تحالف الخصوم:

فرص استمرار الحكومة الجديدة في ماليزيا

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - محمد سنان باحث سياسي بالمركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والارهاب ICPVTR() بسنغافورة

جاءت نتائج الانتخابات الماليزية ال 14 منذ الاستقلال مغايرة لأغلب التوقعات، فقد فاز "تحالف الأمل" بقيادة أنور إبراهيم على حزب "الجبهة الوطنية" الحاكم، والذي تمكن من الفوز بالانتخابات البرلمانية كافة على مدار 61 عاماً منذ الاستقلال)‪(، 1‬ومن ثم فقد مثلت هذه الانتخابات أول تداول سلمي للسلطة من الحكومة إلى المعارضة في تاريخ البلاد.

يسعى هذا التحليل إلى فهم نتائج الانتخابات، وتحليل تداعياتها من خلال الوقوف على العوامل التي ساهمت في فوز تحالف الأمل، وأهم الأحزاب المكونة له، وأبرز التحديات الداخلية التي تواجه الحكومة، خاصة فيما يتعلق بقدرة مهاتير محمد على الحفاظ على تماسك الائتلاف، في ضوء عدم تجانس التحالف، وتشكله من طيف واسع من الأحزاب لا يربط بينها سوى معارضتها للحكومة السابقة.

اأولاً: تحالف مهاتير واأنور

ظهر تحالف الأمل حديثاً في المشهد السياسي الماليزي، وكان أول ظهور له في عام 2015. وتَشَكَلَ هذا التحالف خلفاً لتحالف المعارضة السابق "التحالف الشعبي" الذي خاض انتخابات 2013. ويتألف التحالف من أربعة أحزاب رئيسية هي: حزب العمل الديمقراطي، وحزب عدالة الشعب، وحزب الأمانة الوطنية، وحزب وحدة أبناء الأرض)2.) ويتزعم مهاتير محمد الحزب الأخير، كما لعب دوراً كبيراً في تأسيس التحالف.

واستمرت مسيرة مهاتير السياسية لأكثر من 70 عاماً، وصل فيها إلى سدة الحكم في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما ناضل بقوة من أجل الدفاع عن حقوق

المالايو– سكان ماليزيا الأصليين. وكان ينتمي في السابق إلى المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة. وتدرج في المناصب داخل الحزب، إلى أن تولى رئاسة الوزراء في عام 1981، واستمر في هذا المنصب حتى استقالته في أكتوبر 3( 2003.)

واحتفظ مهاتير بشعبية واسعة على الرغم من استقالته، وكان ناقداً لكل من خلفه من رؤساء الوزراء. وانسحب من المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة في عام 2015، اعتراضاً على الدعم الذي قدمه الحزب لنجيب عبدالرزاق، تلميذه سابقاً ورئيس الوزراء حينها، وذلك على الرغم من تورط الأخير في فضيحة اختلاس أموال من صندوق ماليزيا السيادي، المعروفة باسم "1 – إم دي بي" (1MDB(4(.)

وعاد مهاتير للعمل السياسي من جديد قبيل انتخابات 2018، على الرغم من بلوغة سن 92 عاماً، مؤسساً حزباً سياسياً جديداً عرف باسم "وحدة أبناء الأرض"، والذي نجح في إنشاء "تحالف الأمل" بالتحالف مع عدة أحزاب أخرى. وهدف هذا التحالف إلى الفوز بالانتخابات البرلمانية لعام 2018، وإن عاني تباين الخلفيات الأيديولوجية للأحزاب المتحالفة معه من يسار الوسط إلى يمين الوسط، كما ضم أحزباً إسلامية مثل حزب عدالة الشعب برئاسة أنور إبراهيم، النائب السابق لرئيس الوزراء وحزب الأمانة الوطنية) .)

وفي حين توقع معظم المراقبين إما انتصار "الجبهة الوطنية" أو تساوي الجبهة مع "تحالف الأمل" من حيث عدد المقاعد، تمكّن الأخير من تحقيق مفاجأة تمثلت في الفوز بالانتخابات، حيث حصل على 113 مقعداً من أصل 222 مقعداً في الانتخابات)6.)

وحصل "عدالة الشعب" على 47 مقعداً، وجاء في المرتبة الثانية حزب العمل الديمقراطي بواقع 42 مقعداً، بينما حل حزب مهاتير محمد في المرتبة الثالثة بحصوله على 13 مقعداً، وجاء في المرتبة الأخيرة حزب "الأمانة الوطنية" بواقع 11 مقعداً. ويلاحظ أن كلاً من عدالة الشعب والأمانة الوطنية من الأحزاب التي انشقت عن الحزب الإسلامي الماليزي، القريب من الإخوان المسلمين. وفضل الحزب الإسلامي دخول الانتخابات هذه المرة بصورة مستقلة، بعد أن كان جزءاً من تحالف المعارضة في الانتخابات السابقة، وحصل على 18 مقعداً في انتخابات 7( 2018.)

