هل هناك مستقبل لحلف الناتو؟

د. ديفيد دي. روش*

Trending Events - - آراء المستقبل - مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية، كلية الدفاع الوطني )الولايات المتحدة الأمريكية(

يتجدد الجدل، خطأً، منذ نهاية الحرب الباردة، حول زوال حلف الناتو. وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة من قبل ”الخبراء“، يواصل الحلف الاستمرار، بل وتزداد أهميته بالنسبة للدول الأعضاء.

لعل أول مدخل لفهم حلف الناتو هو إدراك أنه ليس مجرد حلف، بل مجموعة من المؤسسات. وتتعدد هذه المؤسسات بدءاً من المقر الرئيس في بروكسل إلى مركزي القيادة العسكريين )أحدهما في مدينة مونس البلجيكية، والآخر في مدينة نورفولك بالولايات المتحدة الأمريكية(، وصولاً إلى البنية التحتية الصغيرة، مثل خطوط الأنابيب وبعض المدراس.

ومن الناحية العملية، نادراً ما تختفي المؤسسات الحكومية، إذ تشير السوابق التاريخية إلى أنها تستمر، بل وتتوسع.

وهذا ينطبق على كثير من الهيئات والمؤسسات الحكومية التي تمتلك سجلاً أقل إبهاراً من مؤسسات الناتو من حيث الإنجازات والمنافع. ومن ثم قد يعتبر أي باحث مخضرم في الشؤون الحكومية أو المؤسسات البيروقراطية هذه الحقيقة بمنزلة نهاية التفسير.

تعزيز قدرات الاأع�ساء

تفوق قيمة حلف الناتو بالنسبة للدول الأعضاء بكثير مجرد القدرة على شن حرب إذا دعت الضرورة، فمجرد كون الدولة أحد أعضاء الحلف في وقت السلم يعزز القدرة العسكرية لجميع الدول الأعضاء فيه.

العامل الأول من عوامل تعزيز القدرة العسكرية لحلف الناتو هو وجود عقيدة، وتكتيكات، وأساليب وإجراءات قياسية للحلف، وهو ما يُطلق عليه اختصاراً .)TTPs(

ويمتلك الناتو عقيدة عسكرية قوية جداً، وسلسلة من المدارس ومراكز الامتياز، التي تطور أساليب موحدة لتحديد المشكلات وتقييمها، فضلاً عن التعامل مع المشكلات والمواقف المختلفة. وهذا يتيح لدولة صغيرة من أعضاء الحلف )كالبرتغال على سبيل المثال( الاستفادة من التجارب والخبرات العسكرية لدولة أكبر بكثير، مثل المملكة المتحدة.

ويستخدم أعضاء الناتو إجراءات موحدة لطلب شن ضربات جوية، وهجمات بالمدفعية، وعمليات الإخلاء الطبي، وغيرها من الخدمات الحيوية في وقت الحرب. ولديهم طرق موحدة لتقييم عمليات كثيرة والتعامل معها مثل: الحرب التقليدية، وحالات التمرد، والكوارث المدنية التي تتطلب دعماً عسكرياً، والكثير من العمليات الأخرى، وذلك بفضل عملية تطوير العقيدة العسكرية، والتكتيكات، والأساليب والإجراءات القياسية الخاصة بحلف الناتو TTPs(.) وهذا أمر مهم حتى في غياب أي قدرة عسكرية قابلة للانتشار.

العامل الثاني الذي يسهم في تعزيز قدرات حلف الناتو هو تطوير قواسم مشتركة للمعدات المستخدمة. وفي حين

أن معدات حلف الناتو ليست موحدة كلها، فقد بُذلت جهود على مدى أجيال لتوحيد المعدات العسكرية، مثل فتحات التزود بالوقود للطائرات والمركبات، وأعيرة الأسلحة الصغيرة مثل المسدسات والكبيرة منها مثل قطع المدفعية، وبعض أنواع الصواريخ والذخائر التي تُطلق من الجو، وترددات وبروتوكولات أجهزة اللاسلكي، ومجموعة واسعة من المعدات الأخرى.

وهذا التوحيد يعود بالفائدة في المقام الأول علي الدول الأعضاء الصغيرة. فعلى سبيل المثال، إذا زودت هولندا طائراتها المقاتلة بالفتحات الموحدة الخاصة بالتزود بالوقود جواً، فإنها لن تضطر إلى شراء طائرات التزود بالوقود جواً، بل يمكنها العمل مع المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية، ونشر طائرتها للقتال معهما.

وتستفيد الدول الكبرى كذلك، إذ يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تُشكل تحالفاً للقتال، حتى وإن لم يصدِّق عليه حلف الناتو، من بين الدول الأعضاء الأخرى في الناتو ممن ليست لديها مراكز لوجستية متعددة للأشياء المشتركة، مثل الوقود والذخيرة وقطع الغيار. والقواسم المشتركة لحلف الناتو تكفل الاستخدام الأمثل لطيف الترددات اللاسلكية وتساعد على التخفيف من أوجه القصور بين الدول الأعضاء.

