انقلاب تدريجي:

تراجع الحكومة البوروندية عن اتفاق أروشا للسلام

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - سانتو شول باحث متخصص في وسط أفريقيا، مركز كوش للدراسات الأفريقية

شهدت بوروندي بدءاً من عام 2014 تصاعداً في حدة التوتر الإثني على خلفية الإجراءات التي اتخذها "بيير نكورونزيزا" ، الرئيس البوروندي، لتعديل الدستور للسماح له بالترشح للانتخابات الرئاسية من دون تقيد بفترتين رئاسيتين، فضلًا عن تهميش إثنية التوتسي في مؤسسات الدولة من خلال تعديل الفقرات المتعلقة بتقاسم السلطة، وذلك بالمخالفة لاتفاقات السلام الموقعة في أروشا في عامي 2000 و2014، والتي أنهت ما يزيد على 11 سنة من الحرب الأهلية.

وتسعى هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على بدايات الأزمة الراهنة، والتي يعود تاريخها إلى منتصف عام 2014، والإشارة إلى أبرز الفقرات التي تم تعديلها في الدستور البوروندي، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذها نكورونزيزا لفرض إرادته في مواجهة المعارضة الداخلية، والدول الأفريقية والقوى الدولية المعنية.

اأولاً: توتر داخلي ممتد

عانت بوروندي اضطرابات متقطعة منذ أبريل 2015، عندما قرر الرئيس البوروندي "بيير نكورونزيزا" الترشح لولاية رئاسية ثانية، في خطوة اعتبرتها المعارضة مخالفة ل "اتفاق أروشا للسلام والمصالحة"، الموقع في أغسطس 2004، والذي أنهى حرباً امتدت منذ عام 1993، وحتى عام 1( 2005(، ما بين أقلية التوتسي الحاكمة )15% من إجمالي سكان البلاد(، وقبائل الهوتو )85%(، وذلك بسبب سيطرة قبائل التوتسي على 85% من المناصب الحكومية، وهيمنتها على المؤسسات الأمنية في البلاد.

وقد نص اتفاق السلام على آليات لتقاسم السلطة ما بين العرقيتين، فقد أعطى الهوتو 60% من الحقائب الوزارية والمقاعد البرلمانية، في حين أن التوتسي حصلوا على 40% منها، كما أن الرئيس ينتمي إلى الهوتو، ولديه نائبان، أحدهما

ينتمي إلى إثنية التوتسي والآخر إلى الهوتو. وامتدت آليات المحاصصة الإثنية كذلك إلى الجيش والشرطة والاستخبارات، و المناصب الدبلوماسية والقضائية كافة)2(. وقد سمح اتفاق السلام بدمج عناصر من المتمردين )المنتمين إلى إثنية الهوتو( في الجيش البوروندي)3.)

وشهدت الأوضاع الداخلية احتقاناً متزايداً في أوائل عام 2014، وذلك ارتباطاً بالإجراءات التي اتخذها "نكورونزيزا"، وأدت إلى تقويض اتفاق السلام تدريجياً، والتي بدأت بتهميش حزب "أبرونا"، الممثل الرئيسي لأقلية التوتسي، والمشارك في الحكومة البوروندية، وفقاً لاتفاق السلام، وهو ما دفع الأخير إلى الانسحاب من الحكومة في فبراير 2014، ثم أعلن نكورونزيزا نيته للترشح لفترة رئاسية ثالثة في عام 2015، وهو ما زاد من العنف الإثني في البلاد.

وقد دفع قرار المحكمة الدستورية البوروندية في 5 مايو بأحقية نكورونزيزا بالترشح للانتخابات الرئاسية إلى قيام الميجور جنرال جوديفرويد نيومباري، رئيس أركان الجيش البوروندي السابق، ووزير الدفاع السابق سيريل ندايروكاي، في 13 مايو بقيادة انقلاب فاشل ضد الرئيس البوروندي، غير أن قوات الجيش رفضت مساندة الانقلاب، وقاومت هذه المحاولة، مما أدى إلى فشلها في النهاية.

