عودة الدين:

تحول العلاقة بين الدين والدولة في الصين شهاب إنعام خان

Trending Events - - المحتويات - شهاب إنعام خان أستاذ مساعد بقسم العلاقات الدولية بجامعة جاهانجيرناجار بنجلاديش

تشهد العلاقات الدولية الراهنة صعوداً واضحاً لليمين، سواء تمثل في اليمين السياسي أو اليمين الديني، وتشهد الصين، على الرغم من كونها دولة علمانية )إلحادية( إحياءً غير مسبوق للمشاعر الدينية، وهو التحول الذي يتم بصورة تدريجية، ويمثل خروجاً على الجهود السابقة للتخلص من تأثير الدين في المجال العام)1(، ويدرك الحزب الشيوعي هذا التطور، ويسعى للتعامل معه، من خلال الاستفادة من الجوانب الإيجابية التي تطرحها عودة الدين في الحياة العامة، وتحجيم أو احتواء التداعيات السلبية المرتبطة به.

وسيتم التركيز على المشهد الديني في الصين، وإلقاء الضوء على مراحل تطور العاقة بين الدين والدولة في الصين، بدءاً من العداء الشديد للدين إلى الاعتراف والقبول به، والأسباب التي دفعت لذلك، بالإضافة إلى محاولة استشراف الكيفية التي سيتعامل بها الحزب الشيوعي مع هذه الظاهرة الجديدة في المجتمع الصيني.

اأولاً: الم�سهد الديني في ال�سين

لأغلب الفترات في الصين، كانت هناك ثاثة تعاليم دينية سائدة، وهي: البوذية والكونفشيوسية والطاوية، غير أن الديانات الثاث هذه لم تمثل يوماً ديانات مستقلة لها تعاليمها ومؤسساتها المستقلة، فالأفراد كانوا يؤمنون بخليط من هذه العقائد الثاث، والتي تشكل معاً ما يمكن أن يعتبر "الديانة الصينية".

وفي عام 2007، أظهر مسح تم إجراؤه على ثاثة آلاف صيني، من قبل باحثين بريطانيين وصينيين، أن 77% منهم يؤمنون ب "السببية الأخاقية" ‪Moral Causality(‬ ،) وهي من المبادئ الأساسية في المعتقدات الصينية التقليدية. وأجري مسح آخر من جانب جامعة "شرق الصين الطبيعية" East(

‪China Normal University‬ ) في شانجهاي، أوضح أن 31% من سكان الباد، أو حوالي 300 مليون نسمة، يؤمنون بدين معين، وأن حوالي 200 مليون منهم يؤمنون بالبوذية أو الطاوية، أو الممارسات الشعبية، مثل عبادة أحد أجدادهم، أو الشخصيات التاريخية المؤثرة)2.)

وتعد الديانة المسيحية البروتستانتية أكثر الديانات نمواً في الصين، فقد زاد عدد معتنقي البروتستانتية من حوالي مليون فرد في عام 1949 إلى حوالي 20 مليوناً، وفقاً للتقديرات الحكومية، بينما تقدم التقديرات غير الرسمية أن هذا الرقم يقل كثيراً عن عددهم الفعلي، إذ يضع المسح الذي أجرته جامعة "شرق الصين الطبيعية" إلى أن عددهم يقدر بحوالي 60 مليون نسمة، ويذهب "منتدى بيو حول الدين والحياة العامة" إلى أن حجمهم يبلغ حوالي 58 مليون نسمة)3.)

