مجتمعات الخوف:

تصاعد تداعيات الاضطرابات الاجتماعية في العالم

Trending Events - - تحليلات المستقبل - هالة الحفناوي رئيس وحدة التحولات المجتمعية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

يرجع انتشار ظاهرة ”مجتمعات الخوف“إلى تردي الأوضاع الاقتصادية وتآكل الطبقة الوسطى نتيجة لاندثار مسارات الحراك الإجتماعي، وهو ما يؤدي لانتشار اتجاهات الصمت والعزوف السياسي في بعض المجتمعات أو التطرف والعدوانية في مجتمعات أخرى، في ظل مشهد اجتماعي يحكمه الاضطراب والفوضى.

اأولاً: ظهور «مجتمعات الخوف»

لا يعد مفهوم "مجتمعات الخوف" Societies( ‪of Fear‬ ) مصطلحاً جديداً، إذ استخدم في فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بينهما، للتعبير عن حال المجتمعات الغربية آنذاك، والتي شهدت تحولات راديكالية. وكان في صدارة الكتَّاب الذين تناولوا هذه الظاهرة بالدراسة "ثيودور جيجر" Theodor( Geiger،) وذلك في معرض تحليله للمجتمع الألماني، خلال ثلاثينيات القرن الماضي التي شهدت تراجع الأوضاع الاقتصادية، نتيجة للعقوبات التي فرضها الحلفاء المنتصرون في الحرب على ألمانيا والمشكلات الاقتصادية مثل البطالة والتضخم.

وقد وصف ثيودور المجتمع الألماني حينها بأنه "مجتمع يحكمه الخوف"، ولم يقصد بالخوف هنا القلق من القتل أو فقدان أحد الأقارب في الحرب، بل الخوف من النزوح، وفقدان المكانة، والتعرض للإهانة)1.)

وترجع هذه المخاوف إلى اختلال النظام الاجتماعي وتدهور الوضع الاقتصادي، فصعود طبقات اجتماعية "جديدة" وانهيار أخرى لم يكن أمراً سلساً نتيجة لشعور الجميع بالتهديد من اختلال المكانة، وينطبق ذلك أيضاً على المجتمعات التي شهدت وضعاً مماثلاً، خاصة الولايات المتحدة أثناء فترة الكساد الأعظم 1939(، - )1929 وما ترتب عليها من ارتفاع معدلات البطالة.

ويدخل القلق المجتمعي ضمن "الانفعالات الجمعية"، وهي خبرات عاطفية تتشارك فيها فئة اجتماعية أو المجتمع بأكمله)2(، ومن بينها انفعالات الخوف والغضب، وهما متشابهان وكثيراً ما يكونان متلازمين، غير أن الغضب يتصاعد عندما يحدد المجتمع "مصدر" التهديد بقدر كافٍ من الوضوح والتأكد، بينما يظل المجتمع في حالة الخوف أو القلق الشديد بسبب حالة اللايقين التي يصعب معها تحديد مصدر "التهديد")3(. ويصعب في كثير من الأحيان الفصل بين الحالتين.

ثانياً: رهبة ال�سقوط من الطبقة الو�سطى

ارتبط الخوف بدرجة كبيرة في المجتمعات بالطبقة الوسطى، وعلى الرغم من اختلاف مفهوم الطبقة الوسطى وتباين محدداتها من دولة لأخرى، فإنها بلا شك تمثل الأكثرية

في معظم المجتمعات، إذ يشير أحد الباحثين إلى أن الطبقة الوسطى تمثل 42% من إجمالي سكان العالم. ويحدد البنك الدولي شريحة واسعة من الدخل اليومي لوصف الطبقة الوسطى، فالمنتمون إليها عادة ما يحصلون على ما يتراوح بين 11 و110 دولارات في اليوم)4.)