وأعقب محاولة الانقلاب الفاشلة إطلاق الحكومة يد الميليشيات الموالية لها في القيام بعمليات انتقامية ضد التوتسي، وهو ما دفع الميليشيات الموالية لها إلى الرد، مما أدى إلى عمليات عنف إثني واغتيالات متبادلة بين الجانبين)4.) ففي الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2017، قتل أكثر من 1,200 شخص، واختفى حوالي 900 شخص، في حين تم اعتقال 10 آلاف فرد دون محاكمات، وفر حوالي 400 ألف فرد إلى الدول المجاورة)5.)

ثانياً: اأزمة تعديل الد�ستور

في أعقاب فوز نكورونزيزا بحوالي 69.4% من الأصوات في انتخابات يوليو 2015، المتنازع حول شرعيتها، عمد إلى إحكام سيطرته الأمنية على البلاد، ثم شرع في تعديل الدستور، وهو ما أدى إلى اندلاع الأزمة الحالية، خاصة مع قرار الرئيس البوروندي إدخال تعديل على الدستور من أجل الترشح للانتخابات الرئاسية في عام 2020.

وطرح الرئيس تعديلاته على الاستفتاء في 18 مايو 2018، وهو ما سبب موجة جديدة من العنف في البلاد. ونجحت الحكومة في تعبئة الأفراد للتصويت لصالح الدستور الجديد، حيث صوّت لصالح التعديلات حوالي 73% من الشعب البوروندي، وذلك في الوقت الذي بلغت فيه نسبه المشاركة حوالي 96% ممن يحق لهم الاقتراع، والمقدر عددهم بحوالي 4.7 مليون ناخب)6،) وإن رفضت المعارضة النتائج، نظراً لأنه تم ترهيب المعارضين، وتصفية بعض النشطاء الذين كانوا يدعون الأفراد لرفض التعديلات الدستورية)7(. وقد تمثَّل أبرز التعديلات الدستورية في التالي: 1- زيادة عدد سنوات حكم الرئيس: ألغى التعديل الدستوري حد الفترتين وأطال فترة الرئاسة إلى سبعة أعوام بعد أن كانت خمسة، حيث يتيح التشريع الجديد للرئيس تولي الرئاسة فترتين متتاليتين والترشح أيضاً لفترة ثالثة لكن بعد فترة فاصلة، وهو ما يعني أنه سيكون بمقدور نكورونزيزا البقاء في الحكم حتى 2034، إذ إن فترة رئاسته الحالية تنتهي في عام 2020. 2- تقويض اتفاق تقاسم السلطة: تم تضمين الدستور مواد تسمح بإلغاء تقاسم السلطة في المناصب التنفيذية والتشريعية والقضائية، والتي كانت تمنح الهوتو حوالي 60% من هذه المناصب، والتوتسي 40‪(. 8 (%‬كما تم الاكتفاء بنائب واحد للرئيس بدلاً من اثنين. وعلى الرغم من أن الدستور ينص على أن نائب الرئيس لابد أن ينتمي لإثنية مختلفة عن إثنية الرئيس، فإن الدستور الجديد حد من صلاحيات نائب الرئيس)9(، واستحدث منصب رئيس الوزراء، والذي لا يتمتع بصلاحيات كبيرة، وهو ما يمثل تقويضاً عملياً لاتفاق تقاسم ا لسلطة . 3- إلغاء الكوتا الإثنية في "جهاز الاستخبارات الوطني": تمثل أحد مقررات اتفاق السلام في أن يتم توزيع المناصب في الأجهزة الأمنية )الشرطة – الجيش – الاستخبارات( بين الهوتو والتوتسي، غير أنه في التطبيق العملي شرع الحزب الحاكم بوضع الموالين له من إثنية الهوتو في الشرطة وجهاز الاستخبارات الوطني، وذلك على عكس الجيش، والذي تم تمثيل كلا الإثنيتين فيه)10.) 4- تهميش دور التوتسي في العملية التشريعية: عدلت التعديلات الدستورية الأغلبية اللازمة لتمرير القوانين بالبرلمان من أغلبية الثلثين اللازمة لتمرير مشاريع القوانين الأساسية في البرلمان بأغلبية بسيطة، وهو التعديل الذي همَّش دور التوتسي في إصدار القوانين، وهو ما يعارض اتفاق السلام.