ويعد أبرز وجوه تحالف الأمل أنور إبراهيم، الذي تدرج في العديد من المناصب الوزارية حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الوزراء، غير أن مهاتير محمد دخل في خصومة شديدة مع أنور قام على أثرها بإقالته من منصبه في عام 1998، وهو ما دفع أنور للعمل على إسقاط حكومة مهاتير، وقاد تظاهرات حاشدة ضدها، وفي المقابل اتهمه مهاتير بالفساد، وحكم عليه بالسجن، كما أنه في عام 2000، أدين بتهمة اللواط، وسجن على أثرها 9 أعوام، وهي تهمة اعتبرت ذات دوافع سياسية.

وعلى الرغم من هذا التاريخ الصراعي بين الرجلين، فإنهما اتفقا في النهاية على التحالف في مواجهة الخصم المشترك، ممثلاً في عبدالرزاق، وأسسا تحالف الأمل، ودعا إبراهيم أنصاره للتصويت لصالح تحالف الأمل، مستنداً في ذلك إلى شعبيته الكبيرة بين أنصار المعارضة. وقد استند التحالف بين الرجلين إلى صفقة سياسية تنص على أن يقوم مهاتير بإصدار عفو ملكي شامل عن إبراهيم، بما يمكنه من ممارسة العمل السياسي من جديد، فضلاً عن تسليم مهاتير منصب رئيس الوزراء إلى إبراهيم بعد عامين من تولي الأول المنصب.

ثانياً: عوامل فوز تحالف الاأمل

ساهمت العديد من العوامل في تمكين تحالف الأمل من حسم الانتخابات البرلمانية لصالحه، ويمكن إيضاح أبرز هذه العوامل على النحو التالي)8:) 1- المشاكل الاقتصادية: استطاع الاقتصاد الماليزي تحقيق طفرة اقتصادية كبيرة خلال فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد، غير أن العديد من المشكلات الاقتصادية بدأت تظهر في عهد رزاق، مما أثار قلق الشعب الماليزي، وكان أبرز هذه المشاكل تراجع قيمة "الرينغيت" العملة الماليزية، وما ترتب عليه من ارتفاع مستوى التضخم)9(، وهو ما اضطر المواطن الماليزي العادي لأن يعمل ساعات أطول ليحصل على ما كان يتقاضاه نفسه قبل بضع سنوات. 2- اتهامات الفساد: صاحب تراجع الأوضاع الاقتصادية اتهام الحكومة الماليزية بالفساد، وطالت هذه الاتهامات رئيس الوزراء نفسه نجيب عبدالرزاق، وكان أبرزها فضيحة "1–إم دي بي"، وهو في الأساس عبارة عن صندوق استثماري أنشئ لتحسين البنية التحتية للبلاد، إلا أن هناك تقارير ظهرت في عام 2015 تكشف عن ذهاب معظم أموال هذا الصندوق لأغراض سياسية، منها رشوة المعارضة، كما تم تحويل مبلغ وقدره 681 مليون دولار من صندوق ماليزيا الحكومي إلى حساب عبدالرزاق الشخصي)10(. وأشارت بعض التقديرات إلى أن حجم الفساد كلف خزانة الدولة حوالي 4.5 مليار دولار، وهو ما أثار الغضب الشعبي ضد حكومة عبدالرزاق. واندلعت عدة احتجاجات شعبية، كما استقال مهاتير محمد من "المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة". واستغلت أحزاب المعارضة هذه الفضيحة باعتبارها دعوة لتوحيد الصفوف بنجاح كبير. 3- المسألة القومية: أثار دخول عبد الرزاق في علاقات اقتصادية قوية مع الصين قلق العديد من الماليزيين، إذ إنه منذ تولي رزاق رئاسة الوزراء في 2009، وماليزيا تدور في فلك الصين، حيث وقع رزاق حوالي 14 مذكرة تفاهم واتفاقية بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 34 مليار دولار، وخصصت هذه الأموال للاستثمار في مشروعات البنية التحتية، في إطار مشروع الحزام والطريق. وقد تولت الشركات الصينية بناء هذه المشروعات الضخمة وتمويلها بقروض صينية، مما فاقم حجم الدين الحكومي الماليزي، كما شابتها شبهات فساد مع تلقي المسؤولين الماليزيين رشى من نظرائهم الصينيين. وقد تعهد مهاتير محمد بمراجعة هذه العقود) 11 .)

ثالثاً: تحديات �سيا�سية واقت�سادية

عاد مهاتير للعمل السياسي من جديد قبيل انتخابات 2018، على الرغم من بلوغة سن 92 عاماً، مؤسساً حزباً سياسياً جديداً عرف باسم "وحدة أبناء الأرض"، وهو الحزب الذي نجح في إنشاء "تحالف الأمل" بالتحالف مع عدة أحزاب أخرى. وهدف هذا التحالف إلى الفوز بالانتخابات البرلمانية لعام .2018

لايزال التحالف الوليد يواجه تحديات كبيرة، على الرغم من نجاحه في الحفاظ على تماسكه وتشكيل الحكومة الماليزية الجديدة، وتتمثل هذه التحديات في التالي: 1- فرص انتقال السلطة من إبراهيم إلى مهاتير: تشكك بعض التحليلات في جدية التزام مهاتير محمد بالاتفاق الذي أبرمه مع إبراهيم، خاصة في ضوء ما اشتهر عنه من مراوغة، فضلاً عن العلاقة المضطربة التي جمعتهما على مدار السنوات الماضية، فكما سبقت الإشارة، فإن إبراهيم كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، غير أنه إبان الأزمة الآسيوية التي وقعت ما بين عامي 1997 و1998، اختلف الرجلان، ودخلا في صراع سياسي مرير)12.)

