الإبداع الأسود:

توظيف الابتكار في تنفيذ العمليات الإرهابية

Trending Events - - تحليلات المستقبل - أستاذ مساعد في الأمن الدولي، جامعة خليفة

يعد أحد العوامل المسؤولة عن فاعلية الجماعات الإرهابية هو قدرتها على الابتكار، ولعل ذلك يفسر أسباب نجاح تنظيم ”داعش“، على سبيل المثال، في تصدر المشهد الجهادي، حتى الآن، على الرغم من الضربات العسكرية التي تلقاها في معاقله الرئيسية في سوريا والعراق. يسعى هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على ظاهرة ابتكار التنظيمات الإرهابية، من خلال توضيح الطبيعة المزدوجة للإبداع، والمحددات الأساسية لابتكار المنظمات بصورة عامة، ثم تحليل بعض الممارسات المبتكرة لبعض الجماعات الإرهابية، مثل القاعدة و"داعش"، وأخيراً الإشارة إلى أبرز الجهود الحكومية الموجهة لمكافحة الإبداع الأسود.

اأولاً: الطابع المزدوج للاإبداع

يسود اعتقاد بأن الإبداع أمر جيد بالضرورة، إذ يتم التعويل عليه لتقديم حلول لأكثر التحديات إلحاحاً في العالم، مثل تغير المناخ أو الفقر أو مواجهة الأزمات المالية) وغالباً ما يتم تجاهل حقيقة أن الإبداع الذي يؤدي إلى اكتشاف علمي أو اختراع جديد يفيد البشرية كافة، يمكن أن يسفر كذلك عن تداعيات سلبية للغاية.

ويعد أشهر الأمثلة على ذلك، اكتشاف "إدوارد جينير" و"لويس باستور" الجراثيم، وهو الأمر الذي فتح الباب أمام تطوير مزيد من اللقاحات، وساهم في إنقاذ حياة الملايين من الأفراد، غير أنها مثلت في الوقت ذاته حجر الأساس لتطور الحروب البيولوجية )الجرثومية(. ولا شك أن الغالبية العظمى من العقول المبدعة، مثل جينير وباستور، لا تعمل على تحقيق أغراض خبيثة، غير أنه من الخطأ تجاهل حقيقة أن العديد من المخترعات الإبداعية تمت إساءة استغلالها وتوظيفها في غايات غير بريئة، وهو ما يعكس الجانب المظلم من الإبداع) .)

وفي الواقع الفعلي، يشمل مفهوم الإبداع )Creativity( مرحلتين أساسيتين وهما: الجهود الرامية إلى تطوير وإدخال طرق جديدة ومحسنة للقيام بالأمور، فضلاً عن النتائج المترتبة على هذه الجهود. فالإبداع يشير إلى توليد فكرة جديدة، أما الابتكار Innovation() فهو المرحلة التالية لترجمة هذه الأفكار والتوصل إلى تدابير وممارسات ومنتجات أكثر فعالية. وقد وجد الباحثون صعوبة في تعريف معنى الإبداع، ناهيك عن قياسه) .)

ومن المعروف أن الإبداع – عندما يقترن بالابتكار – يمكن أن يكون مصدراً لميزة تنافسية ملحوظة لمختلف المؤسسات بأشكالها وأحجامها كافة. ومن المنطقي أن تطمح الجماعات الإرهابية إلى أن تصبح مبدعة، شأنها في ذلك شأن الشركات والمؤسسات التجارية) فالجماعات الإرهابية في نهاية المطاف هي طرف في صراع من أجل البقاء في سوق تنافسية تعج بالتنظيمات الإرهابية المناوئة) .)

ثانياً: محددات ابتكار الموؤ�س�سات

يعد "ديفيد رابوبورت"، أحد أهم المتخصصين في دراسات الإرهاب، وقد أجرى دراسات حول عوامل بقاء وفناء التنظيمات الإرهابية. واستنتج رابوبورت في عام 1992 من تتبع تاريخ التنظيمات الإرهابية أن ما لا يقل عن تسعة أعشار التنظيمات الإرهابية فشلت في البقاء والاستمرار لأكثر من عام، وأن قرابة نصف التنظيمات التي استطاعت الاستمرار بعد الأشهر ال12 الأولى ستختفي في غضون عقد من الزمان) وعلى الرغم من أن نجاح أي جماعة إرهابية وطول أمدها مرهونان بمجموعة من المتغيرات، فإن قدرتها على الإبداع والابتكار تشكل بلا شك أحد عوامل بقائها واستمرارها) .)