ثالثاً: �سيا�سات حكومية ت�سعيدية

شهدت الأوضاع الداخلية احتقاناً متزايداً في أوائل عام 2014، وذلك ارتباطاً بالإجراءات التي اتخذها "نكورونزيزا"، وأدت إلى تقويض اتفاق السلام تدريجياً، والتي بدأت بتهميش حزب "أبرونا"، الممثل الرئيسي لأقلية التوتسي، والمشارك في الحكومة البوروندية، وفقاً لاتفاق السلام

اعتمد نكورونزيزا عدداً من الآليات التي مكنته من المضي قدماً في تعزيز قبضته على الحكم وتهميش التوتسي، وذلك على الرغم من تصاعد الاحتقان والاستقطاب الداخلي، والرفض الإقليمي والدولي لسياسته. ويمكن إبراز أهمها فيما يلي: -1 التلاعب بالورقة الإثنية: استند نكورونزيزا في محاولته لتمرير تعديلاته الدستورية إلى دعم قبائل الهوتو، الذين يشكلون أغلبية في البلاد )80% من إجمالي سكان البلاد(، وذلك لتعزيز صلاحياته، فضلاً عن تهميش أقلية التوتسي من مؤسسات الدولة السياسية والأمنية، ومن ثم فقد اعتمد الورقة الإثنية من أجل إطالة سيطرته على الحكم حتى 2034، بما ينذر بتنامي الاحتقان الداخلي، وتجدد العنف الإثني من جديد. 2- توظيف المحكمة الدستورية: ساندت المحكمة توجهات الرئيس البوروندي في مسعاه للبقاء في السلطة. فبينما احتجت المعارضة البوروندية على إعلان الرئيس نكورونزيزا نيته الترشح لفترة رئاسية ثالثة، نظراً لأن هذه الخطوة تمثل من وجهة نظرهم انتهاكاً للدستور، الذي يقيد حق الترشح للانتخابات إلى فترتين رئاسيتين، فضلاً عن اتفاقية السلام التي أنهت الحرب الأهلية، فإن المحكمة الدستورية أكدت في 5 مايو 2015 أنه في فترة رئاسته الأولى كان معيناً، ولم يكن منتخباً، ولذلك فإنها لا تحتسب، وبالتالي يصير من حقه الترشح لفترة رئاسية ثالثة من خلال الترشح لانتخابات ثانية) 11 .)

ومن جهة ثانية، أكدت المحكمة أن اتفاق "أروشا للسلام" لا يتمتع بوضع أعلى من الدستور، وبالتالي فقد أفقدت النص الوارد في الاتفاق قيمته الإلزامية، والذي يضع قيداً على حق الرئيس في الترشح لفترتين رئاسيتين فقط)12.) 3- استهداف المعارضة: أكد العديد من ضحايا الصراعات الداخلية في بوروندي أنهم تعرضوا للتعذيب على يد جهازي الاستخبارات الوطنية والشرطة الوطنية في بوروندي، خاصة مع اتهام جهاز الاستخبارات الكثير من أعضاء الأحزاب المعارضة بتهمة التمرد واعتقالهم.