ولا تقتصر معايير التصنيف الطبقي على الدخل فقط، فالطبقة الوسطى تكونت بسبب عوامل ثقافية وأيدولوجية بالأساس. وفي هذا الإطار يشير عالم الاجتماع الإسباني "إستيبان إيرنانديث" في كتابه "نهاية الطبقة الوسطى" إلى أن "الخوف" الذي ينتشر بين المنتمين لهذه الطبقة لا يرجع فحسب إلى تقلبات وأزمات المجتمع، بل هو ناتج عن القلق من عدم امتلاكها الفهم الكافي للتعامل مع الوضع الحالي، فقناعتها وأسلوب حياتها الذي طالما وفر لها حياة مستقرة لم يعد يجدي نفعاً في ظل الواقع الجديد، ولا تملك حاليا البديل الذي يضمن لها استمرار مكانتها.

فمنذ نشأة هذه الطبقة مع بداية القرن الماضي حتى الآن، كانت تظن أن مستقبلها، ومستقبل الأجيال القادمة مطمئن وآمن، ما دامت تؤدي واجبها في سياق النظام. كما كانت تعتقد أن من شأن الفرد أن يضمن نجاحه وقدرته على الحراك الاجتماعي، طالما اجتهد في تكوينه الدراسي وفي تنفيذ مهمته واحترم قوانين المجتمع)(5 إلا أن هذه القواعد قد تعرضت للاهتزاز تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والأمنية وعدم وضوح القواعد الحاكمة للنظام الجديد حتى الآن.

وعلى مستوى آخر، تخلت الدولة القومية عن كثير من أدورها وتراجعت عن دعم العديد من الخدمات التي انخفضت جودتها بصورة ملحوظة، ومن ثم ارتفعت تكلفة الاستمرار داخل إطار هذه الطبقة. ووفقاً لنتائج الدورة الرابعة من الباروميتر العربي، يشعر حوالي 96% من شملهم الاستطلاع بالقلق الشديد من عدم القدرة على توفير تعليم جيد للأبناء، وتبلغ هذه النسبة 88% في مصر، و87% في الجزائر و61% في الأردن)6.)

ثالثاً: اأ�سباب ت�ساعد «قلق المجتمعات»

لا تقتصر المخاوف سالفة الذكر على التعليم فقط وإنما تمتد إلى مختلف الخدمات العامة ومسارات الحراك الاجتماعي، مما يزيد من احتمالات السقوط من الطبقة الوسطى إذا لم يتمكن المنتمون إليها من استحداث بدائل غير تقليدية للتكيف مع التحولات الراهنة، وفي هذا الصدد توجد مجموعة من العوامل التي أسهمت في تصاعد ظاهرة المجتمعات القلقة، يتمثل أهمها فيما يلي: 1- تأثيرات التراجع الاقتصادي: أدى التراجع الاقتصادي في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي عقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، إلى ظهور "مجتمعات الخوف"، خاصة أنها لم تستطع التعافي من آثارها بشكل كامل حتى مع تبني بعضها سياسات الرفاه الاجتماعي.

ويتصل ذلك بفقدان الملايين من المواطنين وظائفهم في إطار سياسات التقشف وخفض الميزانيات، وهو ما ترتب عليه إقدام بعضهم على ترك منازلهم لعدم استطاعتهم دفع الإيجارات الشهرية، ومن ثم هددت الأزمات نمط معيشتهم)7.)

ويضاف إلى ذلك امتداد تداعيات أزمات الشرق الأوسط إلى المجتمعات الغربية، كما في ارتفاع موجات اللجوء والهجرة، فضلاً عن تكرار الحوادث الإرهابية وهو ما مثّل سبباً لتنامي الشعور بالتهديد وانعدام الأمن)8.)

ومن جهة أخرى، فإن تعثر الأوضاع الاقتصادية في دول الثورات العربية، مثل مصر وتونس، قد أدى لانتقال ظاهرة مجتمعات الخوف إليها في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية وتصاعد التهديدات الأمنية، خاصة أنشطة التنظيمات الإرهابية. 2- تفاقم الصراعات الداخلية: يرجع انتشار ظاهرة "مجتمعات الخوف" في المنطقة العربية إلى ما صاحب الثورات العربية من انهيار لبعض الحكومات وتفجر للصراعات الأهلية وتراجع سيطرة بعض الدول على أقاليمها وصعود التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة.

