شرعية منقوصة:

تأزم الأوضاع السياسية والاقتصادية في فنزويلا وبيرو

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - سانتياجو فيار باحث بمركز برشلونة للشؤون الدولية ‪– ) CIDOB(‬إسبانيا

تعاني حكومتا فنزويلا وبيرو تراجع شرعيتهما نظراً للأزمة الاقتصادية الحادة التي تعانيها الأولى، على الرغم من نجاح الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في حسم انتخابات مايو 2018 لصالحه، فضلًا عن استقالة "بيدرو بابلو كوشينسكي"، الرئيس البيروفي قبل أن يحجب عنه الكونجرس الثقة، وهو الأمر الذي يتطلب من حكومة كلا البلدين اتخاذ إجراءات جدية لمخاطبة الأزمات التي تعانيها.

اأولاً: انت�سار �سعبي لمادورو

تمكن الرئيس الفنزويلي الحالي نيكولاس مادورو من الفوز في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 20 مايو 2018، حيث حصل على حوالي 68% من أصوات الناخبين، في حين أن مرشح المعارضة "هنري فالكون" حصل على 21% فقط، وبذلك تمكن مادورو من الحفاظ على هيمنة حزبه على السلطة على مدار عقدين من الزمان منذ وصول "هوجو شافيز" لأول مرة إلى السلطة في انتخابات 1( 1998.)

وتبنت المعارضة الفنزويلية ممثلة في "تحالف طاولة الوحدة الديموقراطية"، فضلاً عن الإعلام الدولي، وعدد من الحكومات الأجنبية موقفاً مناوئاً لنتائج الانتخابات، فقد أعلنت حوالي 20 حكومة أجنبية، من بينها بعض دول أمريكا اللاتينية، نيتها رفض نتائج الانتخابات، حتى قبل انعقادها. وفي أعقاب إعلان نتائج الانتخابات، شككوا في شرعيتها بالنظر إلى انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، وقاموا بالدعوة إلى عدم الاعتراف بالعملية الانتخابية ونتائجها. غير أن رهان المعارضة قد أخفق في تحقيق أهدافه ارتباطاً بما يلي: -1 انقسام المعارضة: قاطع "تحالف طاولة الوحدة الديمقراطية"، الممثل الرئيسي للمعارضة، الانتخابات الرئاسية في مسعى منه لنزع الشرعية عن مادورو، غير أنه أخفق، نظراً إلى قيام المعارض "هنري فالكون"، المرشح الرئاسي وعضو التحالف، بمخالفة توجه المعارضة، والمشاركة في الانتخابات. 2- المشاركة الشعبية: شارك في هذه الانتخابات حوالي 9.1 مليون فرد، وذلك من إجمالي 20.5 مليون فرد يحق لهم التصويت، أي أن أكثر من نصف من يحق لهم التصويت لم يشاركوا في الانتخابات.

وفي حين أن المعارضة ترجع هذا الانخفاض إلى دعوتها لمقاطعة الانتخابات للانتقاص من شرعيتها، لكن على الجانب الآخر يدفع التقييم الموضوعي إلى الأخذ في الاعتبار أن مادورو حصل على 6.2 مليون صوت، وبذلك يتفوق على عدد الأصوات التي حصل عليها هوجو تشافيز في أفضل أداء انتخابي له في 2012، بحوالي مليوني صوت، وإن كان حجم من يحق لهم المشاركة في الانتخابات قد ارتفعت من حوالي 11 مليون صوت في عام 1998 إلى حوالي 20.5 مليون صوت في عام 2018، وبالتالي فإنه إذا كانت نسبة العازفين عن المشاركة في الانتخابات مرتفعة بصورة واضحة، فإن عدد الناخبين الذين صوتوا لصالح مادورو كان كبيراً جداً، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار تدهور الأوضاع الاقتصادية، وغياب الكاريزما لدى مادورو مقارنة بتشافيز، ومن ثم فإن

المعارضة خسرت رهانها في انتزاع الشرعية عن مادورو. 3- الإشراف الأجنبي: قام عدد كبير من المراقبين الدوليين ينتمون إلى حوالي 40 دولة مختلفة بالإشراف على الانتخابات، بمن فيهم "خوسيه لويس رودريجيز ثاباتيرو"، رئيس وزراء إسبانيا السابق)2(، وهو ما أضفى صدقية على نتائجها، خاصة أنهم لم يرصدوا خروقات كبيرة تؤثر على صدقيتها.

