Blackmail

أنماط ومحددات استخدام أساليب ”الابتزاز“في التفاعلات العالمية

Trending Events - - دراسة المستقبل - رانيا علاء السباعي مدرس العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

دائماً ما كان الابتزاز Blackmail() من الأدوات التي يلجأ الفاعلون السياسيون لاستخدامها، سواءً على المستوى المحلي أو على مستوى العلاقات بين الدول وبعضها البعض، باعتباره نوعاً من الممارسات الإكراهية للقوة والنفوذ لتحقيق أهداف محددة وإجبار الآخرين على الاستجابة بطريقة تتناسب مع مصالح الطرف الذي يمارس الابتزاز، ولكن تصاعد هذا الاستخدام بشكل مكثف وغير معتاد في الآونة الأخيرة، ليصبح واحداً من الملامح الأساسية للتفاعلات العالمية الراهنة.

وتبرز حالات هذا الاستخدام المتصاعد للابتزاز مؤخراً، كما يتضح في ابتزاز الرئيس الأمريكي ”دونالد ترامب“الحلفاء قبل الخصوم بهدف الحصول على منافع مادية أو تقديم تنازلات ما تصب في مصلحة الولايات الأمريكية، وذلك باستخدام ورقة الحماية الأمنية أو بعض الأدوات الاقتصادية وغيرها.. وفي ابتزاز إيران للأوروبيين بإغراق أوروبا بملايين اللاجئين وآلاف الأطنان من المخدرات، وفي ابتزاز تركيا للاتحاد الأوروبي من خلال التهديد الضمني بالتغاضي عن حركة اللجوء والهجرة إذا لم تحصل على مكاسب متعددة من دول الاتحاد.. وفي الابتزاز المتبادل بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حول ملفها النووي، وفي حالة الابتزاز الإسرائيلي المتكرر للفلسطينيين بأشكال مختلفة للحصول على مزيدٍ من التنازلات في ملفات القدس الحدود والمياه واللاجئين وغيرها.

وتشير الحالات غير المتناهية لاستخدام "الابتزاز" الآن، إلى الحاجة لتسليط الضوء على هذا المفهوم غير الشائع كثيراً في أدبيات العلاقات الدولية، على الرغم من شيوع ممارساته بصور وأنماط متعددة في الواقع الدولي؛ نظراً لأن الابتزاز في أضيق معانيه هو السعي للحصول على المنافع والتأثير في سلوك الفاعلين الآخرين بطريقة غير قانونية؛ وهو ما ينطبق على مختلف المستويات، بدءاً من الأفراد والعلاقات الاجتماعية، مروراً بالتفاعلات داخل الدولة، وصولاً إلى العلاقات بين الفاعلين على المستوى العالمي، حيث ينطوي على استخدام الفاعل لمختلف آليات التهديد التي تستهدف إيقاع خسائر كبيرة بالطرف الآخر، وتهديد مصالحه، لدفعه للقيام بسلوك معين أو منعه من القيام بسلوك آخر.

في هذا الإطار تحاول الدراسة إلقاء الضوء على مفهوم الابتزاز وموقعه في نظريات العلاقات الدولية، وتحديداً نظرية القوة لدى المدرسة الواقعية الكلاسيكية، وتستعرض أبرز أنماط الابتزاز في الوقت الراهن، والتي تتنوع ما بين استخدام الآليات الصلبة والناعمة وغير التقليدية، ثم تتطرق لتناول محددات فاعلية استخدام هذه الأداة لممارسة القوة والتأثير، وأخيراً تقدم أهم وسائل التعامل مع الابتزاز من قبل الطرف المتلقي له وأنماط استجابته لمواجهة هذا النمط الإكراهي من التأثير والقوة.

اأولاً: مفهوم الابتزاز وموقعه من نظرية القوة

الابتزاز لغةً يعني "السلب" أو "الانتزاع"، كما تتفق على ذلك معاجم اللغة العربية. ويُقال على سبيل المثال: "ابتَّزَّ المال من الناس"، أي سلبهم إياه أو انتزعه منهم بجفاء وقهر، "وابتَّزَ قرينه"، أي تكَّسَّب منه بطرق غير مشروعة. وعادةً ما يشير "الابتزاز" إلى "الحصول على المال أو المنافع من شخص تحت التهديد بفضح بعض أسراره أو اتباع غير ذلك من وسائل غير مشروعة، ويتم ذلك بنوعٍ من الضغط والقهر والجفاء".

