لماذا يحكم المستشارون الألمان لمدة طويلة؟

د. ساسكيا فان جينوغتن

Trending Events - - آراء المستقبل - باحث أول في أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، أبوظبي

قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تولي الولاية الرابعة عقب فوز حزبها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في سبتمبر 2017 ، وقد شغلت أقوى منصب في ألمانيا لأكر من 12 عاماً، وهو ما يطرح سؤالاً منطقياً حول سبب بقاء المستشارين الألمان لفترة طويلة في السلطة؟

لقد كانت ميركل حاضرة عند تسلم العديد من القادة العالميين الآخرين زمام السلطة، وحاضرة في وداعهم أيضاً، وتشمل قائمة الراحلين خلال ولاية ميركل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، والرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، ورئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو بيرلسكوني. وبالفعل، يبدو هذا وقتاً طويلاً، وعلى سبيل المثال، شهدت إيطاليا تولي سبعة رؤساء وزراء خلال تلك الفترة. ولعل النموذج الآخر المماثل يوجد في روسيا.

الت�سويت ل�سالح الا�ستقرار

إن طول مدة بقاء ميركل في الحكم ليس استثناء، لأن العديد من سابقيها ظلوا يشغلون المنصب ذاته لفترة طويلة، بما في ذلك هيلموت كول الذي استمر 16 عاماً. ومثله مثل ميركل، كان الأمر الذي ساعد كول في ذلك هو السياق السياسي، حيث إن الحزب الاشتراكي الديمقراطي لم يستطع الدفع في الانتخابات بأي منافسين يتمتعون بكاريزما. وهناك مقولة قد تجسّد وتلخّص فكر قطاع كبير من الناخبين الألمان، وهي: "لا تتخلص من حذائك القديم قبل أن يكون لديك آخر جديد". وعليه، فطالما أن المستشارة تؤدي عملها بشكل جيد، حتى وإن لم يكن رائعاً، فإن الرهان الأكثر أماناً هو الاستمرار معها، حتى تمل منها حقاً ويكون هناك بديل أكثر جاذبية. وبالتالي، فإن الأحزاب الرئيسة ستفكر ملياً قبل الإقدام على تغيير زعيمها، لأن من شأن ذلك استعداء الدوائر الانتخابية التي تنزع إلى تجنب المخاطر.

يفضل الألمان التصويت لصالح الاستقرار. وقد تم تصميم النظام السياسي الألماني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لترسيخ مبدأ الاستقرار هذا. والجدير بالذكر أن الحلفاء الذين احتلوا ألمانيا في أعقاب هزيمة النازية، قد شاركوا بقوة في إعداد النظام السياسي الجديد في الدولة. وكان كونراد أديناور مرشحهم المفضل، وكانوا يريدون الاحتفاظ به كزعيم لألمانيا لفترة طويلة، ومن ثم لم يرغبوا في وضع حدود لفترة بقائه في منصبه. وقد وصل أديناور إلى ولايته الرابعة، لكنه أُرغم على التنحي قبل إكمالها بسبب فضيحة سياسية في حكومته.

�سوابط �سلاحيات الم�ست�سارين

على الرغم مما سبق، فإن الأمر الأكثر أهمية الذي يُسهم في بقاء ميركل على رأس السلطة أنها تحظى بتأييد المواطنين وحزبها، حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وطالما أنها تفوز في انتخابات حرة ونزيهة، وتظل زعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، يمكن لميركل الاحتفاظ بمنصب المستشارية الألمانية "إلى الأبد"، ذلك أن الدستور الألماني، الذي يُطلق عليه اسم القانون الأساسي، لا يضع حداً لعدد سنوات البقاء في المنصب. وكثيراً ما يشير الخبراء إلى أن هذا الأمر يجعل الديناميات السياسية الألمانية مختلفة جداً عن الديمقراطيات الرئاسية في فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية، اللتين يبقى فيهما الرئيس في

السلطة لولايتين كحد أقصى. فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، يمكن للرئيس البقاء في منصبه ثماني سنوات كحد أقصى. وفي فرنسا، يمكن للرئيس أن يظل في منصبه عشر سنوات كحد أقصى.

وهكذا، سيتعجب البعض عندما يسمع أسماء مثل هورست كولر، وكريستيان فولف، ويواكيم جوك، الذين تولوا منصب رئيس ألمانيا خلال حكم ميركل. إن دور الرئيس في السياسة الألمانية هو دور رمزي، وغالباً ما يكون ذا طبيعة تمثيلية، ذلك أن السلطة التنفيذية الحقيقية في يد المستشار الألماني، على الرغم من أن صلاحيات المستشار لا تزال تخضع لقيود كثيرة من قبل البرلمان، مقارنة بتلك التي يتمتع بها رؤساء فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

وبالتالي، غالباً ما يُشار إلى ألمانيا بأنها "ديمقراطية المستشارية". وإضافة إلى عدم وجود حدٍّ أقصى لعدد السنوات التي يمكن أن يقضيها الشخص في منصب المستشارية، فإن المستشار الألماني يتمتع بصلاحيات قوية نسبياً مقارنة بالديمقراطيات البرلمانية، إذ يقوم المستشار بتعيين وزراء الحكومة وإقالتهم. وتُعدُّ توجيهات السياسة الرسمية التي يضعها المستشار توجيهات ملزمة قانونياً، يتعين على الوزراء تنفيذها. علاوة على ذلك، يمكن للمستشارية الضغط على البرلمان من خلال إضافة بند "سحب الثقة" لأي مشروع قانون، مما يجعل البرلمان يفكر ملياً قبل أن يرفض أي مقترح.