ولقد أدى ذلك إلى هيمنة حالة من الخوف والقلق على هذه المجتمعات، واقترن ذلك بالشك في قدرة مؤسسات الدولة على استعادة الاستقرار، وتراجع منظومة القيم والمبادئ والثوابت المجتمعية مثل تآكل قيم الكفاءة كأساس للترقي المجتمعي.

رابعاً: تداعيات انت�سار الخوف

تؤثر حالة القلق على توجهات المواطنين، حيث تحد من

قدرتهم على وضع الأمور في نصابها، وتقدير المواقف بصورة عقلانية بسبب الضغوط التي يفرضها "الخوف" المستمر والتوتر المزمن، وفي هذا الصدد تتمثل أهم اتجاهات التعامل مع الخوف من قبل المجتمعات في التالي: 1- الصمت السياسي: تسود بعض المجتمعات العربية حالة من "الصمت النسبي" على الرغم من عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية أو ظهور مؤشرات حقيقية على إمكانية تحقيق مستقبل أفضل، إذ تؤكد بعض التحليلات انصراف المجتمع عن المشاركة السياسية في أوقات الأزمات.

وفي واقع الأمر، لا يمكن اعتبار هذا الصمت انصرافاً تاماً عن المشهد، بل هو موقف برجماتي بالأساس من قبل مجتمعات يسيطر عليها الخوف، وما زالت تبلور خياراتها لمواجهة التحولات المعقدة. وتكمن خطورة استمرار هذا الوضع في احتمالات سوء تقدير متخذي القرار لهذه الحالة واعتبارها تمثل تأييداً لسياساتهم، وهو ما قد يساهم في تزايد الفجوة بين الشعوب والحكومات، مما ينذر بتفجر الاضطرابات المجتمعية. 2- الاتجاه إلى التطرف: على نقيض المجتمعات العربية، تتفاعل المجتمعات الغربية مع الخوف من خلال الاتجاه إلى المشاركة في العملية السياسية، إذ كشفت الانتخابات التي أجريت في عدد من هذه الدول عن جنوح هذه المجتمعات نحو التطرف وتبني خيارات غير متوقعة، كما في التصويت في بريطانيا لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقد وصفت "إنديربال جريوال" هذه الحقبة بمسمى "الليبرالية الجديدة المتقدمة" ‪Advanced Neoliberalism(‬ ) في كتابها "حماية الدولة الأمنية: المواطن الاستثنائي في أمريكا القرن الواحد والعشرين"، والتي تعني عسكرة الحياة في المجتمعات الغربية من خلال التركيز على التهديدات الأمنية، ومن ثم إعادة إنتاج "مواطنين استثنائيين" يتشكلون من بين صفوف المحافظين المسيحيين البيض، الذين يأخذون على عاتقهم الدفاع عن الدولة من خلال دعم السياسيين اليمينيين لحماية الدولة من "المتطرفين الآخرين")9.)

وفي ظل انتشار الخوف، تميل المجتمعات إلى تبني تفسيرات مختزلة عن الواقع. ومن ثم يتجهون إلى تضخيم الأزمات، وإلقاء اللوم على الآخر، فمثلاً يتم تحميل المهاجرين أو اللاجئين مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، كما أنهم قد ينزعون إلى تقديم حلول راديكالية، مثل القول بضرورة إسقاط النظم القائمة واستبدالها بنظم آخرى.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم أسباب تصاعد شعبية تيارات اليمين المتطرف، التي تميل إلى إلقاء التهم على الآخر المختلف ثقافياً، وتقديم حلول جذرية من خلال تبني سياسات حدية، مثل طرد اللاجئين والمهاجرين.

ويعني ذلك أن صعود الأحزاب اليمينية الضعيفة نسبياً وقدرتها على النجاح في أوقات الأزمات، لا يعود إلى ثقة المجتمعات في قدرة تلك الأحزاب على تحقيق إنجازات اقتصادية، بل لأنها استطاعت مشاركة المواطنين في مخاوفهم وتمكنت من إثبات أنها لا تنتمي للهيكل السياسي والاقتصادي القائم، بل أنها على الطرف النقيض منه)10.)