وفي القانون غالباً ما يُعرف الابتزاز بأنه "محاولة الحصول على مكاسب مادية أو معنوية عن طريق الإكراه المعنوي للضحية، وذلك بالتهديد بكشف أسرار أو معلومات خاصة".

وفي اللغة الإنجليزية يشير قاموس ‪)Urban Dictionary(‬ إلى أن مصطلح الابتزاز Blackmail() يتكون من الكلمتين Black "الأسود" وMail() "البريد أو الرسالة"، ما يعني أن الابتزاز هو "رسالة سوداء"، أي أنه يشير إلى الطبيعة الخطيرة والسلبية للرسائل التي يرسلها المُرسل إلى المُستقبل لتكشف عن تهديده إياه. ولهذا فالابتزاز هو ذلك "الموقف الذي ينشأ عندما يهدد شخص شخصاً آخر بشيء من العقاب إذا لم يقدم الأخير نوعاً من التنازلات، وعادة ما ينشأ الابتزاز حينما يحصل شخص ما بطريقة أو بأخرى على معلومات محرجة عن شخص آخر ويهدده بالكشف عنها ما لم يتم تقديم شكل من أشكال الدفع أو التنازل أو الاستجابة لمطالبه"، علماً بأن ذلك لا يعتمد بشكل أساسي على المعلومات التي لدى الشخص الأول عن الشخص الثاني فقط، ولكنه يعتمد كذلك، وربما بشكل أكبر، على أن يكون التهديد مقنعاً بالقدر الكافي كي يقدم الطرف الثاني التنازلات) .)

ويعرف قاموس "كامبريدج" Cambridge() الابتزاز بأنه " فعل ممارسة التهديد للإضرار بشخص ما أو الإضرار بسمعته ما لم يقم هذا الشخص بفعل ما يمليه عليه شخص آخر"، وأنه يشمل أيضاً "دفعك مبلغاً من المال لشخص هددك بإلحاق الضرر بك أو بسمعتك إذا فشلت في الدفع أو تحقيق ما يطلبه منك") .)

ويعرف قاموس "أوكسفورد" Oxford() الابتزاز بأنه "استخدام التهديدات أو التلاعب بمشاعر شخص ما أو أشخاص ما لإجبارهم على القيام بسلوك ما"، ويذكر أن "الابتزاز إجراء يُعامل على أنه جريمة جنائية، لأنه ينطوي على مطالبة شخص ما بالمال من شخص آخر مقابل عدم الكشف عن معلومات ما تمسه") .)

وتشير المعاني السابقة لمصطلح "الابتزاز" إلى أنه سلوك بشري سلبي يمتد لكافة المجالات والمستويات، نظراً لأنه يُعنى بشكل أساسي بتحقيق مكاسب غير مشروعة بطرق غير مشروعة أيضاً، لأنه يتضمن تهديداً صريحاً أو مبطناً بإلحاق الضرر المادي أو المعنوي في حالة عدم الاستجابة لشروط الطرف المرسل للابتزاز.

وبالتالي تتكون عناصر الابتزاز من الآتي: )طرف أو أطراف تمارس الابتزاز، وطرف أو أطراف تتعرض لهذا الابتزاز، وعملية تنشأ بين هذه الأطراف مجتمعة بحيث تتضمن شروطاً وضغوطاً وتهديداتٍ من الأول ونمط ما من الاستجابة من الثاني(.

ويُلاحظ من كافة التعريفات السابقة للابتزاز بأنه لا يتضمن أية حوافز للمتلقي لحثه على الاستجابة، وإنما يتضمن فقط التهديد والقهر والضغط بطرق غير مشروعة أبرزها فضح الأسرار الخاصة؛ ومن ثم يمكن القول إن الابتزاز في العلاقات الدولية لا يجد إطاره النظري سوى في قلب المدرسة الواقعية الكلاسيكية، وتحديداً في نظرية القوة، باعتبارها أبرز تعبيرات هذه المدرسة، بل إن القوة كما يرى الواقعيون الكلاسيكيون هي هدف يجب تحقيقه لذاته، بغض النظر عن الوسيلة التي تحقق ما يدخل في إطار المصلحة الوطنية للدولة.

