تهديدات طهران:

انعكاسات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي

Trending Events - - حالةالشرق الأوسط - سماح عبدالصبور مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة

هيمنت على تقييمات مراكز التفكير الغربية لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني اتجاهات متعارضة حول تقدير التداعيات على منطقة الشرق الأوسط، إذ رأى بعض الخبراء والمحللين أن إعادة فرض العقوبات على إيران وتكثيف الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها سوف يؤديان لتحجيم السياسات العدوانية لطهران في الإقليم، وعلى النقيض رأى آخرون أن إيران سوف تلجأ للتصعيد العسكري وتأجيج التوترات في الشرق الأوسط رداً على الإجراءات الأمريكية، خاصة في حالة إخفاق الخيارات الدبلوماسية ورضوخ الدول الأوروبية للضغوط الأمريكية فيما يتعلق بتطبيق العقوبات الاقتصادية.

اأولاً: م�سارات الت�سعيد والتهدئة

يرى فارهاد رضائي الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية بمركز الدراسات الإيرانية في أنقرة في كتابه المعنون “سياسة إيران الخارجية بعد الاتفاق النووي” والصادر في عام 2018، أن هذا الاتفاق يعد نقطة تحول مفصلة في سياسات إيران الإقليمية، إذ عزز من قدرتها على التدخل الخارجي والانتشار عسكرياً في مناطق الصراعات بعد تراجع الضغوط الاقتصادية عليها، وهو ما يعني أن طهران سوف تتمسك باستمرار الاتفاق النووي وستقوم بمواجهة محاولات إلغائه أو تعديله من جانب الولايات المتحدة)1.)

وفي السياق ذاته، طرح "أحمد مجيدار" مدير مشروع إيران بمعهد الشرق الأوسط سيناريوهين لمستقبل الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، وذلك في إطار جلسة الاستماع الخاصة التي عقدها معهد الشرق الأوسط في مايو 2018، ويتمثل السيناريو الأول في سعي الحكومة الإيرانية للإبقاء على الاتفاق النووي لأطول فترة ممكنة للاستفادة من عوائده.

ويركز السيناريو الثاني على تصاعد التوترات بين أطراف الاتفاق النووي وإيران؛ مما يؤدي إلى إنهاء الاتفاق النووي بصورة نهائية، وهو ما يعني عودة طهران لاستئناف أنشطتها النووية، بيد أن إيران ستبذل قصارى جهدها لتحقيق السيناريو الأول والذي يعني عزل واشنطن دبلوماسياً وفقاً لكاتب المقال)2.)

ورجح أحد تحليلات ستراتفور المنشور في مايو 2018 أنه في حالة تزايد العقوبات على إيران بصورة تعجز عن استيعابها، واستنفاد طهران خياراتها الدبلوماسية كافة في مواجهة هذه العقوبات، فإنها لن تملك سوى ثلاثة خيارات وهي: الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة تشغيل أجزاء من برنامجها النووي، ويتمثل الخيار الثاني في إلغاء البروتوكول الإضافي الذي يمنح المفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الوصول بسهولة إلى مواقع إيران النووية، أما الخيار الثالث فهو الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية كخطوة للضغط على الدول الأوروبية لاتخاذ إجراءات فعالة لحمايتها)3.)

وفي هذا السياق، يشير "عومير كومي" الزميل العسكري السابق في معهد واشنطن في تحليله المنشور على موقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني في أبريل 2018 إلى أن إيران ستعمل على تصدير فكرة المظلومية للحكومات الأوروبية، كما ستسعى لتعزيز علاقاتها مع باقي شركائها التجاريين مثل: الهند، وكوريا الجنوبية، واليابان، بالإضافة إلى التنسيق بشكل خاص مع كل من روسيا والصين.

ويتصل ذلك بتصريحات "علاء الدين بروجردي" رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني في مارس 2018 التي أكد فيها "أن تعزيز العلاقات مع بكين وموسكو قد يساعد على إبطال تأثير الضغوط الأمريكية والحد من أثرها") .)

