الثورة التكنولوجية:

التداعيات السياسية والأمنية على الدول الأفريقية مادي إبراهيم كانتي

Trending Events - - المحتويات - مادي إبراهيم كانتي باحث دكتوراه في العلوم السياسية، جامعة القاهرة والجامعة الأفريقية، ياوندي، الكاميرون

تشهد القارة الأفريقية انتشاراً واضحاً للتطبيقات التكنولوجية، خاصة الهواتف الذكية، والإنرنت، وهو ما يرجع إلى وجود اهتمام من جانب الشركات الأفريقية والدولية، على حد سواء، بالاستفادة من الفرص الاقتصادية الواعدة في هذا المجال، غير أن هناك تداعيات سياسية وأمنية سوف ترتب على هذه الثورة التكنولوجية، وسوف يتم إلقاء الضوء على التطبيقات التكنولوجية في قارة أفريقيا، والدعم الحكومي لها، فضلًا عن التداعيات السياسية والأمنية المرتبة عليها.

اأولاً: التطبيقات التكنولوجية في اأفريقيا

تعاني القارة الأفريقية أزمات سياسية وأمنية حادة أثرت على التطور التكنولوجي للمنطقة، وعلى الرغم من ذلك، فقد بدأت شركات التكنولوجيا العالمية توجيه أنظارها إلى القارة، وإقامة مشاريع في مجال التكنولوجيا والاتصالات، وقد شهدت القطاعات التالية نمواً كبيراً في الفترة الأخيرة، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي: 1- التوسع في خدمات الإنترنت: تعددت شركات توفير خدمة الإنترنت في القارة الأفريقية، وهو ما ساهم في تخفيض أسعارها. ومع ذلك، فإن بعض المناطق الريفية والنائية لاتزال تعاني غياب الإنترنت. وتعمل كبريات شركات التكنولوجيا مثل جوجل والفيس بوك على تحسين القدرة على الوصول للإنترنت لمايين الأفارقة)1(، خاصة في المناطق التي لم تصلها خدمة الإنترنت بعد.

ويعمل فيس بوك بالشراكة مع القمر الصناعي لاتصالات "يوتلسات" Eutelsat() على تقديم خدمة الإنترنت الأساسية بشكل مجاني لحوالي 19 دولة في قارة أفريقيا، والذي يحتوي على 60 خدمة إنترنت أساسية حالياً، مثل البحث والمعلومات الصحية، وذلك من خال الهواتف المحمولة)2(، بينما تعتزم شركة جوجل تطوير شبكات لاتصال الاسلكي بالإنترنت

اعتماداً على موجات البث التلفزيوني، لتوفير شبكات لاسلكية في المناطق النائية والريفية التي تعاني ضعف بنيتها التحتية ولا يُتاح فيها الاتصال بالإنترنت، وذلك بالتعاون مع شركات الاتصالات في الدول الأفريقية)3.)

وإلى جانب الشركات الدولية، فإن هناك بعض الشركات الأفريقية، التي تسعى لتقديم خدمات الإنترنت في المناطق الريفية والنائية، وتعد شركة أوشاهيدي في كينيا مثالاً على ذلك، والتي طورت جهاز "بريك" BRCK(،) وهو عبارة عن جهاز مودم للإنترنت يعمل باتصال محدود بالإنترنت والكهرباء. يمكن أن يعمل هذا المودم مع أجهزة إيثرنت، والواي فاي، والثري جي، والفور جي)4(. وقد تم بيع آلاف الوحدات من هذا الجهاز في 54 دولة أفريقية وفي الهند، كما تسعى الشركة حالياً لتوسيع نطاق هذا الجهاز، بعد أن نجحت في جذب استثمارات دولية قدرها 3 مايين دولار)5.) 2- انتشار الهواتف الذكية: تعد أفريقيا حالياً ثاني الأسواق نمواً بعد آسيا بالنسبة لتجارة الهواتف المحمولة، خاصة أن المستهلكين يتطلعون إلى الترقي من الجيل الأول من الهواتف، إلى الهواتف الذكية. وعلى الرغم من أن معظم الهواتف الذكية مثل الآي فون، والسامسونج تعتبر مكلفة بالنسبة للطبقة الوسطى في أفريقيا، فإن الهواتف الذكية منخفضة التكلفة

اقتحمت السوق الأفريقية لتقدم البديل المناسب مادياً)6.) 3- تنامي التطبيقات الرقمية: يشهد الاقتصاد الرقمي في أفريقيا نمواً سريعاً، خاصة مع توفير العديد من الخدمات من خال تطبيقات متاحة على الإنترنت، ومن ذلك تطبيق "فنادق نيجيريا" و"جوفاجو"، واللذان يقدمان خدمات حجز الفنادق في نيجيريا. وقد نجح تطبيق "فنادق نيجيريا" في جذب استثمارات بحوالي 1.2 مليون دولار)7(. ومن جهة ثانية، فإن هناك تطبيق "تليفزيون أيروكو"، والذي يتيح الوصول إلى ما يعادل خمسة آلاف فيلم أفريقي على التليفون المحمول. وقد نجح التطبيق في تأمين استثمارات تعادل 19 مليون دولار في يناير 2016، من أجل تقديم خدماته إلى كل الدول الأفريقية)8.)