والقوة في أبسط معانيها تعني "القدرة العامة لدولة/ دول ما على الضبط والتحكم في سلوك دولة/ دول ما أو أي فاعلين آخرين دون الدولة"؛ فالتفاعلات بين الفاعلين الدوليين هي عملية تقوم بها الدولة )أ( من خلال أفعال وسياسات

محددة لضبط وتوجيه والتأثير على سلوك الدولة )ب( بفعل أو عدم فعل المطلب )ج(.

وغالباً ما تنتظر الدولة المُرسلة لإشارات وأفعال القوة ثلاثة أنماط من رد فعل الطرف المتلقي، وهي إما القيام بعمل ما في المستقبل، أو الامتناع عن القيام بعمل ما في المستقبل، أو مواصلة القيام بعمل ما في المستقبل) .)

ويتم ذلك التأثير لعلاقات القوة من خلال عدة وسائل مختلفة وأحياناً متداخلة، من أبرزها الإقناع الإيجابي بما يتضمنه ذلك من تقديم حوافز أو مكافآت؛ والتهديد بالعقاب بما يشمله ذلك من تهديد إيجابي مثل التلويح بقطع العلاقات الدبلوماسية وإمكانية فرض رسوم جمركية إضافية وغيرها، أو تهديد سلبي من خلال "الحرمان" مثل وقف منح أو امتيازات ما يقدمها الطرف )أ( للطرف )ب( أو التلويح بعقوبات غير عنيفة كنوعٍ من ممارسة التهديدات والضغوط، وأخيراً ممارسة القوة الصلبة واقعياً في حالة عدم نجاح وسائل الثواب والعقاب السابقة.

وفي هذا الصدد يُعرف "إيليزبيرج" Ellsberg() الابتزاز بأنه "فن التأثير في سلوك الآخرين باستخدام التهديد، ومثله مثل سائر كل الفنون له أساليبه وأهدافه ووسائله". ويرى "شيلينج" Shelling() أن "الدول تستطيع تحقيق مصالحها بدون الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية من خلال التأثير على الفاعلين الآخرين وإقناعهم بأن الخسائر التي سيتحملونها إذا لم يستجيبوا لمطالب ذلك الفاعل أكبر بكثير من المنافع التي قد يحققونها إذا لم يلتزموا") .)

ومما لا شك فيه، فإن ثمة صعوبات تبرز في التحديد الدقيق لمفهوم الابتزاز، نظراً لتداخله مع العديد من المفاهيم الأخرى من ناحية، واتصافه بالنسبية مثل بقية الظواهر والمفاهيم في العلوم الاجتماعية من ناحية أخرى. كما أنه يصعب من الناحية الواقعية - في غالب الأحيان - تحديد من هو الطرف الذي بدأ بالابتزاز والتهديد، ومن هو الطرف المتلقي، لأن كل طرف عادةً ما يدعي أنه لا يمارس التهديد وإنما يدافع عن نفسه أو يقابل التهديد أو الابتزاز من جانب طرف آخر.

ولذا يساوي "إيليزبيرج" بين الابتزاز وبين الإكراه Coercion(،) حيث يرى أن كليهما ينطوي على التهديد بممارسة القوة الصلبة بالأساس من جانب طرف ضد طرف آخر في سبيل التأثير على سلوك وخيارات الطرف الأخير وفقاً لرغبات ومصالح الطرف الأول) .)

وعلى الرغم من تداخل المفهومين، والاتفاق على أن كلاً منهما ينطوي على استخدام التهديدات العسكرية أو الاستخدام الرمزي/المحدود للقوة المسلحة، بهدف حل الأزمات والصراعات دون الوصول إلى مرحلة الدخول في حرب شاملة) إلا أنه يمكن القول إن الابتزاز لا يتضمن تقديم أي إغراءات أو حوافز على عكس الإكراه الإيجابي الذي قد يوظف إمكانية تقديم بعض الحوافز إلى جانب مع التهديد بالعقوبات، للتأثير على الفاعل الآخر للتصرف بطريقة معينة عكس إرادته.

