ماذا ستفعل الشركات الدولية مع عقوبات إيران؟

د. عامر ذياب التميمي

Trending Events - - آراء المستقبل - مستشار وباحث اقتصادي كويتي

مثّل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القاضي بإلغاء الاتفاق مع إيران حول برنامجها للطاقة النووية، في 8 مايو 2018، تحدياً اقتصادياً مهماً للعديد من الشركات الرئيسية في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. من المتوقع أن تترتب على القرار بعض الخسائر لشركات عالمية كبرى ستكون مضطرة لإعادة حساباتها، لكن الاقتصاد الإيراني سيكون الطرف الذي يتحمل الخسارة الأكبر. ومع ذلك، فالموضوع بالغ التعقيد، فالمقاطعة الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إيران، وفرض عقوبات على أي شركات أو مؤسسات تتعامل معها أمر له انعكاساته.

وكما هو معلوم، فإن النفط هو عماد الاقتصاد الإيراني، وعندما يُطلب من بلدان مستهلكة وقف استيراد النفط في ظل التهديد بفرض عقوبات أو الدخول في خصومة مع الولايات المتحدة، فإن ذلك ينطوي على نتائج وتبعات اقتصادية لا يمكن الاستهانة بها.

ال�سركات العاملة في قطاع النفط

تطالب الولايات المتحدة الأمريكية الدول المستوردة للنفط الإيراني بإيقاف استيراده تماماً، أملاً في الوصول بمستوى تصدير النفط الإيراني إلى الصفر في 4 نوفمبر 2018.

وينطلق ذلك الوضع من رغبة الولايات المتحدة في شلّ قدرة النظام الإيراني على مواصلة دعم القوى والجماعات الموالية له في بلدان عديدة، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، ومنع طهران من تحقيق إنجازات كبيرة في البرنامج النووي، ووضع المزيد من العراقيل أمام قدرة النظام على تلبية الاحتياجات المعيشية للشعب الإيراني، والخروج من الضوائق الاقتصادية المتوالية، وتنفيذ برامج استثمارية تساهم في خلق فرص العمل أمام ملايين الإيرانيين الذين يدخلون سوق العمل كل عام.

الوجه الآخر للصورة، أنه بهذه القرارات فقد انتهت إمكانية استثمار الشركات العالمية، الأوروبية والأمريكية بشكل خاص، في قطاع النفط الإيراني، وهو الاستثمار الذي لا غنى عنه لتطوير القطاع وزيادة إمكاناته بعد التدهور الملحوظ الذي أصابه بفعل العقوبات الاقتصادية التي ظلت مفروضة عليه لفترة طويلة.

وقد بدأت شركات نفطيّة مهمّة في مراجعة استراتيجياتها وخططها التي اعتمدتها عام 2015، إثر توقيع الاتفاق بشأن الطاقة النووية بين إيران من جهة، والدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا من الجهة الثانية. وكانت الحكومة الإيرانية تأمل في استعادة زخم قطاعها النفطي، ودفع الشركات العالمية إلى توظيف استثمارات ضخمة في عمليات رفع الإنتاج وإعادة تأهيل المنشآت النفطية وتوسيع قاعدة العملاء.

وطمحت العديد من شركات النفط العالمية إلى العمل في إيران، والشراكة مع الحكومة الإيرانية في عمليات زيادة الإنتاج وضمان قدرته على مواجهة الطلب العالمي. وكانت الحكومة الإيرانية قد مهَّدت بعد

الاتفاق النووي لعملية جذب الاستثمار في القطاع النفطي من خلال تشريعات وأنظمة مناسبة لمتطلبات الشركات والمستثمرين. سعياً إلى بلوغ طاقة إنتاجية عالية، قد تصل إلى 4.5 مليون برميل في اليوم.

هناك شركات نفط عالمية عملاقة سوف تتأثر بالمقاطعة ضد إيران بكل تأكيد، ومن أهمها شركة "توتال" الفرنسية، والتي سبق أن خصصت 4.8 مليار دولار للاستثمار في حقول الغاز الإيرانية. وتبلغ القيمة السوقية لشركة "توتال" 168 مليار دولار، وقد حققت أرباحاً صافية في عام 2018 بلغت 8.4 مليار دولار.

وبعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية خروجها من الاتفاق النووي، حاولت "توتال" الحصول على استثناء من المقاطعة، لكن مساعيها لم تكلل بأي نجاح. ولم يعد أمام الشركة من خيار سوى الانسحاب من إيران، وحتى في حال الحصول على حماية سياسية من الاتحاد الأوروبي، فإن "توتال" لن تغامر بمصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب استثماراتها الضخمة في صناعة النفط والغاز هناك.

وبالطبع، فإن الشركات النفطية الأمريكية الكبرى، وهي الأضخم والأكثر قدرة في مجال عملها، لن تغامر بدخول السوق الإيرانية وتعريض نفسها للوقوع تحت طائلة العقوبات. ونتيجة لما سبق، سيكون قطاع النفط الإيراني، الأكثر إسهاماً في الناتج المحلي الإجمالي، ضحية للمقاطعة، وسيتأثر الاقتصاد الكلي لإيران بشكل موجع.