ال �سياق التاريخي

وفي ظل عدم وجود حد أقصى لعدد ولايات المستشارية الألمانية، والصلاحيات الهائلة التي يتمتع بها شاغل هذا المنصب، يبدو هذا حلماً لأي زعيم سلطوي أو ديكتاتور محتمل. غير أن النظام السياسي الألماني قد صُمم لتجنب هذا تماماً. وكما هي الحال في جميع النظم السياسية، فإن النظام الألماني هو انعكاس للسياق التاريخي والأفكار التي كانت سائدة آنذاك. فقد تم اعتماد الدستور الألماني عام 1949، ولم يتم التوقيع عليه من قبل الألمان فقط، بل وقع عليه زعماء قوات الحلفاء أيضاً، التي احتلت ألمانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتأثراً بمحاولة أدولف هتلر إقامة الرايخ الثالث، حرص من قاموا بصياغة القانون الأساسي على ضمان تنفيذ ألمانيا لآليات ديمقراطية قوية لا يمكن للسياسيين التلاعب بها. وهكذا، فقد تمت ترجمة مقولة "لن نسمح بتكرار هذا مرة أخرى" في القانون الأساسي.

صعد هتلر للسلطة في ظل الآليات الديمقراطية لما كان يعرف باسم جمهورية فايمر )1919 - 1933( التي نشأت في ألمانيا بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، واستمرت حتى تولى هتلر مقاليد الحكم. واتسمت السياسة في ظل جمهورية فايمر بالتذبذب وعدم الاستقرار، حيث اعتادت الأطراف المتناوئة إقالة المستشارين التابعين للطرف الآخر لأسباب غير وجيهة من خلال الاستخدام المُفْرط للتصويت بسحب الثقة. ونتيجة لذلك، شهدت جمهورية فايمر تغيير 14 مستشاراً للدولة في غضون 14 عاماً.

عند صياغة الدستور في فترة ما بعد الحرب، كان الشاغل الرئيس هو ضمان الحد الأدنى من عدد السنوات الذي يمكن أن يبقى فيه المستشار الألماني في منصبه، وليس الحد الأقصى. وإضافة إلى ذلك، صممت قوات الحلفاء المنصب لكونراد أديناور، وأرادت أن يبقى في السلطة أطول فترة ممكنة. وهكذا، تم إدخال مفهوم "التصويت البنّاء بسحب الثقة". وهذا يعني أنه يمكن إقالة المستشار عبر التصويت بسحب الثقة إذا كانت المعارضة كبيرة بدرجة كافية، ولكن لا يمكن فعل ذلك إلا إذا اتفقت المعارضة على من يخلفه. ولم تُستخدم هذه المادة الدستورية سوى مرتين حتى الآن، ولم تنجح سوى مرة واحدة، حيث أدى استخدامها عام 1982 إلى إقالة المستشار هيلموت شميدت واختيار المستشار هيلموت كول.

ثقة را�سخة

أحد الضمانات الأخرى التي وُضعت ضد إمكانية إساءة استخدام السلطة من قبل أشخاص ذوي توجهات ديكتاتورية هي أنه لا يتم اختيار المستشار مباشرة من قبل الشعب، بل بواسطة البرلمان )البوندستاغ(. كما أن المستشار هو زعيم الحزب أو ائتلاف الأحزاب التي تشغل أغلبية المقاعد في البرلمان. وبما أنه يتم اختيار المستشار من قبل الحزب، فإنه سيحتاج إلى تأمين تأييد كبير من زملائه. وبالتالي، من غير المرجح لأي ديكتاتور محتمل يحاول ترسيخ ما يعرف ب"تأليه الزعيم" أن يحتفظ بدعم الحزب لفترة طويلة.

وختاماً، فإن خطر استغلال المنصب قائم لا شك. ففي نهاية المطاف، تكون جودة أي نظام ديمقراطي بقدر ثقة الشعب فيه. والديمقراطية ليست مجرد قواعد وآليات، وضوابط وتوازنات فقط، بل نموذج للحكم يثق فيه المشاركون في أنه لن تتم إساءة استغلال النظام. وربما تكون الولاية الرابعة لميركل هي الأخيرة، فلم يتمكن أي مستشار ألماني -حتى الآن- من البقاء في السلطة أكثر من أربع ولايات. كما أن ميركل تبدو منهكة، ويبدو أن الناخب قد مل أيضاً. ومع ذلك فإن الألمان قدموا لأنفسهم وللعالم أيضاً خلال الأعوام ال 12 الماضية خدمة جليلة، عبر الحفاظ على حصن سياسي للاستقرار يسعى للتنمية على المدى الطويل وليس المكاسب الشخصية على المدى القصير.

طالما أن المستشارة تؤدي عملها بشكل جيد، حتى وإن لم يكن رائعاً، فإن الرهان الأكثر أماناً هو الاستمرار معها حتى تملَّها حقاً ويكون هناك بديل أكثر جاذبية. وبالتالي، فإن الأحزاب الرئيسة ستفكر ملياً قبل الإقدام على تغيير زعيمها، لأن من شأن ذلك استعداء الدوائر الانتخابية التي تنزع إلى تجنب المخاطر.

إن طول مدة بقاء ميركل في الحكم ليس استثناء، لأن العديد من سابقيها ظلوا يشغلون المنصب ذاته لفترة طويلة، بما في ذلك هيلموت كول الذي استمر 16 عاماً.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.