وتميز بعض الأدبيات بين الإكراه وبين الردع، حيث ترى أن الأول يقوم بشكل أساسي على رد الفعل Reactive(،) بينما يقوم الردع على المبادأة، إذ يبدأ الطرف الأول بممارسة التهديد لضمان منع الطرف الآخر من القيام بأي تصرفات معادية له أو غير مرغوب بها في المستقبل من خلال إظهار قدرة الفاعل الأول على الرد Retaliate() .)

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الدول تمارس الابتزاز ضد الفاعلين الآخرين كنوعٍ من التهديد أو الإكراه السلبي، لإجبارهم على القيام بأفعال ما؛ أي أن الابتزاز هو من أدوات التأثير Influence() التي تقوم على الإكراه والضغط والإرغام، وليس المساومة وتقديم الحوافز، ولكن لا يصل ذلك إلى حد استخدام القوة المسلحة لتحقيق أهداف الدولة التي تمارس الابتزاز، حيث إنه قد يتضمن فقط التلويح بممارستها بهدف تحقيق مصالحه كما يدركها.

ولا تتوقف عملية الابتزاز على أدوات وآليات التهديد التي يقوم بها الطرف المُرسل، بل إنها يجب أن تتضمن كذلك أنماط سلوك الفاعل المتلقي للابتزاز أو التهديد، وكيف سيتعامل معه، حيث توجد أنماط مختلفة، تشمل الانصياع للتهديد، ومن ثم تغيير السلوك وفقاً لرغبة الفاعل الذي يمارس التهديد، أو قد يلجأ الفاعل المتلقي إلى التجاهل أو المقاومة أو حتى ممارسة تهديدات موازية) .)

ثانياً: اأنماط الابتزاز واآلياته المختلفة

كما سبق، فإن الابتزاز آلية يستخدمها الفاعلون الدوليون أو الفاعلون ما دون الدول لتحقيق مصالحهم بأساليب غير مشروعة، وبما يضمن لهم التأثير على الفاعلين الآخرين – حلفاءً كانوا أم خصوماً - عن طريق الضغط والإكراه؛ ولذا فإن الابتزاز مثل بقية علاقات ممارسة القوة يجب أن تكون له أدواته اللازمة من القوة، سواءً كانت الصلبة أو الناعمة أو الذكية وغير التقليدية، وهو ما يمكن تناوله فيما يلي: 1- الابتزاز الصلب: يُعد الابتزاز من خلال استخدام الأدوات الصلبة هو النمط الأكثر شيوعاً في العلاقات الدولية من الناحية التاريخية، وهو ما يرتبط بتهديد فاعل دولي/ فاعلين

دوليين بإلحاق الضرر أو الأذى العسكري أو الاقتصادي بفاعل دولي/فاعلين آخرين، بهدف التأثير على سلوكهم وإجبارهم على القيام بسلوك معين أو منعهم من القيام بسلوك آخر.

وتتعدد أشكال الابتزاز الصلب ما بين الدول الخصوم، ولعل النمط الأكثر شيوعاً في هذا السياق هو ممارسة الأطراف الأقوى الابتزاز بالتلويح باستخدام قوتها، وميل نمط الاعتماد المتبادل غير المتوازن لصالحها عسكرياً واقتصادياً. ويظهر جانب من ذلك بشكل واضح في ممارسات إدارة "ترامب" بالتلويح المباشر بمراجعة المعونات الأمريكية المُقدمة إلى مختلف الدول حسب نمط سلوكها التصويتي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في بعض القرارات ذات الأهمية للإدارة الأمريكية، ومنها على سبيل المثال قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ فقد هدد "ترامب" بقطع المساعدات عن الدول التي تصوت ضد الموقف الأمريكي في جلسة الجمعية العامة بشأن القدس، قائلاً: "إنهم يحصلون على مئات الملايين من الدولارات، بل حتى مليارات الدولارات، ثم يصوتون ضدنا.. حسناً نحن نراقب تلك الأصوات") .)

وتأتي سياسة الولايات المتحدة ضد إيران وانسحاب ترامب من الاتفاق النووي بين مجموعة )5 + 1( وإيران، كأحد الأمثلة لاستخدام الولايات المتحدة سلاح التهديد والابتزاز للحصول على أكبر قدر من المنافع أو التنازلات من إيران.

ويمكن أن يأخذ الابتزاز شكلاً معاكساً، حين يأتي من جانب الخصم الأضعف، كحالة التهديدات النووية من جانب دول أضعف مثل كوريا الشمالية أو ايران، ضد أطراف أكبر وأقوى مثل الولايات المتحدة وحلفائها) .)

