخباراتية من قبل دولة ما، يشير إلى خططها المستقبلية بما في ذلك الخطط الاستراتيجية، وهو ما قد يدفع ويورط دولاً منافسة لها بالقيام بعمليات شراء للأسلحة الاستراتيجية مثاً، أو أن تقرر النهوض ببرامج تسلح غير تقليدية، وتصميم برامج عسكرية دفاعية ربما تستنزف ميزانيتها، وتضعف اقتصاداتها، على غرار برنامج حرب النجوم الأمريكي، والبرنامج الدفاعي المضاد لروسيا الاتحادية.

إن الانشغال الشديد بالقوة وتعظيمها، من شأنه أن يضع الدول المتنافسة في مأزق لا تستطيع التخلص منه. ويدفع في كثير من الأحيان بالدول نحو سباق شراء الأسلحة لغرض الدفاع بغض النظر عن حقيقة المقدرات الاقتصادية للدولة. وتشير التجارب إلى أن بعض الدول وقعت فريسة فخ وكالات استخباراتية، في أعقاب نشر تقاريرها ولفترات طويلة. ويحضر هنا مثال الولايات المتحدة الأمريكية ونشرها تقاريرها الاستخباراتية ويبدو الهدف هنا واضح وهو توريط روسيا في بعض الحروب، ووضع موانع وضوابط لتمدد نفوذها في أماكن أخرى من جانب آخر.

رابعاً: تطمين الحلفاء

في بعض الأحيان يمثل نشر دولة ما تقارير استخباراتية إعاناً عن استعدادها للتدخل في مناطق تعرض حلفائها للتهديد، ومن ثم فهي بذلك ترسل رسائل إنذار إلى منافسيها من جانب، وإلى حلفائها من جانب آخر، بأنها قد تتدخل لتأمين حلفائها من الفوضى التي يمكن أن تهدد أمنها القومي إقليمياً أو دولياً. من أمثلة ذلك التدخل في الدول الفاشلة، التي تعتبرها بعض الأنظمة السياسية هاجساً يؤرق أمنها القومي، ويحفز وكالاتها الاستخباراتية على العمل. وعلى الرغم من البعد الجغرافي في كثير من الحالات لهذه الدول عن الدول الفاشلة فإنها قد تعلن نية التدخل، كون تداعيات انفات الأوضاع يمكن أن تصل إلى المساس بأمن دول حليفة وتنعكس على عاقاتها وتحالفاتها.

ووفقاً لمايكل مازار: "لقد وجدت الولايات المتحدة ضالتها في خطر الدولة الفاشلة الذي بدأت في الترويج له باعتباره أبرز مصادر تهديد الأمن القومي الأمريكي، بل وتهديد السلم والأمن الدوليين. وهذا ما جعلها تُعبّر عن هذا الخطر بوضوح في تقاريرها، ومن ثم التدخل الأمريكي في عدد من حالات فشل الدول، وأبرزها الصومال وأفغانستان والعراق واليمن".

خام�ساً: ت�سحيح اأو تغيير الاأفكار

تستطيع التقارير الاستخباراتية المعلنة أن تسهم في تصحيح أفكار وتوجهات السياسات الداخلية والرأي العام، حول أفكار ومعتقدات كانت سائدة في فترات سابقة داخل دولة ما. وفي بعض الحالات تتمكن الدولة من خال هذه التقارير الاستخباراتية التي تقوم بالتاعب بالاستنتاجات والمعلومات من تقديم روايتها ومصالحها بصورة تلقى صدى جيداً من الرأي العام الداخلي. هذا النوع من التقارير يفيد في حالة طرح سياسات جديدة مناقضة للسياسات المطروحة سابقاً، وتكون مهمة هكذا تقارير أن تقوم بتعبئة الرأي العام الداخلي معها.

من جانب آخر يمكن أن تفيد هذه التقارير في التأثير في سلوك الآخرين للقيام بعملٍ ما يتفق مع ما تريده الدولة. في هذه الحالة تكون التقارير بمنزلة أداة من أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدولة. وفي هذه الحالة أيضاً تتمكن الدولة من التأثير في صياغة قرارات الآخرين من خال أنهم يعتبرونها مثالاً وقدوة يتبنون قِيَمها وأسلوبها في صياغة سياساتها ومواقفها.

�ساد�ساً: دعم اطراف دولية

تنشر أجهزة الاستخبارات تقاريرها في بعض الحالات من أجل دفع أطراف أخرى لتقاسم الإنفاق والمشاركة في التكاليف لتنفيذ استراتيجيتها. فحين تقوم التقارير الاستخباراتية بالتركيز على تهديدات مستقبلية بعينها، وتجد دول أخرى أن هذه التهديدات قد تصل إليها، ربما في هذه الحالة تشارك في تحمل الأعباء والتكاليف. فعلى سبيل المثال، ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين نشر رؤيته حول دور حلف شمال الأطلسي، حين عبر بقوله: "حلف الناتو عفا عليه الزمن"، ما دفع دول الاتحاد الأوروبي نحو زيادة إنفاقها العسكري، ربما لتفي بالتزاماتها داخل الناتو، أو التمكن من اعتماد استراتيجية في الدفاع، في حال تخلي الناتو عن حمايتها.

هذا ما حصل لدول أوروبا، خاصة دول أوروبا الشرقية. فالرئيس ترامب مازال يتحدث عن مبدأ الربح والخسارة في عاقته مع أوروبا، والأخيرة تتحدث عن مبدأ الدفاع المشترك بين الاطراف وفق المادة 5 من الحلف. هذه السياسات تثير الكثير من التساؤلات وربما المخاوف بمدى قدرة الناتو على توفير الحماية لدوله، وتعيد التفكير في السياسات الدفاعية التي تتبناها أوروبا أمام توسع روسيا. لذا تعمل دول الاتحاد الأوروبي على النهوض بقدراتها الدفاعية وزيادة إنفاقها في هذا المجال بصورة أكبر وأكثر استقالاً، أو من خال صيغة دفاعية مشتركة تقاسم فيها النفقات مع واشنطن.

ختاماً، من العرض السريع السابق، فإن أغراض نشر التقارير من قبل الوكالات الاستخبارية متعددة، لكنها تنطلق من فكرة أساسية هي حماية الأمن القومي من التهديدات الداخلية والخارجية، واعتبارها في بعض الأحيان وسيلة لمعرفة ردود أفعال الخصوم، وإظهار القوة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.