وقد أكدت العديد من التحليلات ذلك ضمن تفسيرات صعود الرئيس ترامب الذي لم يتردد في التعبير عن مواقفه المتطرفة أثناء حملته الانتخابية، وفي صدارة هذه التفسيرات ما نشرته صحيفة الجارديان في إحدى مقالتها في مايو 2018 بأن الغضب أصبح السمة الأساسية للمجتمع الأمريكي، الذي انتخب "الرئيس الغاضب والمتطرف"، ولن يتوقف هذا السيل من الغضب، والذهاب إلى المنطق ما لم يشعر المجتمع بالأمان والطمأنينة الكافية)11.)

ولقد أشارت العديد من استطلاعات الرأي العام على مدار سنوات إلى تخوف المجتمع الأمريكي من تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية وانتشار قوة العمل "الرخيصة" في سوق العمل، التي أصبحت تنافس المواطن الأمريكي، ومن ثم مثلت قرارات إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بفتح باب التجنس أمام المهاجرين غير الشرعيين نقطة التحول من القلق إلى الغضب في المجتمع)12(، مما أدى لانتشار اتجاهات التحريض والكراهية ضد المهاجرين، خاصة من ذوي الأصول الإسلامية والعربية.

وبالمنطق نفسه استطاعت الأحزاب اليمينية في أوروبا الصعود على الرغم من قيم الليبرالية التي يؤمن بها المجتمع الأوروبي، التي لم تصمد أمام الخوف الشديد من موجات اللجوء التي تهدد الهوية الغربية كما يتم تصويرها، ومخاطر التعرض للأحداث الإرهابية، فضلاً عن المنافسة في سوق العمل، وهو ما كان في صالح الرموز الشعبوية ومناهضي الليبرالية. 3- استغلال الفوضى: تفرز التحولات الكبرى فرصاً لصعود طبقة اجتماعية جديدة بقيم ومهارات مختلفة عن تلك التي كانت سائدة، ففي فترات الأزمات يظهر بعض الأفراد القادرين على استغلال ما يوفره الوضع القائم بعيداً عن اتجاهات القلق والغضب التي تهيمن على المجتمع.

ويعرف رالف داهريندورف ‪Ralf Dahrendorf(‬ ) هؤلاء الأفراد بمسمى "الطبقة العالمية الجديدة" New( ‪Global Class‬ ،) ويتمتعون بثلاث سمات أساسية هي: المنافسة Competency() وشبكة علاقات Contacts() – والمفاهيم Concepts() وهو ما يطلق عليه رالف )3 .)Cs

ويتميز المنتمون للطبقة الجديدة بالقدرة على رؤية الفرص في المشهد الفوضوي القائم، كما أنهم لا يجدون حرجاً من انتهاز الفرص التي تسنح نتيجة انهيار النظام، في ظل قدرتهم على الابتكار والإبداع والاستفادة من معطيات التكنولوجيا، لإيجاد بدائل للحراك الاجتماعي في ظل العولمة الاقتصادية والاجتماعية وتوفير منافذ للطبقة الوسطى لتجنب الانهيار والتصدع.

وتشمل الطبقة الجديدة الأفراد المبادرين بإنشاء

المشروعات الابتكارية، ومؤسسي مواقع الشراء والبيع الإلكتروني، وشركات الاستشارات الصغيرة والمشاركين في الاقتصاد الرقمي، وملاك شركات التسويق والتسويق الإلكتروني وغيرها من المجالات والمسارات)13(. فهؤلاء الشباب الذين ينتمون للطبقة الوسطى "القديمة" هم النواة للطبقة الوسطى الجديدة التي سوف تشكل ملامح المجتمع إذا استطاع تجاوز الأزمة.

