نظرية الفراغ:

التعامل مع ”المناطق الخالية من السيطرة“ في الشرق الأوسط

Trending Events - - الافتتاحية - مدير المركز أبوظبي، 2018

إن البحث عن “تاريخ الفراغ” في الفلسفة والفيزياء واللغة، يمكن أن يصيب بصداع حقيقي، فقد بدأ الاهتمام به قبل 2500 سنة، وتطورت نظرياته وتجاربه ومعانيه عبر الزمن، بدرجة لا يمكن فهمها إلا للمتخصصين، لكن يمكن الاستفادة منها، فأهم نظرياته حتى الآن هي أنه “لا وجود للفضاء”. وقد تمت ترجمة ذلك في العلوم الاجتماعية إلى تعبيرات مختلفة أقواها على الإطلاق، هي “أن الطبيعة لا تقبل الفراغ”، سواء كان الأمر يتعلق بمناطق خالية أو أدوار مفقودة في إقليم أو وظائف متصدعة داخل دول، فهناك من يتحرك دائماً، على الفور، لملء الفراغ، كواقع لا يمكن تجنبه.

لكن جغرافياً، أين يحدث ذلك؟، فقط للطرف العربي، فالساحة التي يتم الحديث عنها ليست الشرق الأوسط، وإنما المنطقة العربية، ومن الصحيح أن كل دول الإقليم تعاني مشاكل، إلا أنه لا يوجد من يقرر بجدية أن هناك “فراغاً” يمكن أن ينشأ ببساطة داخل الأطراف غير العربية، وكأنها متماسكة. كما لا تتعلق المسألة أحياناً بقوى خارجية، وإنما أيضاً بدول وكيانات عربية، قررت أن تدمر المنطقة، فالفراغات لا تحدث من تلقاء نفسها حالياً.

محدثو الفراغات

وبداية، فإن هناك حدوداً لقدرة “إطار الفراغ” على التحليل، فهو يكتسب أهميته فقط عندما يحدث انسحاب كبير، أو تراجع دور، أو انهيار نظام، كما قد يقدم شيئاً لفهم ما يجرى في مراحل “ما بعد الفراغ”، حيث تنفجر حالة من التزاحم والاشتباك إلى درجة “لمس الأكتاف”، في كل بقعة يبدو أنها قابلة للسيطرة عليها، بعيداً عن النماذج القديمة لملء الفراغ، التي تبدو حالياً وكأنها ‪Fairy Tales‬ ، حيث تنسحب قوة لتحل محلها أخرى، بصورة ما.

المشكلة، أنه لم تتشكل نظريات تتعلق “بالفراغ”، وإنما مفاهيم تتعلق بسياسة “ملء الفراغ”، التي يُطرح بشأنها مثالان تقليديان، هما حالة الولايات المتحدة )أيزنهاور1957( التي تحركت لملء الفراغ في الشرق الأوسط إثر انسحاب بريطانيا من “شرق السويس”، وحالة إيران التي صرح رئيسها )أحمدي نجاد 2007( باستعداد إيران لملء الفراغ في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه. وقد اختلطت الأمور بالنسبة لهذا المفهوم، كأداة تحليل عملية، لعدة أسباب: 1- إن معظم التطبيقات التي ارتبطت به كانت في مجال العلاقات الإقليمية، على الرغم من وجود انعكاسات أساسية له داخل الدول، وحتى على هذا المستوى بدأت تظهر مفاهيم أكثر عمومية وضراوة كالتدخل، بأشكال غير مسبوقة. 2- إنه تم النظر إليه في كثير من الكتابات العربية تحديداً، وفقاً لتوجهات كل تيار، لكن أهمها أنه مفهوم استعماري، تحل بمقتضاه قوة عظمى محل أخرى، على الرغم من أن تحليلات، مثل تلك الحالات كان يمكن أن تكون أكثر تعقيداً، خاصة حالة 1957. 3- إنه – وهو الأسوأ - تم استخدامه لتبرير تدخلات مكشوفة للسيطرة على دول مجاورة، فإيران تقرر مثلاً، أنها تقوم بملء الفراغ في حالات تخشى أن يقوم بملئه فيها أطراف تهدد أمنها، فيما يشبه مفهوم “المجال الحيوى” سيئ الصيت. المسألة ببساطة هي أن هناك أهمية للتفكير في “مسألة الفراغ”، فعلى الرغم من أنها لا تمثل حلاً لفهم الكثير مما يجرى، والذي يتجاوز كل النظريات، ويكاد يطيح بفكرة العلم نفسها، فإن تحديد ملامح عامة لها، يفيد في فهم بعض ما يجرى في بؤر حيوية، مع تمكن أطراف محددة، غير عربية أساساً، من التحكم في تفاعلات “اليوم الأول” واليوم التالي”، في دول مختلفة، قبل أن تبدأ في التعرض لتحديات حقيقية مؤخراً.