ثانياً: الدعم الحكومي للاقت�ساد الرقمي

يمكن القول إن النهضة التكنولوجية التي تشهدها الدول الأفريقية سوف يكتب لها النجاح حتى ولو كان هذا التطور يتم بصورة تدريجية. وتسعى العديد من الحكومات الأفريقية والشركات الخاصة إلى تطوير اقتصاد قائم على المعرفة أو الاستثمار في التطبيقات التكنولوجية الحديثة، ومن تلك الجهود: 1- الاستثمارات التكنولوجية: يعد "آي هاب" iHub() في كينيا، واحداً من أكبر مراكز التكنولوجيا في أفريقيا، ويسعى هذا المركز إلى الاستثمار في الشركات التكنولوجية الناشئة في أفريقيا، ومساعدتهم على تطوير ابتكارات تكنولوجية تلبي احتياجات القارة الأفريقية)9(. وقد تمكنت شركتا "آي هاب" و"أوشاهيدي" من فتح أكثر من 90 فرعاً لهما في أكثر من عشرين دولة.

ومن جهة ثانية، بدأت دول القارة تسعى للدخول في شراكات مع شركات التكنولوجيا والاتصالات الدولية، ويأتي في هذا الإطار، مشروع مايكروسوفت لتوفير الإنترنت في الدول الأفريقية، فضاً عن تقديمها منحاً تقدر بحوالي 75 ألف دولار لأصحاب المشاريع المحلية للحصول على خدمات الإنترنت في أفريقيا)10.)

وقد سعى القادة الأفارقة لتشجيع الاستثمارات الدولية، وهو ما يتضح بمراجعة خطاباتهم، والتي تؤكد استعدادهم لاستقبال المستثمرين في مجال التكنولوجيا، وتوفير مناخ أعمال يتميز بالجاذبية والجودة وبنية تحتية جيدة ورأسمال بشري مؤهل في الأنشطة التكنولوجية كافة)11.)

وقد بدأت كل الدول الأفريقية منذ بداية الألفية الجديدة، إياء اهتمام خاص لاستفادة من التطور التكنولوجي في كل المجالات، خاصة في مجال التعليم، فوفرت البرامج التعليمية والمكتبات الرقمية للتواصل العلمي مع الجامعات والمراكز العالمية، كما تبنت المؤسسات الحكومية والخاصة التوجه نفسه، وهو ما ساهم في إنشاء العديد من الشركات الناجحة في مجال توفير الخدمات التكنولوجية، كالمحمول والكمبيوتر) .) 2- مراكز التدريب: ففي رواندا، تم إنشاء مركز جديد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بدعم من الحكومة، ويستهدف مطوري البرمجيات الشباب والخريجين، وذلك بهدف إكسابهم الخبرة العملية وتوفير التدريب لهم. ويأتي ذلك في إطار جهود الحكومة الرواندية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، ويسهم في تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد سعى العديد من الشباب لتعلم المهارات التكنولوجية الجديدة، وبدأوا يعملون في شركات تطوير البرمجيات والهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية في جميع أنحاء القارة الأفريقية.

ثالثاً: التوظيف ال�سيا�سي والاأمني للتكنولوجي

أدى انتشار استخدام التطبيقات التكنولوجية، خاصة الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت إلى ظهور إرهاصات لتوظيفها سياسياً وأمنياً، ولعل أبرزها يتمثل فيما يلي: 1- التواصل السياسي: إذ إن القادة السياسيين يلجؤون إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك نظراً للدور الحيوي الذي تلعبه في التأثير على توجهات الأفراد، ومن ذلك "أماما مبازي"، رئيس وزراء أوغندا الأسبق، والذي أعلن عن ترشحه لانتخابات الرئاسية في 14 يونيو 2015، وذلك عبر قناته على موقع اليوتيوب، كما أنه عمد إلى توظيف مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، مثل الفيس بوك وتويتر من أجل الترويج لحملته الانتخابية، وقد لاقى قبولاً وتفاعاً واسعين على تلك المواقع، غير أن تلك الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي لم تترجم في الواقع العملي، إذ لم ينجح في الانتخابات الرئاسية، فقد حصل على عدد محدود من أصوات الناخبين. ومع ذلك، فإن هناك اتجاهاً متصاعداً من جانب الأحزاب السياسية المختلفة لتوظيف مواقع التواصل الاجتماعي لشرح برنامجها وإنجازاتها لمتابعيها)13.) 2- أداة مساعدة للتعبئة السياسية: فقد تم توظيف تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتوتير وغيرها، والمتوفرة في الأجهزة الذكية كأداة للتعبير عن الرأي، والحصول على المعلومات والأخبار. وفي أكتوبر 2014، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في بوركينا فاسو في إجبار الرئيس "بليز كومباوري" على عدم إجراء تعديات دستورية، والتي كان يهدف منها إلى الترشح لفترة رئاسية جديدة، وذلك على الرغم من أنه استمر في الحكم على مدار 27 عاماً.

