كيف تُفكر روسيا؟

عائشة المري

Trending Events - - المحتويات - عائشة المري كاتبة إماراتية- مديرة إدارة الدراسات والتعاون الدولي بحكومة دبي

تصدر عنوان التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عناوين الصحافة العالمية، مع اتهام الاستخبارات في الولايات المتحدة لروسيا بمحاولة ترجيح كفة الانتخابات لصالح ترامب.

وعلى الرغم من جدة الخبر للولايات المتحدة التي تعرضت للمرة الأولى في تاريخها لاحتمالية ضلوع جهة خارجية في التاعب بنتائج انتخاباتها الرئاسية، فإنه كان استكمالاً لسلسلة متوالية من الأخبار التي كانت تشير إلى روسيا بين ثناياها، وبصورة جديدة وغير نمطية من حيث مضامينها وكثافتها خال الأشهر الماضية.

اأولاً: ملامح الظهور الرو�سي المختلف

دأبت روسيا الاتحادية على التعاطي مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو، باعتبارها قوى مناوئة لها تسعى إلى تقويض نفوذها، ولكن محاولة روسيا التأثير على العملية الانتخابية في الولايات المتحدة أو في دول أوروبية أخرى يعتبر أمراً خطيراً وجديداً.

ومن ناحية أخرى ظهرت اتهامات لروسيا بمساعدتها ودعمها لحركات الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا، بغية إذكاء روح التشكيك في الوحدة الأوروبية والخوف من الأجانب داخل الاتحاد الأوروبي. وقد عزز الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا في 2016 على الخروج من الاتحاد الأوروبي من الخطاب الذي تدعمه روسيا لتصوير الاتحاد الأوروبي كمشروع فاشل.

قد يصعب تمييز الحقائق في ظل دوامة المزاعم والاتهامات والأجندات السياسية المتعارضة حول نتائج تورط روسيا في هذه الأحداث، لكن الثابت أن حروب القرصنة الإلكترونية والتسريبات باتت تطوراً جديداً وحقيقياً في العاقات الأمريكية - الروسية والعاقات الروسية - الغربية. وتؤكد حقيقة أن روسيا "البوتينية" تريد تحجيم التدخات الغربية في الحديقة الخلفية لروسيا بكافة الوسائل السياسية والعسكرية والاستخباراتية، كما تعمل بشكل حثيث على إعادة صياغة النظام العالمي نحو عالم متعدد الأقطاب والعودة إلى دورها كدولة ذات نفوذ على الساحة الدولية من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ثانياً: حقبة بوتينية مُغايرة

تمكنت روسيا على يد الرئيس فاديمير بوتين من استعادة دورها كقوة عالمية، بعد عقد من الفوضى السياسية والاقتصادية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. وأصبح فاديمير بوتين الشخصية السياسية المهيمنة في روسيا منذ انتخابه رئيساً في عام 2000. واعتمد بوتين في السنوات الأخيرة استراتيجية تهدف إلى دعم سلطة الدولة المركزية، وتشديد قبضتها على المؤسسات الاقتصادية والسياسية وتقوية قدراتها الاستراتيجية. وأحكم سيطرته على ثروات روسيا من النفط والغاز، حيث تزامن هذا مع ارتفاع أسعارهما في السوق العالمي، ما أدى إلى انتعاش الاقتصاد الروسي، وارتفاع مستوى معيشة الفرد، الأمر الذي زاد من شعبية بوتين داخلياً بشكل غير مسبوق.

من جانب آخر شهدت القدرات العسكرية الروسية تطوراً ملحوظاً، ازداد وضوحاً مع تصديق بوتين على وثيقة مراجعة العقيدة العسكرية الروسية في 26 ديسمبر 2014. وعبرت عن التوجهات العامة لمرحلة جديدة من السياسة الخارجية والدفاعية الروسية. ويشير النص الجديد إلى أن تزايد القدرة العسكرية لحلف الناتو يعد أحد الأخطار الرئيسة التي تهدد روسيا الاتحادية. إضافة إلى القلق الروسي من التبني المستمر للحلف لما تعتبره روسيا "وظائف على نطاق عالمي"، يتم تنفيذها وترى روسيا فيه انتهاكاً للقانون الدولي. من جانب آخر فإن اقتراب البنى العسكرية التحتية للدول الأعضاء في الناتو من الحدود الروسية من الأمور المقلقة لموسكو.

بدأت هذه الرؤية الجديدة موجهة إلى الغرب في زاوية إعادة الصراع معه من جديد، خاصة عندما يتعلق الأمر بدول الجوار الروسي، والتي اعتبرتها العقيدة العسكرية الروسية أحد أهم مصادر التهديد التي تطال المصالح الروسية وأمنها القومي بصورة مباشرة. والذي اعتبرته العقيدة الجديدة من مبررات التدخل العسكري الروسي، خاصة في حالة انتهاك الحقوق المدنية للأقليات الروسية في دول الكومنولث، أو دخول أي من تلك الدول في ترتيبات أمنية مع دول أجنبية.