وأكدت "محسا روحي" الباحثة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تحليلها الذي جاء تحت عنوان "هل تستطيع الصين إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني؟" أن الصين ربما تمثل فرصة مناسبة لإيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية في ظل تصاعد حربها التجارية مع واشنطن، حيث أعلنت بكين عن أنها ستقوم بفرض رسوم تقدر بحوالي 25% على واردات النفط الأمريكي بدءاً من سبتمبر 2018 وهو ما قد يدفعها للبحث عن أسواق بديلة للنفط قد تكون من ضمنها إيران.

ويرجح هذا التحليل أن تقوم شركات صينية ذات علاقة محدودة بالولايات المتحدة باستيراد النفط من إيران لتجنب فرض عقوبات عليها، كما يمكن للصين أن تقوم بتسعير النفط الإيراني باليوان في إطار سياسة "البترو يوان" بدلاً من الدولار الأمريكي وهو ما يعني إنهاء هيمنة الدولار على سوق النفط العالمية، إلا أن بكين لن تلجأ لهذا الأمر في ظل استمرار استثماراتها في السوق الأمريكية، كما تعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري للصين، حيث يصل حجم التجارة بينهما إلى ما يقدر بحوالي 650 مليار دولار أمريكي) .)

ويؤكد "عومير كومي" أن طهران لن تكتفي بالحلول الدبلوماسية، حيث سبق أن هدّد كبار القادة في الحرس الثوري بأن أي جولة جديدة من العقوبات الأمريكية يمكن أن تثير ردّ فعل عنيفاً يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.

واتفق مع هذا الاتجاه "ستيفن والت" أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد في مقاله "فن تغيير النظام" والمنشور على موقع فورين بوليسي في مايو 2018؛ حيث رأي أن إيران ستدرس كيفية التصعيد مع الولايات المتحدة لأن طهران تدرك جيداً أن ضغوط الولايات المتحدة عليها ما هي إلا وسيلة لتغيير النظام بشكل تدريجي؛ من خلال زيادة العقوبات الاقتصادية التي تؤدي لتصاعد الغضب الشعبي تجاه النظام الإيراني، كما أنه إذا قامت إيران بخطوة تصعيدية مباشرة سيمنح هذا واشنطن الفرصة لشن حرب وقائية عليها) .)

ثانياً: التحركات الاإيرانية في بوؤر ال�سراعات

اتفقت مراكز التفكير كافة على أن الاتفاق النووي الإيراني سيكون له تأثير كبير على تحركات إيران في دول الصراعات في الشرق الأوسط، خاصة سوريا وليبيا والعراق واليمن، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى اتجاهات متعددة فيما يتعلق بالانخراط الإيراني في بؤر الصراعات:

1- التصعيد العسكري في سوريا: يوضح كل من "سيما شاين" و"إلداد شافيت" الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي في مقالهما المعنون "إيران في مفترق طرق استراتيجي" والمنشور على موقع معهد دراسات الأمن القومي في 4 يوليو 2018 أن إيران تتمسك ببقائها في سوريا على الرغم من تزايد الضغوط الاقتصادية على إيران بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، بالإضافة إلى التصريحات الروسية التي تكشف عن وجود رغبة لدى موسكو في أن تقوم القوات الإيرانية بمغادرة سوريا في المستقبل القريب، وهو ما قد يدفع روسيا للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق هذا الهدف، بيد أن طهران لا تنوي مغادرة سوريا في الوقت الحالي مادامت "الحرب" مستمرة حسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين) .)

وقد تتجه إيران لمزيد من التصعيد وهو ما يؤكده "فراس الياس" الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مركز أنقرة لدراسة الأزمات والسياسات في مقاله التحليلي "هل اقتربت إيران من الحرب الكبرى في الشرق الأوسط؟" والمنشور على موقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني في مايو 2018، إذ أشار إلى أن طهران ستقوم بتصعيد غير مسبوق خلال الفترة المقبلة.

ويرجح المقال أن تواصل طهران استخدام الأساليب كافة للضغط على الولايات المتحدة في سوريا وهو النهج ذاته الذي اتبعته حتى قبل الانسحاب من الاتفاق النووي بما في ذلك استخدامها للأسلحة الكيماوية في دوما حسبما يدعي المقال، وهو ما يرجع إلى كونها غير راضية عن وجود جماعة "جيش الإسلام" في هذه المنطقة، فيما ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية بمزيد من التنسيق مع إسرائيل لتنفيذ هجمات عسكرية على الميليشيات الإيرانية في سوريا) .)