وفي بعض الحالات الأخرى، لم تنجح التعبئة على مواقع التواصل الاجتماعي في تغيير الوضع السياسي، ومن ذلك التظاهرات والاحتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي عبرت عن رفضها لترشح الرئيس البوروندي "بيير

في ظل التطور السريع الذي تشهده أفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن تحتاج القارة السمراء إلى الملايين من المهندسين والفنيين في مجال تكنولوجيا المعلومات كي تتمكن من توفير الخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة في المدن والأرياف. ومن العوائق الأساسية في هذا المجال النقص الحاد في المهندسين العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات في جميع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء والبالغ عددهم 48 بلداً.

نكورونزيزا" لفترة رئاسية ثالثة، وهو ما اعتبر إجراءً غير دستوري، وقد رد الرئيس بأن قام بقطع خدمات الإنترنت، وقمع التظاهرات، وتمكن من البقاء في منصبة إلى اليوم)14.) 3- مكافحة الجريمة: فقد ساهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تعزيز إجراءات مكافحة الجريمة في أفريقيا، ومن ذلك حادث الاستياء على سيارة واحتجاز قائدها في جوهانسبرج، في جنوب أفريقيا. وعادة ما كانت تنتهي مثل تلك الجرائم بقتل الضحية، غير أنه تمكن من استخدام هاتفه المحمول وإرسال رسالة نصية لزميلته، والتي استخدمت تويتر للإباغ عما تعرض له من حادث اختطاف، وسرعان ما انتشرت التغريدة، وقد قامت الشرطة بتحديد موقعه من خال إشارات الهاتف المحمول، وإنقاذه بعد ساعتين من اختطافه)15.) 4- توثيق الانتهاكات: ففي أعقاب الانتخابات الرئاسية الكينية في 2007 اندلعت أعمال عنف في شوارع الباد. وللمساعدة في إيقافها، قام عدد من الصحفيين بتأسيس موقع على شبكة الإنترنت، ولاحقاً ابتكروا تطبيقاً، يسمح للمواطنين بالإباغ عن تلك الحوادث وتحديد أماكنها في وقت وقوعها عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية. وكان ذلك بداية أوشاهيدي، وهو ما يعني "شهادة" باللغة السواحلية. وقد استخدم أفراد وجماعات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم تطبيق أوشاهيدي لرسم خرائط يمكنها تحديد أماكن الكوارث الطبيعية والأوبئة والاضطرابات المدنية، وكذلك لإحراز تقدم في طائفة واسعة من القضايا الاجتماعية والسياسية والبيئية)16.)

خاتمة

سعت الحكومات الأفريقية منذ بداية الألفية الجديدة، وعلى الرغم من الأزمات الأمنية والسياسية، التي تعانيها، لخلق أجواء مناسبة لاستثمار الأجنبي، في القطاعات كافة، خاصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات، كما سعت إلى تشجيع رجال الأعمال المحليين وتوفير الحوافز الازمة لهم لاستثمار في ذلك القطاع. وشجعت المنظمات الإقليمية الأفريقية هي الأخرى المبادرات التي تساهم في النهوض بهذين القطاعين.

وفي ظل التطور السريع الذي تشهده أفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن تحتاج القارة السمراء إلى المايين من المهندسين والفنيين في مجال تكنولوجيا المعلومات كي تتمكن من توفير الخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة في المدن والأرياف. وتعد أحد العوائق الأساسية في هذا المجال هو النقص الحاد في المهندسين العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات في جميع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء والبالغ عددهم 48 بلداً.

وللمساعدة في سد هذه الفجوة، تشترك الحكومات والمنظمات الاقليمية والبنك الدولي، في استضافة منتدى رفيع المستوى عن التعليم العالي في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار في بعض الدول الأفريقية، وذلك بهدف تحقيق تقدم ملموس في مجال العلوم والتكنولوجيا.

ويعد هذا هو الوقت المناسب للتركيز على العلوم والتكنولوجيا والابتكار لأن نمو الاقتصادات الأفريقية يرجع جزئياً إلى الطلب على السلع الأولية الخام. ويمكن لهذه الاقتصادات، من خال زيادة الخريجين في مجال العلوم التطبيقية والتكنولوجية، إضافة قيمة إلى السلع الأولية والمنافسة في السوق العالمية للمنتجات المصنعة والخدمات عالية الجودة.

وعلى الجانب الآخر، فإن التداعيات السياسية والأمنية للثورة التكنولوجية التي تشهدها القارة الأفريقية تعد أمراً غير محسوم، ففي حين يتم توظيفها من أجل تعزيز الديمقراطية ونشر الوعي بين الأفراد والشعوب، فإنها في بعض الأحيان تقدم مؤشرات مضللة حول توجهات الرأي العام، ويبقي من المؤكد أنه مع استمرار الثورة التكنولوجية، فإن هذه التداعيات سوف تتضح مامحها بصورة أكبر، وهل تمثل فرصة يمكن البناء عليها، أم تهديداً لدولها؟

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.