عام مقلق:

هل هناك مبرر ل "كل هذه المخاوف" تجاه سنة 2018؟

Trending Events - - المحتويات - د.محمد عبدالسلام

مع نهاية كل عام، وبداية آخر، اعتادت مراكز الدراسات إصدار تقارير تحاول فيها، إما تحليل أهم التوجهات ذات الطابع الاستراتيجي التي سيطرت في السنة السابقة، أو توقع أهم التطورات الكبرى التي قد يشهدها العام الجديد. ومنذ فترة وضح أن هناك مياً لدى أغلبية مراكز التفكير نحو التركيز على ما قد يحمله المستقبل، ربما لاعتقاد بأنه لا توجد "قيمة مضافة" في إعادة تحليل ما جرى بالفعل، أو – وهو الأرجح – لوجود طلب حقيقي على التقديرات الخاصة بما يمكن أن يحدث، بفعل الضباب الكثيف الذي يحيط بالإقليم، والخشية من الاصطدامات أو الحوادث التي يمكن أن تقع، في ال 100 متر التالية.

لكن ثمة عنصراً جديداً، فلأسباب ما، كان واضحاً أن عام 2018 يثير مخاوف أكثر مما أثير بشأن أية سنة سابقة، بما فيها عام 2016 "الفظيع"، في ظل حالة قلق غير معتاد في معظم التقديرات بشأن "انهيارات" يمكن أن يشهدها هذا العام، وقد وصلت تلك الحالة مبكراً إلى "مركز المستقبل"، ففي نهاية ديسمبر الماضي، قام المشرف العام على تحرير الموقع الإلكتروني، باختيار عنوان "الأسوأ قادم: لماذا يتوقع الخبراء تصاعد الأزمات الدولية؟" لواحد من أوائل التحليات المتميزة لاتجاهات العام الجديد، استناداً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الفترة السابقة، أو التي رشحتها دوريات وصحف ومراكز لقراءتها.

بالطبع، قمنا "بإقناع" الزملاء في الموقع الإلكتروني بتغيير العنوان بحجة غير علمية وهي "بشروا ولا تنفروا" في بداية سنة جديدة، وكانت ردودهم محددة، وهي أنهم لم يجدوا فعلياً كتابات متفائلة تشير إلى "أخبار جيدة"، إذ كان هناك تقدير عام مبكر منتشر حول عالم مضطرب يشهد أحداثاً متسارعة وغير متوقعة، وعناوين حادة حول الفوضى والشعبوية والمخاطر، وعودة التاريخ وتراجع الليبرالية وفقدان الرشادة ونهاية التنوير وصعود القومية. لكن كان واضحاً أيضاً أن هناك تأثراً كبيراً، منهم ومن الكتاب الذين عرضوا كتاباتهم، بما سيفعله "دونالد ترامب" في العالم، والذي سيقود إلى مزيد من الإرباك.

والواقع، أن هذا التيار لم يتوقف، بل زاد اتساعاً، عبر سلسلة أكثر حدة من التقديرات التي تصدر عن جهات ذات ثقل، مستخدمة تعبيرات تحدد مزيداً من التصدعات القائمة والمحتملة، تشير في مجملها إلى أن العالم – وفق وصف تقرير ميونيخ الأمني – يتحرك نحو حافة هاوية. وأصبح الجميع حالياً يواجهون المعضلة العكسية، فقد كانت الإشكالية التقليدية هي عدم القدرة على توقع الصدمات والمفاجآت التي تمثل "مشاكل"، بينما يبدو الآن – في ظل تلك الأجواء – أن القضية قد تصبح توقعات لحدوث تدهور كبير لا يتحقق، فهناك حد لما يمكن أن تصل إليه السيناريوهات السيئة، قبل أن تقرر أطرافها أن تتوقف، طالما أن القاعدة الأولى في إدارة العلاقات الدولية لاتزال الحفاظ على البقاء وعدم الخروج من اللعبة. Geo-Storm على أي حال، فإن ما يشار إليه بشأن الإقليم، لا يختلف عما يقال حول العالم، يضاف لذلك "عامل نفسي" أصبح واضحاً في التحليلات والأحاديث، فقد كف الجميع – إلا أطراف قليلة – عن تصديق أن المنطقة، التي انهارت أجزاء منها بالفعل، يمكن أن تتحرك نحو "نظام ما"، خاصة إذا كان عربياً. وأصبح المعتاد في ملتقيات علمية أن تطرح تحليات تستند إلى حدس أو هواجس، بأن أشياء سيئة قد تقع، فهناك "عدم راحة" لبعض ما يدور أحياناً، وعدم فهم لبعض التفاعات التي تجرى، وأمل في أن تكون القيادات تدرك ما تقوم به، مع إشارات لنذر "ما قبل العواصف"، من دون مؤشرات محددة في كل الأحوال.

