تحولات فارقة:

تداعيات الحروب التجارية على النظام الاقتصادي الدولي

Trending Events - - تحليلات المستقبل - علي صلاح رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية - المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على واردات الحديد والألمنيوم إلى بلاده، وهو ما أثار حفيظة شركاء الولايات المتحدةالتجاريين، وعلى رأسهم الصين وكنداوالمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفعهم إلى تبني تدابير مضادة، بما أدى إلى اشتعال حرب تجارية عالمية قد تأتي على مكتسبات العولمةالاقتصادية، التي تحققت على مدار السبعين عاماً المنقضية.

يسعى هذا التحليل إلى توضيح القرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي بفرض جمارك على عدد كبير من الواردات الأمريكية، والمبررات التي دفعته إلى تبني هذه الإجراءات، فضلاً عن بيان السياسات المضادة التي تبنتها الدول المتضررة، ومحاولة استشراف السيناريوهات المستقبلية، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمادى في حروبها التجارية، أم أنها ستتراجع، وتأثير ذلك على النظام الاقتصادي الدولي.

اأولاً: الاإجراءات الحمائية الاأمريكية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن من شهر مارس 2018 فرض تعريفة جمركية جديدة على الواردات الأمريكية من الحديد بمعدل 25%، وتعريفة أخرى على واردات الألمنيوم بنسبة 10‪(. 1 (%‬وقد طالت هذه الرسوم جميع مصدري الحديد والألمنيوم إلى الولايات المتحدة، ويصل عددهم إلى 85 دولة في حالة الحديد)2(، وإلى 130 دولة في حالة الألمنيوم)3(. ويأتي على رأس هذه الدول كل من كندا والصين وروسيا والمكسيك وألمانيا، وفقاً لقيمة صادراتها من الحديد والألمنيوم إلى الولايات المتحدة. )انظر الجدول رقم 1.)

ويلاحظ أن الصين كانت مستهدفة بشكل رئيسي بالتعريفات الأمريكية الجديدة على الحديد والألمنيوم؛ لاسيما أن المنتجين الأمريكيين يلقون باللائمة عليها باعتبارها السبب في تراجع الإنتاج الأمريكي من كلا المعدنين، إذ يتهمون بكين بانتهاك قواعد التجارة العالمية عبر دعم إنتاجها من المعادن. ولذلك فقد دأب هؤلاء المنتجون على مطالبة الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالحماية من “الإغراق” الصيني عبر فرض التعريفات الجمركية أو الحصص على واردات المعادن الآتية منها، وهو ما استجابت له بعض الإدارات في حالات محدودة)4.)

وتشير البيانات بالفعل إلى ارتفاع إنتاج الصين من الحديد والألمنيوم خلال السنوات الماضية، ما جعلها منافساً قوياً في الأسواق العالمية للمعدنين. فقد ارتفع إنتاجها من الحديد من 127.2 مليون طن إلى 831.7 مليون طن خلال الفترة من 2000 وحتى 2017، وأدى ذلك إلى ارتفاع نصيبها من الإنتاج

العالمي من المعدن من 11.3% إلى 56.6‪(. 5 (%‬كما ارتفع إنتاجها من الألمنيوم خلال الفترة نفسها من 2.8 مليون طن متري إلى 35.9 مليون طن متري، ليقفز نصيبها من الإنتاج العالمي للمعدن من 15% إلى 49.6‪(. 6 (%‬ولعل هذا ما يعزز موقف المنتجين والإدارة الأمريكية من الصين، باعتبارها سبباً رئيسياً لتراجع الإنتاج الأمريكي من الحديد والألمنيوم، وما لحق بهذا القطاع من ضرر خلال السنوات الماضية.

ولم تقتصر الإجراءات الأمريكية ضد الصين على واردات الحديد والألمنيوم، بل اتخذ ترامب إجراءات شبه عقابية أخرى عديدة ضدها. فقد وقع ترامب في مارس 2018 مذكرة تنفيذية لفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على قائمة تضم نحو 1,300 منتج صيني، وبقيمة إجمالية تبلغ نحو 60 مليار دولار)7(. كما هدد ترامب بفرض رسوم جديدة على منتجات صينية أخرى تبلغ قيمتها نحو 100 مليار دولار)8.)