الفراغات الحالية

إن الأشكال الخطرة من الفراغات التي يؤدي حدوثها إلى تغيرات جذرية، عادة ما ترتبط بحدوث تحولات في هياكل القوة الدولية والأدوار الإقليمية أو السلطات الداخلية، التي يؤدي اختفاؤها إلى انفجارات حادة لصراعات أو تبلور معادلات جديدة، في حالات: 1- قرارات الانسحاب الدولية، فأي انسحاب يترتب عليه خلق فراغ، إذا تم بدون ترتيبات للحفاظ على “الوضع القائم”. ويتمثل أخطر أشكاله في قيام قوة عظمى بالخروج من إقليم تتمتع فيه بدور “مسيطر”، بصرف النظر عن أي أحكام قيمية. فحتى التيارات التي تطالب بانسحاب أو خروج ما، تأمل – وإن لم تصرح - بأن يتم ذلك بشكل منظم، وفق ‪Exit Strategy‬ محسوبة، تعتمد على توافقات عملية، ما لم تكن تيارات أيديولوجية أو منفصلة عن الواقع.

ويرتبط هذا القرار عادة، بنهاية المهمة التي ذهبت من أجلها بشكل مقبول، أو تحول تقييماتها بشأن الأهمية الاستراتيجية للإقليم المعني مقابل أقاليم أخرى، أو بتكبدها خسائر لم تعد قادرة على احتمالها، أو حدوث تغيرات في عواصمها بوصول إدارات تتبنى سياسات انعزالية. وتمثل التوجهات الانسحابية في ظل إدارة أوباما أهم عامل مارس تأثيراً على خريطة الشرق الأوسط الحالية.

لقد أدى الفراغ الكبير إلى دخول فوري للقوى الكبرى التالية إلى الإقليم، وتحرك القوى الدولية المتوسطة إلى مناطق محددة فيه، وانفجار التوترات بين القوى الإقليمية الرئيسية، وظهور مشروعات السيطرة من جانب دول كإيران وتركيا على “دول عربية”، مع محاولات الجميع رسم خطوط حمراء خاصة بهم، في ظل إدراكهم بأن القوة المنسحبة لن تفعل شيئاً، ولم تحل المشكلة بوصول إدارة ترامب، بل ازدادت تعقيداً. 2- إشكاليات الأدوار العربية، وهنا تتم العودة إلى التاريخ، حيث

يذكر أنه كانت هناك قوة قائدة تسيطر على تفاعلات الإقليم، وتقف في مواجهة التدخلات الخارجية في شؤونه، أو -فيما بعد- تحالفات ثلاثية أو متعددة الأطراف من دول عربية، كانت قادرة على خوض مواجهات، مع علاقات ثنائية تتم من خلالها ترتيبات داخل الدول المجاورة. وهي مسائل صحيحة بدرجة ما وخاطئة بالدرجة نفسها.

المهم، ما يقال بشأن غياب أدوار عربية مؤثرة في التفاعلات الإقليمية الراهنة، كما هي الحال بالنسبة لألمانيا وفرنسا في أوروبا، أو اليابان وكوريا الجنوبية في شرق آسيا، بما أدى إلى سيطرة إيرانية وتدخلات تركية وابتزاز من كل اتجاه. لكن الصورة ليست بهذه البساطة، فمن الصحيح أن “سوريا” تبدو بعيدة عن التأثيرات العربية، إلا أن أدواراً عربية ضاغطة نشطت في اليمن وليبيا، والعراق أيضاً، واقتربت من أطراف الإقليم في القرن الأفريقي، فالساحة لم تترك.

إن المنطقة تشهد مواجهات عربية مع قوى إقليمية تمكنت – أحياناً – من ملء الفراغ، وترغب في فرض الأمر الواقع، لكن في ظل تيارات مختلفة، تتم إدارتها على أي حال، فمعظم دول الشمال تتهم “الدول العربية” بالاندفاع، وكأنها هي التي تسبب المشاكل. كما أن هناك أطرافاً عربية توجد داخل المعسكر الآخر، وقد أدت أولويات الدول إلى ظهور معضلة لا يوجد حل سهل لها تتعلق بالتحالفات التي لم تعد تقل تعقيداً عن الصراعات. 3- كارثة الفراغات الداخلية، فكل المشكلات تبدأ من الداخل، فمن الصحيح أن دولاً عربية تعرضت لضغط عنيف، وشهدت الحالات التي انهارت فيها دول تحت وطأة الثورات وما بعدها تدخلات خارجية حادة، إلا أن مسؤولية النظم السياسية، عما وصلت إليه دولها لا تقل أهمية. وهنا توجد ثلاث حالات، تؤدي إلى مشاكل: • حالات الفراغ السياسي الناشئة عن مشاكل داخل نظم الحكم ذاتها، والتي قد تقود إلى متاعب داخلية وتدخلات خارجية، لكن عموماً هناك دول يمكن أن تدير أمورها في الفراغ كلبنان، وهناك حالات يوجد شك في أنها يمكن أن تعبر بسلام. • حالات الدول التي تسمى “فاشلة”، والتي لا تسيطر على كل أراضيها، أو قطاعات شعبها، أو لا تقوم مؤسساتها بوظائفها، بما فيها الخدمات العامة، فعلى الفور تقوم أطراف وقوى مختلفة بملء فراغات السلطة، والقيام بمهام الدولة. • الحالات الحادة المتعلقة بانهيار الدولة، وبعبارة قصيرة فإنه عندما يتصدع النظام السياسي تنهار الدولة، ليبدأ ثقب أسود في التشكل، يفرز تأثيرات حادة، في الداخل وعبر الحدود، لفترات يصعب تقديرها، وهي المشكلة الأخطر.