وعلى الرغم من اتفاق الرجلين، اللذين يتمتعان بكاريزما عالية، على نسيان خلافاتهما، تظل حقيقة أن كلاهما لا يقبل تدخل الآخر في كيفية إدارته لشؤون البلاد)13(. وقد وعد مهاتير بتسليم السلطة لإبراهيم بعد عامين من تشكيل الحكومة الجديدة، غير أن العلاقة التاريخية بين الرجلين أظهرت أنه لا تحالف ولا عداء يدومان، بما يفتح الباب أمام إمكانية نقض مهاتير الاتفاقيات السياسية التي أبرمها.

ويحد عدد من العوامل من إمكانية نكوص مهاتير عن اتفاقه مع إبراهيم، أهمها كبر مهاتير محمد، والذي وصل إلى سن 93 عاماً، فضلاً عن حصول حزب إبراهيم على حوالي ثلاثة أضعاف الأصوات التي حصل عليها حزب مهاتير، وهو ما يجعل أي محاولة من مهاتير لإقصائه تقابل بانسحاب حزب إبراهيم من الائتلاف الحكومي، بما يسقط الحكومة الحالية ويفتح الباب أمام انتخابات مبكرة. 2- بروز الخلافات الإثنية: برزت خلافات بين أعضاء التحالف حول توزيع المناصب الوزارية، ووضح هذا الأمر في اختيار منصب وزير المالية، فقد اقترح مهاتير أن يتولى "ليم جوان إنج"، الأمين العام لحزب العمل الديمقراطي هذا المنصب، غير أن "وان عزيزة وان إسماعيل" نائب رئيس الوزراء، وزوجة أنور إبراهيم، ورئيسة حزب "عدالة الشعب"، قد اعترضت على تولي "ليم" هذا المنصب، نظراً لكونه من أصول صينية، إذ أكدت على ضرورة عدم تولي صيني هذا المنصب)14.)

وكرد فعل على هذه القلاقل، أدلى كل من مهاتير وأنور إبراهيم بتصريحات سريعة من أجل تأكيد وحدة التحالف، إلا أن هذا الحدث سلط الضوء على التحديات التي يحملها تشكيل تحالف من أربعة أطراف ذات أجندات متباينة. 3- التوجه الإسلامي للحكومة الجديدة: ارتبط أنور إبراهيم في بعض مراحل حياته السياسية بالحزب الإسلامي الماليزي، الموالي للإخوان المسلمين، وعلى الرغم من انشقاقه عنه في عام 1981، وانضمامه إلى حزب "المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة" برئاسة مهاتير محمد، غير أنه اشتهر بالتأثر بأفكار حسن البنا، وبطريقة قيادته لتنظيم الإخوان المسلمين في مصر، كما ارتبط بالعديد من الأنشطة الداعمة للإسلاميين، مثل الوساطة بين فصائل المجاهدين المتصارعة في أفغانستان في عام 1993. كما حظى إبراهيم كذلك بدعم يوسف القرضاوي، والذي طلب الإفراج عنه عند زيارته إلى ماليزيا في عام 15( 2009.)

ومن المتوقع أن تعكس الحكومة الماليزية الجديدة هذا القرب من تيار الإخوان المسلمين في ماليزيا، ولعل من المؤشرات الأولية على ذلك تعيين "مازلي مالك"، الموالي لجماعة الإخوان المسلمين، كوزير للتعليم)16.) 4- تراجع الأوضاع الاقتصادية: تؤثر مجموعة أخرى من العوامل على استقرار الحكومة، والتي يأتي في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط، خاصة أن الاقتصاد الماليزي يعتمد اعتماداً كبيراً على استيراد النفط من الخارج، وهو ما يثقل كاهل الحكومة، وقد يجعلها تعجز عن الوفاء بوعود الإصلاح الاقتصادي واستعادة معدلات النمو، وغيرها من الوعود الانتخابية التي قطعتها أمام ناخبيها.

وفي الختام، يمكن القول إنه على الرغم من التحديات السابقة، فإنه يتوقع أن تنجح الحكومة الماليزية في الحفاظ على تماسكها، بالنظر إلى خبرة رئيس الوزراء الحالي مهاتير محمد، وتربص الائتلاف الحاكم لأي فرصة لإفقاد الحكومة الحالية الأغلبية التي باتت تتمتع بها، غير أن عام 2020 سيكون عاماً فاصلاً في تاريخ السياسة الماليزية، سواء فيما يتعلق بأنه العام الذي سيتولى فيه أنور إبراهيم السلطة، أو للوقوف على أبعاد التوجهات الإسلامية للحكومة الجديدة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.