2- تأجيج المواجهات اللبنانية - الإسرائيلية: توقع المقال المعنون "التداعيات الإقليمية لقرار ترامب بالتخلي عن الاتفاق النووي الإيراني" الذي أعدته "راشيل آنسلي" وتم نشره على موقع مركز "مجلس الأطلنطي" في مايو 2018 أن سوريا ستكون منطقة التصعيد الأكبر بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن هذا لا ينفي احتمالية قيام إيران بالضغط على المصالح الأمريكية في الأراضي اللبنانية في حالة تزايد الضغط عليها في سوريا، حيث ستقوم بتوظيف حزب اله للتصعيد مع إسرائيل وهو ما يمكن أن يؤدي لحدوث حرب واسعة النطاق لا تقتصر تداعياتها على لبنان فقط) .)

3- احتمالات عقد صفقة تسوية في اليمن: يرى “فرهاد ريزاي” في مقاله المعنون "جدل ساخن في إيران حول مغادرة الصفقة النووية" والمنشور في يونيو 2018 على موقع "مجلس الأطلنطي" أن اليمن أقل أهمية بالنسبة لإيران، حيث إن طهران ربما تكون على استعداد لتقديم تنازلات في الصراع اليمني، وذلك على النقيض من سوريا التي تصنفها العقيدة الأمنية الإيرانية على أنها منطقة عمق استراتيجي لها، وصحيح أن إيران قد قامت بتوظيف حلفائها الحوثيين لإطلاق صواريخ على دول الجوار بعد إلغاء الاتفاق النووي، إلا أنها قد تقوم بهذا التصعيد بهدف اكتساب قوة تفاوضية لتحسين نتائج المفاوضات لصالحها) .)

4- تكثيف التغلغل السياسي بالعراق: أشارت "راندا سليم" مديرة مبادرة حوارات المسار الثاني بمعهد الشرق الأوسط إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي سيؤدي لدعم سيطرة إيران في العراق، حيث ستقوم طهران بالضغط على الحكومة العراقية لاتباع سياسات تضمن مزيداً من التغلغل الإيراني في العراق، وفي حالة حدوث هذا السيناريو ستتوتر علاقات العراق مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول المنطقة، وهو ما سيترتب عليه تخفيض حجم المساعدات الاقتصادية والعسكرية المقدمة لبغداد التي مازالت تتعافي من آثار حربها مع "داعش"، وتحاول استعادة الاستقرار الأمني والقيام بعمليات إعادة الإعمار، كما سيؤدي هذا إلى توسيع دور الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في المجالين السياسي والأمني) .)

ثالثاً: اأنماط التهديدات للاأمن الاإقليمي

اتفقت غالبية الأطروحات والتحليلات المنشورة بمراكز التفكير الغربية أن إيران سوف تقوم بتصعيد تهديداتها لأمن منطقة الشرق الأوسط في حالة إخفاق الخيارات والمسارات الدبلوماسية وعدم تمكنها من الحفاظ على المكاسب التي حققتها ضمن الاتفاق النووي، وتتمثل أهم الأدوات التي ستعتمد عليها طهران في تهديد الأمن الإقليمي فيما يلي:

1- صواريخ ميليشيات الحوثيين: يرى "بروس ريدل" زميل مركز سياسات الشرق الأوسط التابع لمؤسسة بروكنجز أن إيران ستزيد عدد الصواريخ التي تقدمها لميليشيات الحوثيين في اليمن مع دعمهم بالخبرات الإيرانية التي تمكنهم من استخدامهم، بحيث يتزايد عدد الصواريخ التي تطلقها ميليشيات الحوثيين على دول الجوار مما يهدد الأمن الإقليمي، ويؤكد ريدل على ضرورة تعاون المجتمع الدولي لوضع استراتيجية تقضي على الدعم الإيراني المقدم للحوثيين الذي يبدو أنه لازال مستمراً على الرغم من العقوبات) .)

2- الهجمات السيبرانية: ترى "ماديسون هوتشينسون" الباحثة في معهد دايفيس للأمن القومي والسياسة الخارجية في مقالها الذي جاء تحت عنوان "تهديد إيران غير النووي للعالم" والمنشور في مايو 2018 أن التهديد الأكبر الذي تمثله إيران يتمثل في قدراتها السيبرانية التي عملت على تطويرها لفترات طويلة حتى استطاعت أن تنفذ هجمات إلكترونية ضد دولة بقوة الولايات المتحدة.