ثانياً: التحول في علاقة الدين بالدولة

تفاوتت العاقة بين الدين والدولة من فترة لأخرى، ففي بعض الحالات، كان العداء للدين شديداً، وقد بلغت ذروة هذا العداء خال الثورة الثقافية )1966 – 1976(، والتي تم خالها قمع النشاط الديني بصورة حادة، حيث تم إغاق كل

دور العبادة، وتقييد إقامة رجال الدين. ويمكن إرجاع أسباب تبني الحزب الشيوعي هذا الموقف المعادي من الدين إلى ما يلي: 1- الفكر الماركسي – اللينيني – الماوي: والذي كان يقوم على الإلحاد، ويرى أن الدين سوف يتاشى مع تطور الأوضاع والظروف الاقتصادية والاجتماعية. فقد نظروا إلى الدين باعتباره "أفيون الشعوب"، وأنه يعمل على إعاقة تطوير الوعي الطبقي لطبقة البروليتارية العاملة، بما يعيقهم عن الثورة للمطالبة بحقوقهم، وتدمير النظام الطبقي القائم.

ومن جهة ثانية، كانت هناك رغبة لدى قيادة الحزب الشيوعي لإعادة تنظيم المجتمع على أسس جديدة، للشروع في بناء الاقتصاد الصيني، وقد نظروا إلى المعتقدات الدينية على أنها تضفي الشرعية على المجتمع التقليدي، وبالتالي فقد نظروا إليها على أنها عائق محتمل أمام جهودهم تلك، ولذلك حرصوا على قمعه، حتى يتمكنوا من تهيئة المجتمع للتحولات الاقتصادية الاشتراكية الجديدة. 2- القضاء على النخبة القديمة: فقد كانت البيروقراطية وقت الإمبراطورية الصينية ضعيفة، وكانت المعابد المحلية هي التي تلعب دوراً كبيراً في إدارة شؤون الأفراد اليومية، وبالتالي فقد كانت جزءاً لا يتجزأ من النظام السياسي القائم آنذاك، خاصة أن الإمبراطور كان ينظر إليه على أنه "ابن السماء")4(. ولذلك، فإنه مع بروز القوميين، ورغبتهم في إقامة نظام سياسي وثقافي جديد، كان عليهم أولاً هدم النظام القديم. وقد بلغ المد القومي مداه في أعقاب سقوط سالة "تشينج" الحاكمة في عام 1911.

فقد أدى هذا الانهيار إلى تمكين القوميين الصينيين والنخب الفكرية، وتدمير المعابد الدينية في العشرينيات من القرن العشرين. وحينما وصل الشيوعيون إلى السلطة في عام 1949، جمعوا ما بين العداء القائم للمعتقدات التقليدية الذي كان سائداً في أواسط النخب الفكرية، والاحتقار الماركسي للمعتقدات الدينية)5.)

وقد أدى انهيار المؤسسات الدينية والمعابد المقدسة بالإسراع من عملية الإلحاد في المجتمع الصيني، والذي تحوّل لاحقاً إلى الإيمان بالعلمانية، في الفترة التالية على عام 1949، وهو العام الذي شهد تأسيس "جمهورية الصين الشعبية".

وقد تراجع الحزب الشيوعي عن هذه السياسية في عام 1982، وأدرك خطأ الممارسات التي تبناها لقمع الدين، وبدأ في تبني مواقف أكثر اعتدالاً تجاه الدين. وقد تمت ترجمة هذا الموقف في المادة "36" من دستور جمهورية الصين الشعبية لعام 1982، والذي نص صراحة على "حرية المعتقد".

فقد نصت تلك المادة على أن مواطني جمهورية الصين الشعبية يتمتعون بحرية المعتقد. ولا يجب على أي جهاز حكومي أو مؤسسة عامة، أو مسؤول أن يجبر المواطنين على الإيمان أو الكفر بأي دين. وتحمي الدولة الأنشطة الدينية العادية. ولا ينبغي لأي فرد توظيف الدين لانخراط في أنشطة تؤدي إلى تهديد النظام العام، أو تضر بصحة المواطنين، أو تؤثر على النظام التعليمي القائم في الدولة"، مؤكدة أن المؤسسات والشؤون الدينية لا تخضع لأي هيمنة أجنبية)6.)