وعلى الرغم من المكاسب المحتملة التي تعود على المؤسسة جراء تبني أساليب جديدة مبتكرة في إدارة أمورها، فإن المنظمات المختلفة، بما فيها الجماعات الإرهابية، تختلف فيما بينها اختلافاً ملحوظاً في قدرتها على تبني الممارسات الإبداعية. ويلاحظ في هذا الإطار أن المنظمات المعروفة والكبيرة عادة ما تفضل التمسك بالأساليب التقليدية التي تألفها، في حين أن المنظمات الأحدث تميل إلى أن تكون أكثر استعداداً لتجربة ممارسات جديدة، نظراً لمحاولتهم دخول أسواق جديدة، أو سعيهم لزيادة حصتهم في السوق، من خلال محاولة تطوير منتجاتهم باستمرار، الأمر الذي يضعهم في موقع ريادي في السوق. وباتباع المنطق نفسه، تُبدي الجماعات الإرهابية الجديدة ميلاً أكبر من غيرها للإبداع والتجريب.

ويتوقف ميل المؤسسة للابتكار كذلك على عامل ثانٍ، وهو إذا ما كانت لديها أجندة محلية أو دولية، فالدراسات التي أُجريت في قطاع الأعمال توضح أن الشركات التي تعمل على المستوى الدولي منذ مراحل نموها الأولى هي الأكثر ميلاً إلى تعزيز الجانب الابتكاري لديها) وبالمثل، فإن الجماعات الإرهابية ذات الأجندة الدولية تميل إلى تبني ممارسات ابتكارية تفوق جماعات الإرهاب المحلي.

ثالثاً: ابتكارات القاعدة الاإرهابية

كان تنظيم القاعدة أكثر التنظيمات الإرهابية لجوءاً إلى توظيف ممارسات مبتكرة، خاصةً منذ أواخر التسعينيات من القرن العشرين فصاعداً. ويمكن في هذا الإطار التمييز بين مستويات مختلفة من الابتكار، والتي يمكن إيجازها على النحو التالي:

1- استخدام الطائرات كصواريخ موجهة: فقد تمكنت القاعدة من التفكير "خارج الصندوق" عندما استعانت بأكثر من طائرة مختطفة في آن واحد كصواريخ موجهة لاستهداف المباني على غرار ما تم في أحداث 11 سبتمبر 2001 .) وعلى الرغم من أن هجمات 11 سبتمبر تضمنت عناصر من خطط إرهابية سابقة لها، مثل "عملية بوجينكا"؛ وهي مؤامرة حاكتها القاعدة في عام 1995 وتم خلالها التخطيط لخطف 11 طائرة تجارية فوق المحيط الهادئ ثم توجيهها إلى مبان في وقت واحد، فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تضمنت أبعاداً مبتكرة، سواء من حيث الحجم أو الوسائل المستخدمة، فقد عمدت القاعدة في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر إلى استخدام المتفجرات السائلة لتفجير الطائرات أثناء الطيران، وهو مؤشر على حرصهم على تطوير خططهم باستمرار.

2- تطوير متفجرات معقدة: لم يقتصر تبني الممارسات الإبداعية على تنظيم القاعدة الأم في أفغانستان، بل امتد إلى أفرع التنظيم المختلفة، والذين أظهروا قدراً كبيراً من الابتكار، فقد نجح إبراهيم عسيري، كبير صانعي المتفجرات في تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" في تطوير عدة قنابل يصعب على أجهزة أمن المطارات كشفها، ومن ذلك إرساله متفجرات مخبأة في طرود عبر طائرتين للشحن في عام 2010، وقد تمكنت المخابرات الأمريكية من اكتشافها بناء على معلومات حصلت عليها من الاستخبارات السعودية، كما أنه هو من قام بزرع متفجرات داخل الجسد البشري، كما في حالة عمر الفاروق عبدالمطلب، والذي حاول استخدامها في تفجير طائرة "إيرباص 330" التابعة لشركة "دلتا ايرلاينز" الأمريكية، عند هبوطها في مدينة ديترويت الأمريكية في 2009، والتي عجزت أجهزة الأمن في المطار عن رصدها كذلك) .)

وبالمثل استخدام تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين )العراق( المتفجرات محلية الصنع )أو ما يطلق عليها العبوات الناسفة( ضد قوات التحالف التي قادتها الولايات المتحدة فى البلاد، خاصةً في ذروة التمرد الذي شهدته العراق منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) .)