4- استخدام الميليشيات المسلحة: قام النظام الحاكم ببناء ميليشيات مسلحة عرفت باسم "تحالف الشباب" كما عرفت باسم "إمبونراكوري"، والذين تورطوا في قتل وتعذيب وضرب عشرات الأفراد من المعارضة منذ أواخر عام 2016، وذلك دون أن يتعرضوا لأي محاكمة في مؤشر على الدعم الحكومي الذي تتلقاه هذه الميليشيا)13.) 5- تحييد القوى الإقليمية والدولية: كشف مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في ديسمبر 2015 عن نيته نشر خمسة آلاف من قوات حفظ السلام الأفريقية، خاصة مع تدهور الوضع الأمني في البلاد، غير أنه تراجع عن موقفه إزاء تهديد الرئيس البوروندي بمحاربة هذه القوة. وفي أوائل أبريل، اقترح الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون إرسال قوة من 3000 شرطي إلى بوروندي، ولكن نكورونزيزا رد بأنه لن يقبل سوى 20 شرطياً غير مسلحين.

وإقليمياً قام الرئيس البوروندي بمقاومة جهود الوساطة الإقليمية، سواء من قبل الرئيس التنزاني السابق بنجامين مكابا، أو الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. ولم تنجح الجهود الدولية، سواء من جانب الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، في الضغط على الحكومة البوروندية أو دفع جماعات المعارضة والحكومة للتفاوض. 6- تحدي المحكمة الجنائية الدولية: أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في أبريل 2016، أنها بدأت "تقصّياً أولياً" للأوضاع في بوروندي، وذلك لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى القيام بتحقيق كامل، حول مزاعم تورط الحكومة البوروندية في جرائم "القتل والسجن والتعذيب والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، فضلاً عن حالات الاختفاء القسري المزعومة منذ أبريل 2015.

وقد قام نكورونزيزا بالرد على قرار المحكمة من خلال إعلان انسحاب بلاده منها. ولا يعني هذا الانسحاب انتهاء التزامها بالتعاون مع المحكمة بشأن القضايا التي كانت قيد نظر المحكمة قبل ذلك الانسحاب، وفقاً للمادة 127 من النظام الأساسي، غير أن الحكومة البوروندية رفضت اللجنة التي شكلتها المحكمة ولم تسمح لأعضائها بزيارة البلاد، مما اضطرها إلى عقد المقابلات في الدول المجاورة التي فر إليها مئات الآلاف من البورونديين منذ عام 2015.

الخاتمة

على الرغم من الإجراءات التصعيدية التي تبناها نكورونزيزا، فإن الوضع الأمني لا يزال مضطرباً، خاصة مع تحذير "القوات الشعبية البوروندية"، وهي جماعة متمردة مسلحة، من أنها ستصعد من هجماتها للضغط عليه للانضمام إلى محادثات السلام مع المعارضة.

ومن جهة ثانية، ألقت الأزمة السياسية والأمنية بظلالها على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة فعلاً، خاصة مع تصنيف بوروندي بأنها من أفقر ثلاث دول في العالم. فقد ترتب على الأزمة الحالية تراجع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.6% في عام 2016، فضلاً عن تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بحوالي 0.3% خلال عام 2018، كما أن معدل النمو في عام 2019 لا يتوقع أن يتجاوز نسبة 1‪(، 14 (%‬وهو ما قد يؤدي إلى دخول البلاد في أزمة اقتصادية حادة.

وتفرض المعطيات السابقة على الحكومة البوروندية ضرورة انتهاج سياسات مختلفة، والتفاوض مع المعارضة من جديد، خاصة أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بمحاولة الرئيس البوروندي تعزيز صلاحياته، بل ترتبط بمحاولته تغيير دستور البلاد، بما يمكنه من الانقلاب التدريجي على مقررات اتفاق السلام، الذي أنهى سنوات الحرب الأهلية، بل والتهميش التدريجي للتوتسي في مؤسسات الدولية السياسية والأمنية، وهو وضع ينذر باحتمالية تجدد العنف الإثني من جديد، بما يرتبه ذلك من تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وإقليمياً، يتوقع أن تنعكس تداعيات الأزمة البوروندية على دول الجوار، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات التي ستشهدها جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا المجاورتين لبوروندي، وترشح كل من الرئيس الكونغولي "جوزيف كابيلا" والرئيس الرواندي "بول كاغامي" لولاية إضافية غير شرعية، مما يهدد باندلاع عنف مماثل في الدولتين.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.