ثانياً: اأ�سباب الموقف الاأمريكي

توجد مجموعة من العوامل التي دفعت ترامب إلى تبني السياسات سابقة الذكر، ويتمثل أبرزها فيما يلي: 1- حماية الصناعات الأمريكية: تمثل حماية الصناعة الأمريكية أحد الوعود التي أطلقها دونالد ترامب في حملته الانتخابية الرئاسية لعام 2016. وتعهد بأن تكون “القومية الاقتصادية” هي العنوان الرئيسي لسياساته الاقتصادية، التي اختار لها شعار “أمريكا أولاً”. وفي تقدير ترامب، فإن “الإجراءات الحمائية ستؤدي إلى ازدهار وقوة بلاده”، خاصة مع وجود قناعة راسخة لديه بأن حرية التجارة سمحت بسرقة المنتجات والشركات والوظائف الأمريكية)9.)

ويبدو أن فرض الرسوم الجديدة مبررة بالنسبة لترامب، لاسيما وأن إنتاج صناعة الحديد والألمنيوم في الولايات المتحدة شهد تراجعاً كبيراً خلال السنوات الماضية. فخلال الفترة من 2000 وحتى 2017، تراجع إنتاج الولايات المتحدة من الحديد من 112 مليون طن، إلى 81.7 مليون طن، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نصيبها من الإنتاج العالمي للحديد من 12% إلى 4.8% خلال الفترة المذكورة)10(. كما تراجع إنتاج الولايات المتحدة من الألمنيوم خلال الفترة نفسها من 3.7 مليون طن متري إلى 740 ألف طن متري، الأمر الذي تسبب في انخفاض نصيبها من الإنتاج العالمي للمعدن من 15% إلى 1.2% على مدار الفترة نفسها)11.) 2- تقليل العجز في الميزان التجاري: يرى ترامب أن الصين تحقق فائضاً تجارياً هائلاً في مواجهة واشنطن من خلال علاقات تجارية غير عادلة. ولذلك تسعى إدارته إلى تقليص العجز في الميزان التجاري والبالغ 376 مليار دولار في عام 2017 لصالح الصين إلى 100 مليار دولار)12(، إذ تصدر الولايات المتحدة منتجات بحوالي 130 مليار دولار إلى الصين، في حين أن الأولى تستورد من بكين منتجات تقدر قيمتها بحوالي 506 مليارات دولار)13.) 3- حماية الأمن القومي الأمريكي: تمثل أحد المبررات التي أطلقها ترامب لتبرير سياسته الحمائية هي حماية الأمن القومي الأمريكي، فقد أكد أن “هذه المعادن )في إشارة إلى الحديد والألمنيوم( تمثل حجر الأساس لقاعدة صناعتنا العسكرية”) 14 .)

ويبدو أن ترامب يتعلل باعتبارات الأمن القومي ليجد المسوغات القانونية اللازمة لتمرير قراراته الاقتصادية، سواء داخلياً، أو على المستوى الدولي، إذ إن الفصل 232 من قانون “توسيع التجارة الأمريكية” لعام 1962، والمعروف ببند التحقيقات، والذي يعطي للرئيس صلاحيات فرض قيود على الواردات لأسباب تتعلق بالأمن القومي)15(، إذا ما أجرت وزارة التجارة الأمريكية تحقيقات، وخلصت إلى أن هذه الواردات أضعفت الأمن القومي الأمريكي، وهي النتيجة التي توصلت إليها الوزارة فعلاً فيما يتعلق بواردات الحديد والألمنيوم في مطلع عام 16( 2018.)