ولا تقتصر ممارسات الابتزاز على الخصوم، ولكنها تمتد أيضاً إلى الحلفاء، ويتنوع ذلك في العلاقات بين القوى الكبرى والدول الأصغر؛ فمثلاً تبرز حالة الضغط الأمريكي على الحلفاء في جنوب فيتنام لقبول اتفاق التسوية السلمية، على الرغم مما كان فيه من عيوب تضع سيطرة أكبر في يد القوات في شمال فيتنام، ولكن واشنطن مارست ضغوطاً شديدة على حلفائها، وهددت بقطع المساعدات الاقتصادية عنهم إذا لم يلتزموا بالاتفاق وبإنهاء الحرب، مما يُمكِّن الولايات المتحدة من سحب قواتها من فيتنام.

وينطبق الأمر نفسه على علاقة الولايات المتحدة بحلفائها الأساسيين مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية ودول حلف "الناتو"، حيث تقوم سياسة "ترامب" بشكل أساسي على محاولة الحصول على أكبر قدر ممكن من المزايا المالية والاقتصادية من جانب الحلفاء مقابل تقديم الدعم الأمريكي السياسي والعسكري.

وبالتالي فإن ممارسات الابتزاز تمتد أيضاً ما بين الحلفاء، حتى بين الدول الكبرى وبعضها البعض، وتتعدد الأمثلة التي تعكس توظيف "ترامب" لآليات التهديد والابتزاز في علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها الكبار؛ ففي المجال الاقتصادي، قام "ترامب" بفرض رسوم على واردات الولايات المتحدة من الألومنيوم والصلب من معظم الشركاء بما فيهم الاتحاد الأوروبي والمكسيك وكندا، بحجة أن المزايا الجمركية التي يحصل عليها الشركاء التجاريون للولايات المتحدة تُمكنهم من إدخال بضائعهم إلى السوق الامريكي على حساب السوق المحلي.

وفي حين استدعى هذا السلوك الأمريكي تصرفاً موازياً من جانب الاتحاد الأوروبي الذي قرر هو الآخر رفع التعريفة الجمركية على الصادرات الأمريكية، إلا أن الولايات المتحدة نجحت في إقناع أطراف أخرى بقبول نظام الحصص مرة أخرى على صادراتها إلى السوق الأمريكي، بما في ذلك كوريا الجنوبية وأستراليا والأرجنتين والبرازيل) .)

من ناحية أخرى، يستمر "ترامب" في إطلاق تهديدات وانتقادات بخصوص تحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر لتكلفة حماية الدول الأوروبية ودول حلف الأطلسي "الناتو"، وتأكيده على أن الولايات المتحدة ليس عليها أن تنفق تلك المبالغ الهائلة لتأمين الدول الأوروبية التي يجب أن تتحمل عبء الدفاع عن نفسها وتكاليفه المادية، حيث تطرق "ترامب" إلى ذلك بشكل واضح مؤخراً في قمة السبع الكبار التي عُقدت في كندا في يونيو 2018.

كما يأخذ الابتزاز أو التهديد الشكل الآخر في العلاقة بين الحلفاء، حيث يكون الطرف الأصغر أو الأضعف هو الذي

يحاول ممارسة التهديد أو الابتزاز في مواجهة الأطراف الأقوى. ويظهر ذلك مثلاً على المستوى الداخلي في الابتزاز السياسي المؤسسي من قبل الأحزاب الأصغر في الائتلافات الحكومية في حالة الحاجة إلى أصواتها لتجنب انهيار الحكومة، وهو ما يتضح كذلك في العلاقات الدولية في سلوك الحلفاء الأصغر أو الأطراف الأضعف ظاهرياً لدى الحاجة إليهم من قبل الحلفاء الأقوى أو في حالة التهديد بالقدرة على التأثير سلباً على الإطار المؤسسي للتحالف أو شبكة علاقات الاعتماد المتبادل ككل.