ثانياً: تاآكل ال�سرعية ال�سيا�سية

نجح مادورو في توظيف الانتخابات لتأكيد شرعيته في مواجهة الضغوط الدولية عموماً، والأمريكية خصوصاً، ولكن في المقابل، فإن شرعية النظام لاتزال مهتزة، بالنظر إلى استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ من المتوقع أن ينكمش الناتج القومي الإجمالي بحوالي 15% في عام 2018، وذلك للعام الثالث على التوالي، فضلاً عن تراجع حجم الناتج الاقتصادي من حوالي 16% في عام 2016 إلى حوالي 14% في عام 2017، كما أنه من المتوقع أن ينكمش بحوالي 15% خلال عام 2018، في حين أن التضخم وصل إلى مستويات قياسية، وذلك من حوالي 112% في عام 2015 إلى حوالي 2400% في عام 3( 2017،) كما أنه من المتوقع أن يواصل ارتفاعه إلى مستويات قياسية ليبلغ 13860% في عام 4( 2018.)

وقد تسببت الأوضاع الاقتصادية في ارتفاع عدد المهاجرين الفنزويليين خارج البلاد من حوالي 700 ألف فرد في عام 2015 إلى حوالي 1.6 مليون فرد في عام 2017، واختار 885 ألف فرد منهم اللجوء إلى دول الجوار، واستقبلت كولومبيا أكبر عدد من هؤلاء اللاجئين، فقد بلغ عددهم في عام 2017 حوالي 600 ألف فرد)5 .)

وتزامن مع التدهور الاقتصادي ارتفاع معدلات العنف بصورة كبيرة، حتى أن خمس مدن فنزويلية باتت تصنف ضمن المراتب الأولى لأكثر خمسين مدينة ترتفع بها معدلات العنف، كما أنها تحتل المرتبة العاشرة دولياً من حيث ارتفاع معدلات الجريمة)6 .)

وتترتب على العنف تكلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة. وتتمثل التكلفة المباشرة في تصاعد الإنفاق على المؤسسات الأمنية للحد من ظاهرة العنف، في حين أن التكلفة غير المباشرة تتمثل في تأثير الجريمة على صحة المواطنين )ارتفاع استهلاك الكحول والمخدرات(، وعلى الاقتصاد )تراجع الإنتاجية، والتغيب عن العمل(، وعلى المجتمع بصورة عامة )تنامي الخوف لدى المجتمع، وتنامي الصراعات المجتمعية(، وهو ما يعني في التحليل الأخير تراجع جودة الحياة)7.)

ونظراً لصعوبة استمرار الأوضاع على ما هي عليه، فإن الحكومة الفنزويلية عليها أن تشرع في إدخال إصلاحات هيكلية في الاقتصاد من أجل وقف التدهور الاقتصادي والأزمة المالية التي تعانيها البلاد، إذ يعاني الاقتصاد الفنزويلي الاعتماد شبه الكلي على إيرادات النفط، والتي تمثل حوالي 95% من صادرات البلاد. وتسبب انهيار أسعار النفط بحوالي النصف بدءاً من عام 2014، إلى إضعاف اقتصاد البلاد والتسبب في الأزمة الاقتصادية الحالية)8.)

ويقع على عاتق الحكومة تبني سياسات لتنويع مصادر الدخل، بصورة تقلل من اعتمادها على إيرادات النفط، والسلع والأغذية المستوردة، غير أن كاراكاس تواجه ظروفاً غير مواتية، نتيجة استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وتراجع أسعار النفط، وغياب أي خطط حكومية حالية لتنويع مصادر الدخل للاقتصاد الفنزويلي، واستمرار الفساد وعلاقات المحسوبية. وفي حالة إخفاق الحكومة في وقف تدهور الأوضاع الاقتصادية، فإن شرعية الحكومة ستنهار بغض النظر عن أي شرعية انتخابية أضفيت عليها.