وبدأت الحكومة الصينية في الاعتراف رسمياً بعدد من الديانات مثل الإسام، وطائفتين من المسيحية، وهما: الكاثوليكية والبروتستانتية، بالإضافة إلى الطاوية والبوذية)7(. وباستثناء الديانتين الأخريين، فإن الديانات الأخرى تؤمن بها أقلية محدودة من السكان، أما البوذية والطاوية، فتلعبان دوراً محدوداً في حياة أغلب الأفراد)8.)

ويمكن إرجاع هذا التغير من الموقف من الدين، إلى عدة عوامل أبرزها: تبني الصين الليبرالية الاقتصادية، وتخليها عن السياسات الاشتراكية السابقة، ومن جهة ثانية، أصبح الدين مهيمناً في المجالات الاجتماعية والنفسية للأفراد. فقد أرجع الأفراد إحساسهم بالبؤس والحزن إلى تردي أوضاعهم الاقتصادية، غير أنه مع ارتفاع معدلات النمو، وتحسن الوضع المعيشي للأفراد، ظل يشعرون بعدم السعادة، وهو ما أرجعوه إلى غياب الجوانب الروحية، وبالتالي فقد بدأت الصين تشهد من جديد عودة النشاط الديني.

ومن جهة ثالثة، فإن الحزب الشيوعي بدءاً من التسعينيات من القرن العشرين، بدأ ينظر إلى الدين باعتباره يؤدي وظائف اجتماعية إيجابية، وذلك من خال الأعمال الخيرية التي يقدمها لبعض أفراد المجتمع، بالإضافة إلى تعاليمه، التي تمد الأفراد العاديين بالمواساة الروحية، والتوجيه الأخاقي لها، غير أن هذه الرؤية المتسامحة تجاه الدين، لم تكن تعني ترك الشأن الديني، من دون مراقبة من الدولة، إذ فرض الحزب الشيوعي سيطرة سياسية على المؤسسات الدينية، وذلك لضمان الاستقرار السياسي والمجتمعي.

وبالتالي يمكن القول إن موقف الحزب الشيوعي من الدين قد طرأت عليه عدة تطورات بدءاً من المعاداة الشديدة له، وصولاً إلى الاضطهاد التام له خال الثورة الثقافية، إلى

تنظر الدولة الصينية بنظرة شك وعداء تجاه البوذية التبتية، نظراً لوجود مساع انفصالية لدى إقليم التبت، ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة، للمسلمين الإيجور، نظراً لأنهم دوماً ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أقرب ثقافياً وإثنياً إلى دول آسيا الوسطى، ولا يعدون أنفسهم جزءاً من الصين. ويتبنى الحزب الشيوعي موقفاً متشدداً من هاتين الجماعتين، خاصة أن الحركات الدينية المرتبطة بهما، تلقى تعاطفاً واسعاً، إن لم يكن تأييداً خارجياً. وفي المقابل، فإن الحزب الشيوعي يتبنى موقفاً أكثر اعتدالاً تجاه بعض الديانات الأخرى، مثل البوذية والطاوية والديانات الصينية القديمة.

حقبة الثمانينيات من القرن العشرين، والتي شهدت اقتراباً أقل تطرفاً، والجمع بين الرقابة الإدارية من خال المؤسسات التابعة للدولة، ومن خال وزارة الشؤون الدينية)9.)

ثالثاً: م�ستقبل العلاقة مع الطوائف الدينية

أدت اختاف طريقة تعامل الحزب الشيوعي مع الدين من فترة لأخرى، إلى وجود رؤى متضاربة حول دور الدين، وتأثيره على المجتمع. الأولى ترى أن الدين يمثل تهديداً للنظام الاجتماعي القائم والدولة، أما الثاني، فينظر إلى الدين باعتباره "رأس مال اجتماعياً" يمكن الارتكان إليه لتحقيق الاستقرار. وعلى الرغم من هذا الانقسام الحاد في الرؤى حيال دور الدين، فإن ما يجمعهما هو اتفاقهما على وجود مخاوف جدية من الانقسامات الداخلية، التي قد تترتب على عدم ضبط التعددية الدينية.