إن هذه النوعية من الفراغات تحديداً، تفرض على الدول العربية تحديات لا تتعلق فقط بالتدخل في الحالات التي يبدو أنها تخرج عن نطاق السيطرة، إذا تدخلت قوة إقليمية بعناصرها الخاصة أو دعم قوة موالية لها، أو سيطرت فيها تنظيمات إرهابية على مساحات واسعة من الدولة، ك”داعش”، وإنما أيضاً باستعادة مؤسسات الدولة وقدرتها على القيام بوظائفها، التي تتجاوز المدارس والمستشفيات إلى توحيد جيوش وبناء مدن، والتعامل مع مشكلات شعوب لجأ ملايين منها إلى خارج مدنهم أو دولهم، ويتطلب ذلك خبرات وموارد وأعمال دعم، يوجد شك في أنها قد تتوافر ببساطة، في ظل ظروف الإقليم الحالية.

الفراغات المحتملة

إن الفراغ الكبير قد وقع وانتهى الأمر، بالانسحاب الأمريكي والثورات العربية، وأسوأ ما كان ممكناً أن يحدث هو أن لا تتحرك دول عربية رئيسية للتعامل مع الموقف، مهما كان الثمن الذي تكبدته، وقد ظهر أن تلك السياسة عموماً يمكن أن تؤدي إلى نتائج على الأرض في حالات متعددة، كمواجهة الحوثيين )إيران( وضرب “داعش” ومقاطعة قطر وإبعاد تركيا، مع استعادة بعض الدول تماسكها، أو قدرتها على مواجهة الاضطرابات، وتفاعلات لاتزال رمادية في حالات أخرى.

إن ما يمكن حدوثه حالياً هو الاستمرار في الاتجاه نفسه، مع تجنب الخسائر الجانبية قدر الإمكان، لكن الأهم هو مراقبة الأوضاع التي يمكن أن تقود إلى فراغات تالية، والتحرك بسرعة، في الوقت المناسب، وفقاً لمحدداتها الخاصة، في إطار ما يلي: 1- تعريف المصالح، وهي ليست عملية صعبة في البداية، فكل دولة تقيم التأثير المحتمل لكل حالة فراغ محددة على مصالحها الحيوية، وفي حالة وجود احتمالات لتأثر أمنها تحديداً أو أوضاع حلفائها أو “مصلحة مكتسبة”، سيكون عليها أن تتحرك. وأن تؤكد طوال الوقت على دوافعها، مهما كان مسار الأحداث فيما بعد. 2- سياسة حاسمة Assertive(،) فلا يوجد منطق لاتباع سياسة انعزالية حالياً، ولن تتمكن دولة من البقاء على الحياد تجاه تفاعلات تتعلق بفراغ يجري في دائرة الاهتمام المباشر لها، وهنا توجد أدوات وأساليب مختلفة يتم التفكير في تنشيطها عادة، اقتصادية وسياسية وإعلامية وأحياناً عسكرية، لكن كلها تقريباً قد تستخدم بأساليب إكراهية. 3- قوة صلبة، فالفراغات الخطرة التي تنتج عن انهيارات كبيرة، قد تدفع في اتجاه استخدام القوة الصلبة، أو العسكرية بصورة أدق، أو الاستعداد لذلك، فهناك أحوال لا تجدي فيها أية أدوات سياسية أو دبلوماسية وحدها، فالمشاركة في “ترتيب الأوضاع” لن تتم سوى بتلك الصورة، وفق خطوط حمراء متدرجة، لكن لكي تكون الدولة هناك، يجب أن تكون هناك. 4- ثمن محتمل، أن التحرك النشط بقوة صلبة، سيؤدي إلى دفع ثمن، يعرف أي طرف يرغب في أن يكون فاعلاً من البداية أنه سيتم، فستكون هناك خسائر، ويفترض أن يؤهل مؤسساته الرئيسية والرأي العام لذلك، طالما أن تكلفة عدم التحرك أكثر سوءاً من التحرك، في الوقت الذي سيكون عليه أن يقلل الخسائر بكل الوسائل، وأن يحدد ال‪End Game(‬ .)

في النهاية، فإن التعامل مع الفراغات القائمة، أو التي يمكن أن تنشأ فجأة، هي واحدة من “عمليات الإقليم” الجارية، التي توجد ملامح لفهمها، لكن السحب الداكنة لم تتبدد بعد من سماء المنطقة، ويمكن أن تحمل تطورات غير محسوبة، تثير الحاجة لفهم “مشكلات أخرى”، تتصل بأربع دول على الأقل، وقادمين جدد، ثم الاقتصاد الإقليمي.

د. محمد عبدالسلام

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.