إن المصدر الرئيسي للقلق في الشرق الأوسط، هو الموجات الزلزالية المحتملة الناتجة عما أصبح الجميع يعلمون أنه بدأ يحدث، وهي التحولات التي تسمى عادة "جيواستراتيجية"، وهو مصطلح مخيف، يرتبط بتغيرات في خرائط الأرض والحدود والسكان والموارد والنظم، بفعل ضغوط هائلة وتدخات عنيفة وصفقات كبرى، وينتج عن ذلك عادة، بالإضافة إلى أوضاع عدم الاستقرار الحادة، ظهور مشكات متتالية لا توجد سوابق لها، ولا توجد استعدادات للتعامل معها، خاصة إذا وجدت الدول العربية نفسها في موقع "المشاهد" خارج دائرة التأثير على عمليات إعادة ترتيب الأوضاع في الإقليم.

في إطار ذلك، توجد تطورات تستند إلى وقائع، ربما تقود إلى اتجاهات محددة تضاعف من حالة الارتباك أو القلق إزاء عام 2018، منها ما يلي: 1- تصاعد التوترات المتعلقة بسياسات الدول الكبرى، فإدارة ترامب تقوم بعمليات إرباك واسعة، وسياسات روسيا تقود إلى تشكيل حقائق جديدة، وأصبحت الصين والهند أقرب إلى تفاعات الإقليم من أي وقت مضى. وتوجد أسئلة حول كيفية صنع السياسات في تلك العواصم، وتصورات بأن المشكات القائمة بينها قد تتصاعد فجأة، أو أن التوترات القائمة بينها في مناطق أخرى قد تنساب إلى الإقليم. وقد تدخلت بعضها بالفعل لتعديل مسارات ووقف أعمال وتغيير معادلات "من دون أن يكون أحد في الإقليم راغباً في مواجهتها، بالطبع". 2- احتمالات الصدام المباشر بين القوى الإقليمية، كإسرائيل وإيران والسعودية ومصر وتركيا وإثيوبيا. فلم تعد الأدوات السياسية أو حروب الوكالة أو التدخات غير المباشرة، كافية فيما يبدو لحل التناقضات بين أطراف الإقليم، إلى درجة أن معظمها

بدأ في إصدار إشارات أو القيام بتحركات توحي بأن المواجهات المباشرة بالقوة الخشنة قد تشكل مامح المرحلة التالية، مع عدم وضوح قواعد الاشتباك الحاكمة لها. فقد عاد تعبير "الحروب الإقليمية" إلى الظهور، في وقت لم يعد كثيرون فيه يتذكرون متى نشبت آخر حرب إقليمية رئيسية. 3- ظهور بؤر جديدة للتوترات على ساحة الإقليم، فتقليدياً، كان عدد الصراعات التي تنفجر أكبر من عدد الصراعات التي تسوى، لكن أن تصل منطقة الخليج، بفعل سلوكيات قطر، إلى ما يحدث حالياً، وأن تظهر توترات حادة، تستخدم في إطارها "مصطلحات عسكرية" في شرق المتوسط، مع الجمع بين دول عربية وأوروبية في "جملة مفيدة" ضمن احتمالات صراعية، أو أن تنتشر تظاهرات تحمل شعارات متصلبة في دول تحكمها معادلات تاريخية أو مزمنة، أو يتم نقل إرهابيين عبر صفقات، من بؤرة إلى أخرى، أو أن يصل سوء النوايا بدول في عملية تفاوضية إلى درجة تدفع للتفكير في "خيارات حادة". 4- تحولات غير محددة في طبيعة "الصراعات غير التقليدية"، فقد كانت حدود مسارح الصراعات التي تحدد طبيعة الصدامات التالية قابلة للتعريف، والآن لم تعد كذلك، إذ أصبح الباب مفتوحاً لأدوات وأساليب صراع لن يتم إدراك كل أبعادها إلا عندما تستخدم بالفعل، فبعيداً عن الأشكال التي ستتطور إليها حروب الموارد والمعارك البحرية والقصف الصاروخي، يبدو أن الاختراقات الخارجية للدول، والهجمات الإلكترونية واسعة النطاق، وسرعة عمليات توظيف الذكاء الصناعي، وحروب وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام الدرونز من كل الأطراف ستؤدي إلى تطورات شديدة الإزعاج. 5- اتساع الاضطرابات الداخلية في المجتمعات العربية، فهناك مجتمعات عربية تمزقت، وأصبحت أوضاعها واقعاً سيئاً، يتم التعايش مع المآسي التي ترتبت عليه، لكن ما بدا مزعجاً أيضاً هو أن مجمل الأوضاع الضاغطة على الدول، وأحياناً سياساتها، قد أدت إلى تصدعات داخلية، لم تعد القضية معها هي الخروج على الدولة، وإنما السلوكيات الداخلية، الناتجة عن القلق والخوف وعدم الثقة، على نحو ينتج ظواهر اجتماعية غير معتادة، وربما حالة أمن عام مهتزة، وعاقات بشرية غير سوية بين الأفراد والمجموعات، وهناك إنذارات حقيقية. 6- التخوف من "التداعيات غير المقصودة" للقرارات الكبيرة، فقد قامت قيادات بعض الدول الرئيسية في المنطقة باتخاذ قرارات كبرى شكلت تحولات في الأوضاع الداخلية أو التوجهات الخارجية لدولها، وبدا أحياناً أنه يتم التحرك خارج المناطق الآمنة التي تم الاعتياد عليها، بما أدى على طرح أسئلة جذرية، وسيناريوهات حادة. وقد ارتبط كثير من المخاوف على هذا المستوى باحتمالات حدوث تداعيات غير مقصودة، لم يتم التحسب لها مسبقاً، لا تؤثر على الدول المعنية فقط، وإنما الدول الحليفة لها، أو القريبة منها، قبل أن يتضح أنها – بعكس المتصور – "مخاطرات محسوبة".