ويمكن القول إن الحزب الشيوعي يغير موقفه تدريجياً من الدين من كونه مهدداً إلى اعتباره "رأس مال مجتمعي" يمكن الاستفادة منه، غير أن هذه الرؤية لا تسري على الديانات التي تعتبرها الصين مهدداً أمنياً، وتسميها "الطوائف الرجعية"، مثل طائفة "فالون جونج"، والتي يدين بها عشرات المايين من الصينيين، وقام الحزب الشيوعي بحظرها، واعتقال وتعذيب بعض عناصرها)10.)

وتنظر الدولة بنظرة شك وعداء تجاه البوذية التبتية، نظراً لوجود مساع انفصالية لدى إقليم التبت، ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة، للمسلمين الإيجور، نظراً لأنهم دوماً ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أقرب ثقافياً وإثنياً إلى دول آسيا الوسطى، ولا يعدون أنفسهم جزءاً من الصين. ويتبنى الحزب الشيوعي موقفاً متشدداً من هاتين الجماعتين، خاصة أن الحركات الدينية المرتبطة بهما، تلقى تعاطفاً واسعاً، إن لم يكن تأييداً خارجياً. وفي المقابل، فإن الحزب الشيوعي يتبنى موقفاً أكثر اعتدالاً تجاه بعض الديانات الأخرى، مثل البوذية والطاوية والديانات الصينية القديمة.

ومن المتوقع أن يتراجع الخوف من الدين باعتباره مهدداً للأمن القومي للدولة، وذلك نتيجة عاملين أساسيين، أولهما، تحوّل الصين إلى قوة عظمى، وبروز طائفة أخرى من المشاكل أكثر أهمية، مثل التلوث البيئي، والتحديات الديمغرافية، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، وغيرها، وهي تحديات تفوق التهديد النابع من الدين.

أما ثانيهما، فيرتبط بأنه لا يمكن أن ينشأ أي دين وينظم نفسه سياسياً، ويستطيع أن يتحدى هيمنة الحزب الشيوعي، فالبوذية التبتية والإسام يمكن أن يمثا تهديداً للوحدة الوطنية الصينية، ولكنهما لن يتمكنا، بأي حال من الأحوال، من أن يقدما بدياً لقومية الهان، والتي تمثل حوالي 90% من الشعب الصيني، كما لا تستطيع أي ديانة بمفردها أن تصبح هي المهيمنة، وبالتالي تمثل تهديداً للحزب الشيوعي، والذي يحظى بشعبية كبيرة.

ويتفق الحزب الشيوعي بدرجة كبيرة مع هذا التقييم، بدليل أنه تسامح تجاه المعتقدات الدينية ولبعض الأدوار التي تقوم بها في المؤسسات الدينية في المجتمع مثل الأنشطة الخيرية، وأعمال الإغاثة وقت الكوارث، وتقديم الرعاية الصحية، والقضاء على الفقر، وهو ما يعني أن هناك تحوّلاً في رؤية الدين، من داعم لاستقرار الاجتماعي بعد توجه الدولة الصينية إلى تبني اقتصاد السوق إلى وسيلة لتحقيق التنمية في المجتمعات المحلية.

وفي الختام، يمكن القول إن ما سبق لا يعني أن العلمانية )أو الإلحادية( سوف تزول في المستقبل القريب من الصين، نظراً لأنها استمرت لفترة طويلة من الزمن، ولكن هناك اتجاهاً من جانب الحكومة الصينية للتسامح مع تنامي الشعور الديني لدى الأفراد، خاصة تجاه أصحاب الديانات التي لا تمثل تهديداً للدولة، ولكنها ستظل خاضعة لرقابة لصيقة من جانب الدولة، كما لا يتوقع أن تلجأ الحكومة الصينية إلى تسييس الدين، في ضوء الشعبية التي يتمتع بها الحزب الشيوعي الصيني.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.