قطاع النقل الجوي

لن تكون الشركات النفطية العالمية الكبرى هي الوحيدة التي ستتأثر بالإجراءات الأمريكية المُشدَّدة، لأن هناك شركات أخرى كانت تعتزم عقد صفقات تجارية أو صناعية مع إيران باتت الآن تعيد التفكير مراراً في مثل هذه الخطوات، ويبدو مؤكداً أن الصفقات التي عُقدت بالفعل معرضة للإلغاء، وأن ما كان على قائمة الانتظار من صفقات سوف يُصرف النظر عنه تماماً. ومن الأمثلة على ما سبق، شركة "بوينغ" لصناعة الطائرات، وهي شركة أمريكية. وقد بلغت قيمة أصول "بوينغ" في نهاية 2017 ما يزيد على 92 مليار دولار، وأرباحها الصافية 8.2 مليار دولار، وهي تعتمد على رعاية الحكومة الأمريكية بشكل كبير.

وقد عقدت "بوينغ" صفقة لتوريد 80 طائرة لحساب الخطوط الجوية الإيرانية خلال الفترة من 2017 إلى 2025 وبقيمة 17 مليار دولار، في ظل سعي طهران إلى إصلاح أسطولها المتداعي من الطائرات المدنية، وتطوير قطاع النقل الجوي، ولا يُنتظر لهذه الصفقة أن تتم.

وفي القطاع نفسه، أي قطاع النقل الجوي، فإن شركة إيرباص الأوروبية وقعت عقداً لتزويد الخطوط الجوية الإيرانية بمئة طائرة وبقيمة 19 مليار دولار. وتملك "إيرباص" أصولاً بقيمة 111 مليار يورو، وحققت أرباحاً قيمتها 2.9 مليار يورو في نهاية عام 2017. وهذه الصفقة غير قابلة للاستمرار مثل سابقتها.

من جهة ثانية، فإن تعطل الصادرات النفطية المتوقع لن يتيح لإيران الموارد المالية التي تكفي للوفاء بمثل هذه الالتزامات الباهظة خلال السنوات القادمة، ما لم يتغير الوضع السياسي في اتجاه التهدئة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما لم تتعامل إيران مع محيطها الإقليمي ومع القوى العالمية الكبرى بصورة أفضل.

وفي حال استمرار الوضع السياسي على ما هو عليه، أو شهد مزيداً من التصعيد، فمن المؤكد أن الشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى لن تُقدم على المغامرة بمصالحها، وسوف تلتزم بقرارات المقاطعة التي تنوي واشنطن تطبيقها بحزم.

القيود الاأمريكية على ال�سركات الغربية

قُدِّر الناتج المحلي الإجمالي الإيراني ب 460 مليار دولار عام 2017 بما يجعل إيران في المرتبة 25 في ترتيب دول العالم من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي، لكن الترتيب بحسب معدل دخل الفرد يضع إيران في المرتبة 96 عالمياً، حيث يقارب دخل الفرد سنوياً في إيران 5400 دولار.

وبشكل عام، فإن حجم الاقتصاد الإيراني وظروفه لا يجعلان منه بديلاً للاقتصادات الرأسمالية الأساسية التي تعتمد عليها الشركات العالمية الكبرى، مثل شركات النفط أو الطيران أو الشركات العاملة في الصناعات التحويلية، وكذلك البنوك والمؤسسات المالية. وربما يكون لدى هذه الشركات الرغبة في دخول السوق الإيرانية، لكنها غير قادرة على تحمل التكلفة المترتبة على تحدي العقوبات الأمريكية في الوقت الحالي.

إن الأوضاع الراهنة، واحتمالات توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية، ستمنع العديد من الشركات من المساهمة في تطوير قدرات الاقتصاد الإيراني. فهناك محددات أمام الشركات الأوروبية والأمريكية نظراً لمصالحها الواسعة في الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك عمق في الاقتصاد الأمريكي يمنح هذه الشركات فرصاً واسعة، إذ يتمتع الاقتصاد الأمريكي بقاعدة استهلاكية مهمة، كما أن المشتريات الحكومية مرتفعة بشكل كبير، سواء من المنتجات المدنية أو العسكرية.

وإضافة إلى ذلك، يمكن القول إن القطاع النفطي في الولايات المتحدة يزدهر بعد تطوير عمليات إنتاج النفط الصخري وتحسين كفاءة الإنتاج. والشركات النفطية وغيرها من الشركات الرئيسية لن تغامر بمصالحها في الولايات المتحدة أو بالتعرض لعقوبات أمريكية من أجل العمل مع الحكومة الإيرانية الحالية، مهما كانت المغريات.

إن الأوضاع الراهنة، واحتمالات توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية، ستمنع العديد من الشركات من المساهمة في تطوير قدرات الاقتصاد الإيراني.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.