ثالثاً: ا�ستقالة كو�سين�سكي في بيرو

واجهت الحكومة البيروفية برئاسة الرئيس بيدرو بابلو كوشينسكي" أزمة على خلفية اتهامه من قبل المعارضة المهيمنة على الكونجرس بالفساد. انتخب "بيدرو بابلو كوشينسكي" كرئيس لبيرو في 28 يوليو 2016، بعدما تمكن في الفوز بالانتخابات في مواجهة مرشحة اليمين للانتخابات الرئاسية "كيكو فوجيموري". وقد اضطر الرئيس المنتخب إلى تقديم استقالته بعد مرور حوالي عشرين شهراً من توليه الحكم، وتحديداً في 21 مارس 2018، وذلك تحت ضغوط المعارضة عليه للتنحي، بدءاً من ديسمبر 2017. واضطر كوشينسكي إلى تقديم استقالته في مارس 2018 فور نشر أشرطة فيديو تظهر حلفاءه وهم يحاولون استمالة أصوات المعارضة في الكونغرس لسحب الثقة منه بسبب ارتباطه بعلاقات مشبوهة مع شركة البناء البرازيلية "أوديبريشت"، المتورطة في قضايا فساد في العديد من بلدان المنطقة.

وتولى الحكم خلفاً له نائب الرئيس وسفير البيرو السابق إلى كندا "مارتن فيزكارا"، والبالغ من العمر 56 عاماً، والذي سبق أن تولى منصب محافظ إقليم موكيغوا )2011 – 2014،) وينتمي لحزب الرئيس السابق "بيروفيين من أجل التغيير".

ويعد الفساد أحد المشاكل المزمنة في البلاد، مع اعتياد المسؤولين الحكوميين الحصول على رشى مقابل ترسية العقود الحكومية على شركات بعينها، إذ إن كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم بيرو منذ استعادة النظام الديمقراطي في عام 1980 قد تم التحقيق معهم بتهم فساد. وهناك إدراك مجتمعي بخطورة هذه المشكلة، حيث كشف استطلاع رأي أن المواطن يرى أن استشراء الفساد هو المشكلة الرئيسية في البلاد، تليه الجريمة والجهل)9 .)

وتمثل أحد العوامل التي ساهمت في استشراء الفساد في مؤسسات الدولة كافة، في ضعف القضاء وتراجع كفاءة

تبنت المعارضة الفنزويلية ممثلة في "تحالف طاولة الوحدة الديموقراطية"، فضلًا عن الإعلام الدولي، وعدد من الحكومات الأجنبية موقفاً مناوئاً لنتائج الانتخابات، فقد أعلنت حوالي 20 حكومة أجنبية، من بينها بعض دول أمريكا اللاتينية، نيتها رفض نتائج الانتخابات، حتى قبل انعقادها.

بيروقراطية الدولة، وارتفاع مستوى المحسوبية)10(. وقدّر صندوق النقد الدولي أن التكلفة السنوية للفساد بحوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، أي حوالي 4 مليارات دولار سنويا)11(، وهو ما يشكل تقريباً حوالي 9% من الموازنة العامة للدولة في عام 12( 2017(، كما أنه يرفع من تكلفة القيام بالأعمال بحوالي 13(% 10.)

رابعاً: تغلغل الف�ساد في اأمريكا اللاتينية

احتلت بيرو في عام 2018 المرتبة رقم 96 في مؤشر الفساد العالمي، ولا يقتصر الفساد على البيرو، بل يمتد إلى باقي دول أمريكا اللاتينية، فوفقاً للمؤشر السابق تندرج ثماني دول من أمريكا اللاتينية ضمن أكثر خمسين دولة فاسدة في العالم) .) ولعل المثال الواضح على الفساد في هذه الدول شركة الإنشاءات البرازيلية "اودبريشت"، والتي تورطت في قضايا فساد مع رؤساء الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا والإكوادور والمكسيك وبنما وجمهورية الدومينكان، وفنزويلا وبيرو، وذلك من أجل الحصول على مشاريع في قطاع البنية التحتية.