فمنذ عام 2011 استثمرت إيران ما يقدر بحوالي مليار دولار في مجال تكنولوجيا المعلومات، كما ادعى الحرس الثوري الإيراني في عام 2012 أنه يقوم بتدريب 120 ألف شخص على الحرب الإلكترونية المتقدمة، وأنشأ "آية اله خامئني" المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني والذي تتمثل مهمته في: الإشراف على الدفاع عن الشبكات الإلكترونية في إيران، وتطوير طرق جديدة لاختراق أجهزة الخصوم الإقليميين والدوليين.

وقد قامت طهران بشن هجمات سيبرانية على عدد من الدول التي تمتلك أنظمة دفاع سيبرانية قوية مثل المملكة المتحدة التي اتهمت طهران بإختراق حسابات البريد الإلكتروني لعشرات من أعضاء البرلمان في عام 13( 2017(، كما قامت بالاعتماد على بعض الهاكرز لتنفيذ هجمات الحرمان من الخدمة ‪Denial of Service At-(‬ tacks) ضد النظام المصرفي الأمريكي، حيث تم استهداف عدد من البنوك الكبرى مثل: جي بي مورجان، وبنك أوف أمريكا وغيرهم عبر توجيه آلاف الزيارات في وقت قصير مما أدى إلى عدم قدرة المستخدمين العاديين على الوصول للمواقع الإلكترونية لهذه البنوك)14.)

وقد سبق أن استخدمت إيران قدراتها السيبرانية للهجوم على عدد من دول المنطقة مثل قيامها بهجمات الحرمان من الخدمة ضد عدد من المواقع الإسرائيلية الحكومية، بالإضافة إلى شن هجمات على عدد من المواقع الصناعية الإسرائيلية مثل: مرافق معالجة المياه، ومحطات الطاقة)14(، ومن ثم تتوقع بعض التحليلات أن تقوم إيران بتوجيه ضربات سيبرانية انتقامية لبعض دول المنطقة.

3- تهديد مضيق هرمز: تزايدت التهديدات الإيرانية بعرقلة الملاحة في مضيق هرمز رداً على احتمالية قيام الولايات المتحدة بالضغط على حلفائها لوقف استيراد النفط الإيراني كنوع من تكثيف الضغط على الاقتصاد الإيراني بعد الانسحاب من الاتفاق النووي؛ وفي حال تمكنت الولايات المتحدة من القيام بهذه الخطوة فإن صادرات النفط الإيراني ستنخفض من 2.28 مليون برميل يومياً إلى 1 مليون برميل يومياً، وهو ما دفع إيران للتهديد بإغلاق مضيق هرمز.

وتثير هذه التهديدات حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، بيد أن إيران قد سبق وهددت بإغلاق المضيق كما حدث في عام 2012، حيث هددت بعرقلة مرور السفن بهرمز رداً على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على برنامجها النووي.

ولم تقم باتخاذ أي إجراء وقتها لعرقلة الملاحة عبر المضيق بعد تنفيذ العقوبات عليها خوفاً من يؤدي هذا الإجراء إلى تفجر مواجهات عسكرية واسعة النطاق في الإقليم تؤدي لتداعيات ضاغطة تزيد من تردي الأوضاع الاقتصادية في طهران، بالإضافة للإجراءات العقابية من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في حال تنفيذ إيران أعمال عدائية ضد حركة الملاحة في مضيق هرمز)15.)

ختاماً، يتوقع أن تتمسك إيران بالحفاظ على الاتفاق النووي عبر التفاوض مع الدول الأوروبية ودفعها للضغط على الولايات المتحدة لخفض حدة العقوبات الأمريكية، وفي حال إخفاق الجهود الدبلوماسية ستتجه طهران للتصعيد وتهديد الأمن الإقليمي من خلال وكلائها في سوريا ولبنان واليمن بالإضافة إلى التلويح بعرقلة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز وإطلاق الصواريخ على دول الجوار من جانب الميليشيات التابعة لها في اليمن وسوريا.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.