ومن جهة ثانية، تسمح منظمة التجارة العالمية في اتفاقاتها المتعلقة بالتجارة في السلع والخدمات والتجارة المتعلقة بالملكية الفكرية بتعليق امتيازات عن دولة عضو

في حالات محددة، تتعلق بالأمن القومي، وذلك وفقاً للمادة ال21 والمادة 14 مكرر من اتفاق الجات، والمعروف باسم الاستثناءات الأمنية)17.) 4- مواجهة الحمائية الصينية: يقدر متوسط الجمارك التي تقوم الصين بفرضها على البضائع الأمريكية بأكثر من ثلاثة أضعاف الجمارك الأمريكية على الواردات الصينية، وقد عبّر ترامب عن هذا الوضع في إحدى تغريداته، إذ أكد أنه عندما يتم إرسال سيارة من الصين إلى الولايات المتحدة، يتم فرض ضرائب تقدر بحوالي 2.5% من قيمتها، في حين تفرض الصين جمارك على السيارات الأمريكية المستوردة تقدر بحوالي 25.%

وبالإضافة إلى الجمارك، تلجأ الصين إلى فرض بعض القيود غير الكمية على التجارة، ومن ذلك رفض السماح للشركات الأمريكية بالعمل في السوق الصينية من دون شريك محلي، أو اشتراط قيام الشركات الأجنبية بنقل التكنولوجيا. ويزداد اعتماد الصين على هذه الآليات خاصة مع خطتها “صنع في الصين 2025‪(، 18 (”‬والتي تهدف إلى تحويل الصين إلى مركز التكنولوجيا في العالم للعديد من الصناعات المتقدمة من الفضاء إلى الاتصالات والروبوتات والسيارات الكهربائية، وهو ما يثير المخاوف الأمريكية.

ثالثاً: ردود فعل ال�سركاء التجاريين

فور إعلان ترامب قراره بفرض الرسوم الجديدة أعلنت الصين وكندا واليابان المكسيك، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي، قرارات مضادة، ما أذن باشتعال حرب تجارية عالمية، ويمكن توضيح أهم هذه المواقف في التالي: 1- فرض رسوم انتقامية: فرضت بكين رسوماً مضادة على الواردات الصينية من الولايات المتحدة، شملت رسوماً بنسبة 25% على واردات لحوم الخنزير، و15% على واردات أنابيب الصلب ومنتجات أخرى. كما فرضت رسوماً جمركية بنسبة 15% على 128 منتجاً أمريكياً، ورسوماً بنسبة 25% على 106 منتج أمريكي. وقدرت وزارة التجارة الصينية قيمة المنتجات الأمريكية المستهدفة بهذه الرسوم الجمركية بحوالي 50 مليار دولار)19.)

وقام الاتحاد الأوروبي بفرض وتطبيق رسوم جمركية جديدة على قائمة من السلع الأمريكية، بدءاً من 22 يونيو 2018، بقيمة تبلغ 4.5 مليار دولار)20(. كما اتخذت كندا خطوات انتقامية مماثلة ضد الولايات المتحدة، إذ فرضت الحكومة الكندية رسوماً جمركية على صادرات أمريكية إليها بقيمة 12.8 مليار دولار)21(. وأعلنت الحكومة اليابانية نيتها فرض رسوم على صادرات أمريكية تبلغ قيمتها 409 ملايين دولار)22(. وفرضت الحكومة المكسيكية رسوماً جمركية تتراوح بين 20% و25% على مجموعة من السلع المستوردة إلى أسواقها من الولايات المتحدة)23.) 2- التقدم بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية: تقدمت بعض الأطراف المتضررة من الرسوم الأمريكية بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية، ومن ذلك قيام المفوضية الأوروبية بشكوى واشنطن إلى المنظمة فيما يتعلق بالرسوم التي فرضتها على واردات الحديد والألمنيوم الأوروبية)24(. وتقدمت كندا بشكوى مماثلة، وذلك نظراً لإخلالها بقواعد منظمة التجارة العالمية واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. 3- التوصل إلى حل وسط: قامت كوريا الجنوبية بإعادة التفاوض مع واشنطن على اتفاق التجارة الحرة الموقع بين البلدين، وتوصلت في النهاية إلى اتفاق تم بموجبه خفض صادرات كوريا الجنوبية من الصلب إلى الولايات المتحدة بنسبة 30% عن متوسط السنوات الثلاث الأخيرة مقابل أن تلقى إعفاء لأجل غير مسمى من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصلب. وفي المقابل، فإن شركات صناعة السيارات الأمريكية ستكون قادرة على جلب ما يصل إلى 50 ألف سيارة لكل شركة سنوياً إلى كوريا الجنوبية تلبي معايير السلامة الأمريكية، وذلك ارتفاعاً من 25 ألف سيارة في السابق)25.)