وطالت فضيحة "أوديريشت" آخر أربعة رؤساء تعاقبوا على حكم بيرو، وهم: توليدو وجارسيا وهومالا وكوشينسكي. فقد اتهمت حكومة أليخاندرو توليدو )2001 – 2006) بالحصول على 20 مليون دولار من شركة أوديريشت، وذلك في مقابل حصولها على مناقصة لبناء الطريق السريع الذي يربط بين البيرو والبرازيل.

أما آلان جارسيا )2006 – 2011(، فإنه لم توجه إليه أي تهم مباشرة، غير أن المحكمة اتهمت نائب وزير الاتصالات في حكومته بتلقي رشى وقدرها 2 مليون دولار، لمساعدة "أوديريشت" في الفوز بعطاء عام لبناء خط مترو في العاصمة "ليما"، بينما كشفت جريدة "فولها دي ساو باولو" البرازيلية أن شركة "أوديريشت" قامت بإعطاء ثلاثة ملايين دولار إلى حملة الرئيس السابق "أويانتا هومالا" )2011 – 2016.) وقبل تفجر هذه الفضيحة، كانت المحكمة البيروفية تحقق معه بتهمة غسيل الأموال خلال حملته الانتخابية، وأصدرت بحقه هو وزوجته حكماً بالسجن تسعة شهور.

ويمثل الرئيس كوشينسكي أحدث المتورطين في فضيحة فساد مرتبطة بنفس الشركة، وهو ما أجبره على الاستقالة. وتدور الاتهامات ضده حول قيام شركة أوديريشت بتقديم أموال بصورة غير شرعية لشركتيه "ويستفيلد" و"فيرست كابيتال"، عندما كان يشغل منصب وزير في حكومة توليدو.

ومن الملحوظ أن كل رئيس يتولى حكم البيرو يتعهد بمكافحة الفساد، غير أنه سرعان ما يتراجع عن تبني إجراءات جدية في هذا الصدد. وعلى سبيل المثال عزف هومالا في عام 2012 عن تطبيق التوصيات الصادرة عن "الخطة الوطنية لمكافحة الفساد"، خاصة فيما يتعلق بتعزيز سلطات بعض المؤسسات الحكومية في مكافحة الفساد مثل القضاء والوزارات والشرطة) وبالمثل، فإن كوشينسكي تجاهل حوالي 70% من التوصيات التي اقترحتها لجنة رئاسية خاصة قام هو بنفسه بتشكيلها لمكافحة الفساد) .)

ولابد من توفر عدة عوامل للقضاء على الفساد، والتي تتمثل في وجود قضاء مستقل، وإرادة سياسية، فضلاً عن الإدراك الشعبي لخطورة المشكلة، وضرورة علاجها، وقد أبدى فيزكارا توجهات جدية لمكافحة الفساد، إذ تعهد في أبريل 2018 بتضمين توصيات اللجنة الرئاسية في الخطة الوطنية لمكافحة الفساد )2018 – 2021(. ويأتي من ضمن العوامل التي قد تدعم جهوده إصرار الشعب البيروفي على مكافحة الفساد. وفي المقابل يواجه الرئيس الجديد كونجرس تهيمن عليه المعارضة، وقد تتبنى سياسات مناوئة له، كما أن تجذر الفساد في بيرو يعني أن مهمة الرئيس الجديد لن تكون سهلة.

وفي الختام، يمكن القول إن فنزويلا لاتزال تعاني أزمة اقتصادية حادة قد تعصف بشريعتها الانتخابية، خاصة ما لم تتبن الإجراءات الاقتصادية الكفيلة بتصحيح مسار الاقتصاد، وهو أمر لاتزال فرصه ضعيفة. أما في بيرو، فإن مشكلة الفساد لاتزال تعصف بكل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد، وتنعقد الآمال على الرئيس الجديد في أن يتبنى سياسات تنجح في القضاء على الفساد، وتعزيز النمو الاقتصادي للبلاد.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.