3- الانتقال إلى المعسكرات الافتراضية: يسعى الإرهابيون للترويج لأجندتهم المتطرفة، واستقطاب المؤيدين إلى صفوفهم) وتوفير التدريب اللازم لهم من أجل القيام بعمليات إرهابية. وكان ذلك في الماضي يتم عبر سفر العناصر المتطرفة إلى ملاذات التنظيمات الإرهابية، مثل معسكرات القاعدة في أفغانستان.

ففي أعقاب الغزو الأمريكي لأفغانستان، والإطاحة بنظام

حكم طالبان في عام 2002، لجأت القاعدة إلى استغلال شبكة الإنترنت لتحل محل معسكرات التدريب التي تفككت، وذلك للقيام بطائفة واسعة من الأدوار، والتي تتمثل في إعادة الاتصال بين عناصر التنظيم القيادية، وكذلك للتواصل بين تنظيم القاعدة الأم، وأفرع التنظيم حول العالم) .)

ومن جهة ثانية، وظفت القاعدة الإنترنت من أجل الوصول إلى المتطرفين حول العالم، ونشر الدعاية، والترويج لوجهة نظرها المتطرفة حول مختلفة القضايا السياسية، أو المجتمعية، وبما يعزز في النهاية رؤيتها المتطرفة، ويجذب المؤيدين لها) .)

كما استغل تنظيم القاعدة شبكة الإنترنت مرة أخرى لنشر معلومات حول كيفية تصنيع العبوات الناسفة بين الجماعات والأفراد التابعين لها) وهكذا أظهرت القاعدة ميلاً للتعلم من تجارب مقاتليها وتجارب الآخرين) بل ونشر هذه المعرفة بين أتباعها) .)

رابعاً: تفوق «داع�ش» على القاعدة

استفاد تنظيم "داعش" من الأساليب والوسائل المبتكرة التي طبقتها التنظيمات الإرهابية الأخرى، لاسيما القاعدة، غير أن هذا لا يعني أن "داعش" اكتفى بمحاكاة تلك الممارسات، أو إدخال تعديلات طفيفة عليها، وذلك على الرغم من أن التنظيم الإرهابي خرج من رحم تنظيم القاعدة.

فقد أبدى تنظيم "داعش" ممارسات ابتكارية واضحة منذ صعوده اللافت في يونيو 2014، عندما تمكن من الاستيلاء على مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وما تلا ذلك من غزو أجزاء كبيرة من غرب العراق ومن سوريا. ويعود ذلك إلى كون "داعش" جزءاً من منظمة إرهابية تتسم بالإبداع، ومن ثم توفرت لديه حوافز قوية تدفعه لمواصلة تطوير عملياته الإرهابية، للتميز عن منافسيه، بما في ذلك التنظيم الأم الذي انشق عنه. ولعل أبرز مبتكرات "داعش" الإرهابي تمثل فيما يلي:

1- تطوير "النحل القاتل": تجلى ميل "داعش" إلى تطوير قدراته التقنية بصورة واضحة خلال الجهود التي بذلتها الحكومة العراقية، بدعم من القوات الأمريكية، لاستعادة الموصل في نهاية عام 2016، إذ استخدم التنظيم مروحيات رباعية صغيرة )كوادكوبتر( لإطلاق قنابل يدوية صغيرة، أو لإطلاق قذائف هاون صغيرة أو قنابل عنقودية صغيرة على قوات الأمن العراقية في مدينة الموصل.

ولقد وظّف التنظيم هذه المروحيات توظيفاً مبتكراً بحيث يصعب اعتراضها. وكانت هذه المروحيات، أو "النحل القاتل"، كما أطلق عليها أحد كبار قادة القوات الخاصة الأمريكية، هي التي أبطأت الجهود العسكرية المدعومة أمريكياً لانتزاع الموصل من بين أيدي التنظيم) وتبين فيما بعد، أن تنظيم "داعش" كان لديه برنامج لتطوير طائرات الدرونز وتسليحها، إذ كان "قسم الطيران" في "هيئة التطوير والتصنيع العسكري" هو الذي يقوم بهذه الجهود) .) 2- أسراب المدرعات المفخخة: استخدمت العديد من التنظيمات الإرهابية تكتيك السيارات المفخخة على مدار عقود، غير أن "داعش" أضفى عليه عنصراً جديداً، وذلك من خلال استخدام مركبات هامفي المدرعة في تنفيذ العمليات الانتحارية، نظراً لقدرتها على تحمل نيران القوات الأمنية حتى تتمكن من الوصول إلى الموقع المراد تفجيره، كما أنه قام باستخدام عدد كبير من هذه المركبات في العملية الانتحارية الواحدة، وذلك بهدف التمكن من استهداف النقاط الأمنية الحصينة كالقواعد العسكرية واقتحامها) .) 3- توجيه العمليات الإرهابية عن بعد: قام "داعش" بتطوير عمليات التجنيد عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بصورة جعلته يتفوق على الجهود المماثلة للجماعات الإرهابية الأخرى، سواء على مستوى قدرتها على تجنيد أفراد في عدد كبير من الدول، أو من حيث توظيف عدد واسع من التطبيقات المختلفة للقيام بذلك) .)