وقد دخلت كل من واشنطن وبكين في مفاوضات تجارية منتصف مايو 2018، وتعهدت بكين بتقليل العجز في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة بحوالي 200 مليار دولار أمريكي، وذلك لتجنب الدخول في حرب تجارية مع الولايات المتحدة)26(، غير أن الإدارة الأمريكية وجدت أن التنازلات الصينية غير كافية.

رابعاً: ال�سيناريوهات الم�ستقبلية

في ظل هذه الظروف، لا يمكن إنكار أن هناك حرباً تجارية تدور رحاها حول العالم حالياً، وتبدو قدرة الولايات المتحدة على التمادي في حربها التجارية ضد شركائها التجاريين عاملاً فاصلاً فيما يتعلق بمستقبل هذه الحرب، التي قد تتبنى أحد السيناريوهين التاليين، وهما: 1- السيناريو الأول: استمرار الحرب التجارية، خاصة في ضوء تأكيد ترامب في أكثر من مناسبة قبوله لفكرة الحرب التجارية، ووصفها بأنها “جيدة ومن السهل كسبها”. وعلى سبيل المثال، فإنه على الرغم من أن المفوضية الأوروبية ذكرت لدى إعلانها الإجراءات الانتقامية ضد الولايات المتحدة أنه “إذا ألغت الولايات المتحدة رسومها الجمركية فسيتم أيضاً إلغاء الإجراءات الأوروبية)27(. فإن ترامب قام بالتصعيد، وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 20% على السيارات المستوردة من الاتحاد الأوروبي)28.)

وينذر هذا السيناريو ب “إعاقة التدفقات التجارية، ويعرض الاقتصاد العالمي للخطر، في وقت كان فيه الانتعاش الاقتصادي، على الرغم من هشاشته، واضحاً بشكل متزايد حول العالم”)29(، وفقاً للمدير العام لمنظمة التجارة الدولية “روبرتو أزيفيدو”، كما أكد صندوق النقد الدولي خلال تصريحات لمديرته كريستين لاغارد، أنه يخشى من “تصعيد متبادل للثأر التجاري”)30(. فضلاً عن اتباع دول أخرى سياسات ترامب، وفرضها قيوداً تجارية صارمة، بحجة الدفاع عن أمنها القومي)31.)

2- السيناريو الثاني: تراجع الولايات المتحدة عن فرض الجمارك على الواردات، ويتمثل أحد العوامل التي قد تدفع في هذا الاتجاه في التأثيرات السلبية لمثل هذه الجمارك على الاقتصاد الأمريكي ذاته، فقد حذرت العديد من الشركات الأمريكية، على سبيل المثال، من أن الرسوم الجمركية على الحديد والألمنيوم ترفع تكلفة مدخلات الإنتاج في العديد من الصناعات التحويلية الأمريكية، لاسيما أن الولايات المتحدة تستورد 32.6% من إجمالي استهلاكها من الحديد، البالغ 106.2 مليون طن متري سنوياً)32(. كما أنها تستورد نحو 90% من احتياجاتها من الألمنيوم الخام، بما يساوي 7.5 مليون طن سنوياً)33(. ومن ثم فإن الرسوم الجديدة تؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات الأمريكية، الأمر الذي يضعف من تنافسيتها في مواجهة المنتجات المماثلة في الدول الأخرى) .) يضاف إلى ذلك، أن الإجراءات الجمركية الانتقامية التي أقدمت عليها الدول الأخرى، رداً على قرار ترامب، من خلال فرض رسوم جمركية جديدة على المنتجات الأمريكية، ستطال صادرات أمريكية تزيد قيمتها عن نحو 70 مليار دولار.

وختاماً، يمكن القول إن السيناريو الأول هو الأقرب للحدوث، ولذا فمن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من التصعيد في الحرب التجارية العالمية، خاصة في ظل استعداد الدول الأخرى لخوضها، واحتمالية انضمام دول أخرى لها، وهو الأمر الذي قد ينذر بانهيار شامل في النظام الاقتصادي العالمي.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.