العامل الثالث الذي يُفيد الدول الأعضاء في الناتو هو الاستحواذ المشترك. فهناك بعض القدرات التي لا غنى عنها بالنسبة للقوى العسكرية الحديثة، لكنها باهظة التكلفة بالنسبة للكثير من أعضاء الناتو من حيث تحمل تكلفة شرائها بشكل مفرد، مثل طائرات الإنذار المبكر/القيادة والسيطرة )أواكس( وطائرات النقل الجوي الاستراتيجي.

وقد طور حلف الناتو قدرات مشتركة أو مُجمعة في كلا المجالين: لدى الناتو طائرات أواكس تحمل أعلام التحالف وتعمل بأطقم متعددة الجنسيات، ويسّر تطوير طائرات النقل الاستراتيجية المُجمعة من طراز C-17 للدول التي لا تستطيع تحمل شراء قدرات جوية وطنية بالكامل. وهذه القدرات متاحة خارج أوقات الحرب، وبالتالي تصبح ذخراً للدول الأعضاء في منظمه حلف الناتو، حتى وإن لم يضطر الحلف لإنجاز مهمته المنشودة.

تحديات تواجه الحلف

من ناحية أخرى، هناك تحديات تواجه حلف الناتو. ولعل أضخمها هو استمرار نقص استثمارات الدول الأوروبية في دفاعاتها الوطنية الخاصة.

وهناك عبارة شهيرة كانت تصف الحلف بأنه منظمة شُكلت لإبقاء "الأمريكيين في عضويتها، والروس خارجها، والألمان على حالهم". غير أنه عقب مرور 70 سنة، يتساءل الأمريكيون بشكل متنامٍ عن أسباب أدائهم، مثل هذا الدور الضخم في الدفاع عن أوروبا، في حين يبدو الأوروبيون منشغلين بأمور أخرى.

ولا شك أن حملة التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسحب الدعم الأمريكي من حلف الناتو ليست سوى تعبير فج عن المشاعر التي كانت تضمرها جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ تشكيل الحلف، يجب على الأوروبيين أن يكونوا الضامنين الرئيسيين لأمنهم القومي. إن لدى الولايات المتحدة الأمريكية مصالح والتزامات أمنية عالمية، لذا لا ينبغي للأوروبيين أن يفترضوا أنهم أصحاب الحق الأول ولأجل غير مسمى في الاستعانة بالأصول العسكرية الأمريكية المحدودة.

التحدي الثاني الذي يواجه حلف الناتو هو الاتحاد الأوروبي. فعلى الرغم من التأكيدات بأن الاتحاد الأوروبي سيحترم دور الناتو، فمن الواضح أن جزءاً كبيراً من الهياكل الأمنية الأساسية للاتحاد الأوروبي تخصم من قدرات الناتو، ذلك أن القيادة العسكرية المشتركة لدول الاتحاد الأوروبي )والتي أُعلن عنها في نوفمبر (2017 تُعتبر إلى حد كبير تكراراً، والموارد التي يمكن أن تعزز الناتو تذهب بدلاً من ذلك إلى إنشاء قيادة عسكرية موازية تستنزف المواهب والأموال والموارد الأخرى من الحلف.

ونظراً لأن العديد من الدول الأوروبية لديها قدرات دفاعية غير كافية، يبدو من الإسراف بشكل خاص أن يتم تزويد منظمتين متعددتي الجنسيات بالموظفين عندما يكون من السهل تعزيز حلف الناتوالأكثر رسوخاً- بدول من الاتحاد الأوروبي التي لا تنتمي إلى الحلف في أي وقت من أوقات الأزمات، كما حدث من قبل.

وسيصبح هذا الترتيب أكثر صعوبة مع المضي قدماً في تنفيذ خطة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. الجدير بالذكر أن نائب قائد حلف الناتو )بريطانيا تقليدياً( كانت أيضاً القائد العسكري للاتحاد الأوروبي، وكانت تتولى مهمة تفادي التضارب والتعارض بين المنظمتين. وعليه، لن تكون هذه القدرة موجودة.

الناتو باقٍ

على الرغم من التحديات السابقة، من المتوقع أن يظل حلف الناتو أكثر المنظمات الأمنية نجاحاً، وسيظل المنظمة الأمنية الأفضل. إضافة إلى هذا، يوفر المقر الدائم للناتو، وخططه، وعقيدته، وتكتيكاته، وأساليبه، وإجراءاته القياسية، وقدراته، أساساً لتحالف لا مثيل له في التاريخ.

لقد تنبأ الكثيرون بانهيار حلف الناتو، لكن العديد من هؤلاء المتنبئين قد دفنوا بينما يواصل الحلف أداء مهمته. وليس هناك ما يدعو لافتراض أن هذا الأمر سيتغير. ومع بروز تحديات أمنية جديدة، يظل حلف الناتو المنتدى الأمني المفضل لأمريكا وحلفائها وشركائها الأمنيين.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.