خام�ساً: �سيا�سات اإدارة «خوف المجتمعات»

على الرغم من كون الخوف من الانفعالات التي تبدو سلبية في المطلق، فإن الدول عادة ما تقوم بتطوير آليات وسياسات لإدارة الخوف وعادة ما تتباين المسارات التي تتبعها هذه الدول بين مسارين رئيسيين: 1- سياسات الخوف ‪:)Politics of Fear(‬ يقصد بذلك التعظيم من مخاوف المجتمعات لإحكام السيطرة عليها، حيث أشارت صحيفة واشنطن بوست في أبريل 2018 إلى أن ترامب دائماً ما يغذي مخاوف الشعب الأمريكي، في مقابل اتجاه سابقيه من الرؤساء الأمريكيين كافة لبث الأمل والطمأنينة في خطاباتهم للمواطنين.

واعتبرت الصحيفة هذا الاتجاه طبيعياً، لارتباطه بدوافع اختياره للقضاء على التهديدات المُتخيلة أو خلق غيرها للاستمرار في السلطة)14(، وينطبق الأمر ذاته على أحزاب اليمين المتطرف بأوروبا التي تتفانى في صياغة قصص زائفة في غالبيتها عن المهاجرين باعتبارها الطريقة الوحيدة التي تضمن استمرارهم، فإذا عاد المجتمع لحالة الهدوء والطمأنينة والعقلانية فلن تجد هذه الأحزاب لنفسها مكاناً في المشهد السياسي. 2- خطاب الأمل: يتطلب "خطاب الأمل" وجود قيادة رشيدة، تتمتع بالحكمة، والقدرة على وضع سياسات صعبة، تكفل إخراج المجتمع من أزماته الراهنة، ولعل النموذج الواضح في هذا الإطار هو سياسات الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الذي استطاع قيادة الشعب الأمريكي لتجاوز فترة الكساد الاقتصادي وتخطي فترة الحرب العالمية.

وعمد روزفلت إلى رفع الروح المعنوية للشعب الأمريكي من خلال خطاباته التي اعترف خلالها بانتشار مشاعر الخوف في المجتمع، كاشفاً مسارات تحويل الشعور بالخوف والتهديد الوجودي إلى طاقة للبناء والعمل في إطار مجموعة السياسات المالية التي نفذها آنذاك.

وقد كان روزفلت مدركاً لتأثيرات الخوف السلبية، فقد أكد في أحد خطاباته، "أن الشيء الوحيد الذي يجب أن نخشى منه هو انتشار الخوف نفسه" لأنه يبعد الفرد عن التقدير الصحيح للأمور فلا يتمكن من رؤية الإمكانيات الموجودة في المجتمع التي يمكن الاعتماد عليها للخروج من الأزمة، كما يدفع الخوف الأغلبية إلى الوقوع في دوامة الصمت بسبب ثقل وطأة الخوف على الأفراد وهو ما يؤدي لاحقاً إلى تفجر الاضطرابات في المجتمع، وهو ما يعني ضرورة استيعاب الدول لمخاوف المجتمعات وعدم إنكارها أو التصادم معها. 3- نموذج دولة الرفاهية: قامت الدول الغربية بتطوير سياسات الرفاه الاجتماعي في ظل الأزمات التي صاحبت الحرب العالمية الثانية بهدف طمأنة المواطنين وتحجيم مخاوفهم من الاضطرابات الاجتماعية من خلال دعم غير القادرين والذين فقدوا وظائفهم وكبار السن وتوفير فرص العمل وإتاحة التعليم لأبناء الأسر الفقيرة وغيرها من الخدمات العامة التي استهدفت مكافحة الفقر والاستبعاد الاجتماعي والتصدي لانتشار "الخوف")15.)

ختاماً، تمكنت مجتمعات الرفاه الاجتماعي من بناء مواطنة قائمة على الثقة والاطمئنان والتمكين، ورسم مسارات واضحة للحراك الاجتماعي، فكل من بذل جهداً واستثمر في ذاته وحصل على قدر وافٍ من التعليم يكون له مكان مميز في المجتمع، فلا مجال للخلفيات العرقية أو الطبقية فقط معايير الإرادة والرغبة والالتزام، إلا أن تأثير هذه السياسات قد تراجع بسبب التغير في طبيعة دور الدولة في المجتمعات الغربية مما أدى لعودة الشعور بالقلق والخوف من المستقبل.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.