العقيدة العسكرية الروسية إذن هي عقيدة مواجهة وهجوم استفزازي ضد الغرب، وتبدو فيها بوضوح الرغبة الروسية على تأكيد مكانتها الجديدة وما تتطلع إليه موسكو من دور فاعل على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ثالثاً: حرب باردة من نوع جديد

بات من الواضح أن بوتين غير راضٍ عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية إزاء أهداف روسيا على الصعيد العالمي، وأكد بوتين في أكثر من محفل رفضه للقطبية الدولية الواحدة ولانفراد الأميركي بتقرير مصير العالم. وهو ما اعتبر حينها نقطة تحوّل في سياسة موسكو ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، لكن الواضح أن السياسة الروسية لم تكن بالضرورة عودة إلى أجواء الحرب الباردة وإلى سباق التسلّح بين موسكو وواشنطن، بل إن هناك تصوراً جديداً مختلفاً تقدمه روسيا بنمط جديد لهذه الحرب، يجعلها حاضرة دوماً في التفاعات الدولية، من خال السير بخطى ثابتة، ولو بطيئة، لاستعادة بعض مواقع النفوذ التي فقدتها موسكو عقب سقوط الاتحاد السوفييتي.

أعاد بوتين صياغة السياسة الخارجية الروسية بما يخدم أهدافه تلك، ومن ثم أحدث بعض التغييرات الجوهرية في السياسة الخارجية، بحيث تتفق مع الوضع العالمي الجديد، بالاعتماد على عدة دوائر متداخلة تتماشى مع مراحل نموها ومدى استقرارها السياسي والاقتصادي، وفي كل هذه الدوائر كان الهدف الأسمى هو تحقيق الاستراتيجية الأمنية على المدى البعيد. ويمكن القول إن أهم أهداف السياسة الخارجية الروسية في هذه المرحلة يتمثل فيما يلي: 1- إضفاء الطابع القومي على السياسة الخارجية الروسية، واتباع خطة استراتيجية تفضي إلى استرداد روسيا المكانة التي افتقدتها، وإنهاء الانفراد الأمريكي بإحال التعددية القطبية على نحو يتناسب أكثر واتجاهات العالم الجديد. -2 بناء عاقات شراكة وتعاون استراتيجي مع كل من الصين والهند، وإلى استثمار ميراث الاتحاد السوفييتي السابق، وما بناه في مناطق مثل الشرق الأوسط وأمريكا الاتينية. 3- إقامة نظام إقليمي جديد يشكل بدياً عن الاتحاد السوفييتي تحت مسمى الاتحاد الاوراسي. 4- تعزيز النفوذ الروسي في الفضاء السياسي لاتحاد السوفييتي السابق وتعزيز العاقات مع كومنولث الدول المستقلة والاتفاق مع دول الجوار الإقليمي حول كيفية إقرار السام والاستقرار في المنطقة.

ومن ناحية أخرى، ترتبط روسيا بمصالح استراتيجية وحقيقية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فإن التعامل مع الخافات بصورة غير مباشرة وأقرب إلى صيغة الاحتواء والتسوية بما يضمن لروسيا حماية مصالحها وأمنها القومي، أصبحت الطريقة الأكثر اتباعاً من قبل روسيا.

خاتمة

يبدو أن روسيا باتت أميل إلى أن تقدم صيغتها الخاصة لبسط نفوذها على الساحة العالمية، وتقديم تصور جديد لحرب باردة بأدوات مختلفة. صحيح أنها ترتكز على ثوابت تقليدية، ومنها معارضة توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على سبيل المثال، كونها تعتبر أن هذه الدول تقع داخل دائرة نفوذ روسيا التقليدي، بالإضافة لكونها منطقة عازلة بين روسيا وأوروبا، وغيرها من الأمثلة.

وعلى الجانب الآخر، فإن موسكو تتجه أيضاً إلى تأكيد نفوذها في مناطق جديدة، سواء العودة إلى منطقة الشرق الأوسط مجدداً أو التوسع في أفريقيا وغيرها من المناطق.

لقد أسست الحقبة البوتينية الجديدة لتغيير في موقع روسيا على الساحة الدولية، وفرضت استراتيجة تؤسس لعاقات متكافئة تتضمن احتراماً لأمن روسيا الاتحادية وسيادتها ومصالحها القومية. فناورت روسيا سياسياً وخاضت حروباً في مواقع مختلفة )على أرض الواقع، وسيبرانية( مع الولايات المتحدة، وتسعى بوضوح نحو أن تكون روسيا موجودة وحاضرة دائماً. إنها بالتأكيد محاولة روسية لإعادة تشكيل حدود النفوذ السياسي بين روسيا والغرب.

العقيدة العسكرية الروسية إذن هي عقيدة مواجهة وهجوم استفزازي ضد الغرب، وتبدو فيها بوضوح الرغبة الروسية على تأكيد المكانة الروسية الجديدة وما تتطلع إليه موسكو من دور فاعل على الصعيدين الإقليمي والدولي.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.