لم يقتصر تبني الممارسات الإبداعية على القاعدة الأم في أفغانستان، بل امتد إلى أفرع التنظيم المختلفة، والذين أظهروا قدراً كبيراً من الابتكار، فقد نجح إبراهيم عسيري، كبير صانعي المتفجرات في تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" في تطوير عدة قنابل يصعب على أجهزة أمن المطارات كشفها.

فقد قام تنظيم "داعش" باستغلال برامج الاتصال المشيفرة مثل "تليجرام" للتواصل بين عناصره ولأغراض التجنيد) ،) خاصة بعد أن أغلقت الأجهزة الأمنية الحسابات المرتبطة ب"داعش" على الفيس بوك وتويتر) ووجدت دراسة أن "داعش" تمكن خلال الفترة بين فبراير 2015 وأغسطس 2016، من توجيه الذئاب المنفردة لتنفيذ عمليات إرهابية في الغرب، وكان تطبيق "تليجرام" من الأدوات التي استند إليها التنظيم) .)

ومن جهة ثانية، اهتم "داعش" بنشر أنشطته وأجندته بصورة لم يسبقه إليها أي تنظيم إرهابي آخر، وذلك باستخدام محتوى مرئي يعكس قدراً كبيراً من الاحترافية في إخراجه، ونشره عبر مجموعة واسعة من المنصات الإعلامية) وهو ما يرجع إلى نجاحه في استقطاب كوادر تمتلك مهارات تقنية عالية.

خام�ساً: تدابير مواجهة الاإبداع الاأ�سود

إن الإبداع الخبيث، باعتباره نشاطاً عقلياً، لا يمكن القضاء عليه بطبيعة الحال. ومع ذلك، تمكنت الدول المختلفة من كبح التنظيمات الإرهابية التي تتبنى وسائل ابتكارية في

هجماتها، وهو ما يمكن إيجازه فيما يلي: 1- التوظيف العكسي للابتكارات: إذ إن الإرهابيين لا يعملون في فراغ، فلديهم خصوم يمكنهم الرد على ابتكاراتهم. وكان العديد من الإرهابيين في أواخر القرن العشرين يستخدمون وسائل الاتصال الحديثة كالهواتف الخلوية للتواصل فيما بينهم وتنفيذ عمليات إرهابية، غير أن استخدام تلك الوسائل على نطاق واسع من قبل الإرهابيين سمح للحكومات في الوقت نفسه بمراقبة أنشطتهم واستهدافهم بطريقة أفضل عن ذي قبل. 2- وقف نشر المحتوى الإرهابي التعليمي: حيث تُبذل حالياً جهود هائلة لمكافحة الدعاية المبتكرة التي يبثها "داعش" والجماعات الأخرى، والتي تتضمن إرشادات لكيفية تنفيذ الهجمات الإرهابية، بدءاً من تحديد الأماكن المستهدفة بالعمل الإرهابي، وصولاً إلى السلاح المستخدم. 3- تصفية العناصر المبتكرة: ولعل أبرز مثال في هذا الإطار قيام الولايات المتحدة بتصفية إبراهيم العسيري في اليمن في عام 2011، وهو ما حد من قدرة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف حركة الطيران المدني.

وفي الختام، يمكن القول إن الابتكار الأسود يعد أحد العوامل التي تفسر أسباب نجاح "داعش" في تصدر المشهد الجهادي، في فترة وجيزة، بل وانتزاع هذه المرتبة من تنظيم القاعدة، الذي تمكن من احتلال هذه المكانة على مدار عقود، غير أن قدرة الأجهزة الأمنية في الدول المختلفة على مواجهة هذه الابتكارات من خلال الآليات سالفة الذكر سوف تضعف من فاعلية أي تنظيم إرهابي مستقبلاً.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.