ماذا لو؟

الواضح هو، أن كل الطرق تقريباً توصل إلى "السيناريو السيئ"، لكن الواضح أيضاً أن هناك شيئاً خاطئاً، فكل التقديرات مندفعة في نفس الاتجاه لدرجة تكاد تكون ‪Too bad to be(‬ true،) على نحو يتطلب تفكيراً نقدياً، فا توجد حتميات، وكما كانت هناك مشكلة نقص توقعات، أصبحت هناك مشكلة فرط توقعات أيضاً، وهنا توجد 3 نقاط: 1- إن دراسات الأمن، التي تحكم أطرها النظرية معظم مراكز التفكير الحالية، تميل إلى توقع الحالات السيئة، فهذه وظيفتها، وهم ليسوا "ساميين"، ولا يعولون على التوجهات الرشيدة أو الأدوات السياسية في إدارة الصراعات إلا كدرجة ثانية، باعتبار ذلك الأكثر أمناً تحليلياً، فاستخدام القوة هو الأساس. والواقع أن إدارة معظم المشكات المشار إليها، تدعم تلك الطريقة في التحليل، إلا أن هناك حالات تشير إلى أن الدول لا تستخف باستخدام القوة أو أعمال التصعيد، ولا تندفع إلى الحدود النهائية، وإلا كانت ستنشب "حرب الجميع ضد الجميع" في الإقليم، مع وجود حالات لسلوكيات تستعصي على الفهم بالطبع. 2- إن ماذا لو؟ سؤال شديد الأهمية، ولو كاحتمال، يستند إلى عدم تجاهل العوامل الثانوية أو الكابحة، فهل يمكن أن يكون العكس هو الصحيح أحياناً؟ هنا توجد قصة قصيرة، فبينما كان السيناريو الوحيد المطروح بالنسبة للمشكلة السورية في بدايتها، هو: ماذا بعد الأسد؟ مع نشاط واسع لمؤتمرات "اليوم التالي"، قام مركز دراسات بعقد حلقة نقاش بعنوان: ماذا لو بقي الأسد؟ وقد بدا ذلك وقتها وكأنه عصف ذهني أو إهدار للوقت، قبل أن يتضح أن السؤال كان يستحق الطرح. والمثير أن ذلك لم يتضح فيما بعد كما يبدو، بل في النقاش ذاته، فقد كان احتمالاً قوياً، على أسس معقولة، لكن لم يشأ أحد أن يراه. 3- إن السير خلف التفكير الجماعي خطأ، فهو لا يتسم بالدقة دائماً، ولا توجد حاجة للتذكير بآخر الأمثلة الصادمة للتوجه الكاسح الذي اندفع في اتجاه أن ترامب لن يفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية نهاية عام 2016، ومن كان يفكر بشكل مختلف، كان عليه أن يشك في قواه العقلية. وبالتالي فإن "الفريق الأحمر يمكن أن يفوز"، فقد تتقلص تأثيرات القوى الكبرى، أو لا تنزلق القوى الإقليمية إلى حرب، أو تتم صياغة قواعد اشتباك في مناطق التوتر الجديدة، أو حتى روادع بالنسبة للصراعات غير التقليدية، أو يتم الانتباه لما يجري داخل المجتمعات، وقد يتضح أن حسابات القرارات المقلقة كانت "قابلة للفهم". وبالطبع لا توجد ضمانات لحدوث أي من ذلك.

الفكرة، أن عام 2018 لن يكون جيداً، وهو الأرجح، لكنه يمكن ألا يكون بهذا السوء، بفعل تطورات تمثل "أخباراً جيدة" على الأرض، أو إرهاقاً من جانب كل الأطراف، أو أن يهزم بعضها، أو مراجعات تستند إلى دروس الماضي القريب، أو مصالح مؤثرة ترتفع أصوات ممثليها، أو قناعة تعود من الماضي السحيق بأهمية الحلول الوسط، والمصالح المشتركة، أو أخيراً – وهي فكرة واقعية تماماً – الخشية من الوصول إلى حافة الهاوية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.