وقد ظهر ذلك، على سبيل المثال، في السلوك التركي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية في حرب احتلال العراق عام 2003، حيث دخل المسؤولون الأتراك في سلسلة مفاوضات مطولة مع نظرائهم الأمريكيين للاتفاق على ثمن المشاركة التركية في الحرب وفتح الجبهة الشمالية لاحتلال العراق عبر تركيا، في صورة تعويضات اقتصادية وضمانات أمنية وغيرها؛ وهو ما تعثر جزئياً في وقت لاحق مع عجز البرلمان التركي عن تمرير قرار المشاركة بالأغلبية المطلوبة) .)

وظهرت صورة أخرى لهذا الابتزاز من قبل الأطراف الأضعف نسبياً، في السلوك اليوناني إزاء الاتحاد الأوروبي، خلال الأزمة المالية اليونانية في بدايات عام 2010، وذلك اعتماداً على أن سقوط اليونان أو خروجها من الاتحاد - كسابقة في حينه - قد يهدد تجربة الاتحاد ككل، وهو ما نجحت ألمانيا في احتوائه جزئياً من خلال ابتكار خيارات جديدة مثل التلويح بإمكانية التجميد المؤقت لعضوية اليونان في الاتحاد الأوروبي حتى تتجاوز مشكلاتها.

وفي سياق الحديث عن الابتزاز الصلب، فقد برزت مؤخراً أنماط جديدة لا تعتمد على توظيف القوة العسكرية أو الاقتصادية للفاعل الذي يمارس التهديد أو الابتزاز بشكل مباشر ضد الفاعلين الآخرين، وإنما من خلال تصاعد ظاهرة قيام بعض الدول بتوظيف بعض الفاعلين من غير الدول على أسس مختلفة، سواء كانت أسساً دينية أو إثنية أو لغوية أو حتى مصلحية، واستخدامها كورقة تهديد تؤثر بها على مصالح الأطراف الأخرى.

ومن بين الأمثلة على ذلك استخدام روسيا للأقليات الروسية الموجودة في "كومنولث الدول المستقلة" كورقة ضغط لتهديد هذه الدول، والتلويح بإمكانية التدخل فيها تحت دعاوى حماية الأقليات الروسية من التعرض للاضطهاد.

وتبرز أمثلة عديدة على توظيف إيران لعلاقاتها مع الجماعات الشيعية في دول المنطقة العربية، كما في حالات حزب اله في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا وغيرها.

ولا يقتصر الأمر على استغلال الدول لعلاقاتها بجماعات تشترك معها على أسس دينية أو إثنية أو لغوية، وإنما قد يمتد الأمر إلى توظيف الدول لعلاقاتها مع بعض الفاعلين المسلحين من غير الدول، مثل العلاقات الأمريكية بوحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا كآلية للضغط، سواءً في مواجهة النظام السوري وحلفائه أو في مواجهة تركيا، وكذلك علاقات تركيا مع بعض الجماعات الإرهابية الموجودة في سوريا، وكذلك العلاقات التي ربطت سابقاً بين نظام "حافظ الأسد" والزعيم الكردي "عبداله أوجلان" وحزب العمال الكردستاني في تركيا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات. 2- الابتزاز الناعم: يعتمد هذا النمط من الابتزاز على أدوات غير صلبة لا ترتبط باستخدام القوة العسكرية أو فرض العقوبات الاقتصادية أو التلويح بإمكانية استخدامها، وإنما تعتمد بشكل أساسي على استخدام سياسات تشوه سمعة الدولة أو تظهرها بمظهر سلبي، وذلك في محاولة لإحراجها ومحاولة الحصول منها على تنازلات معينة. ولهذا يصعب قياس وتتبع ذلك النمط من الابتزاز أو بيان تأثيره المباشر، لأنه لا يرتبط بتهديدات مادية واضحة للأطراف الأخرى.

وتبرز على أرض الواقع العديد من الآليات والأدوات الرمزية التي يمكن أن تستخدمها الدولة أو الفاعل الدولي للتأثير على الطرف أو الأطراف الأخرى، وذلك كما يلي: أ- الوصم والتشهير، حيث تمثل استراتيجيات الوصم والتشهير ‪Shaming Strategies(‬ ) من خلال كشف أو فضح انتهاك الفاعل لمعايير وقيم والتزامات أخلاقية أو قانونية، إحدى الآليات التي يمكن للفاعل الدولي توظيفها لتحقيق الضبط والتحكم على فاعل آخر. وهنا لا تقتصر فاعلية آليات الإحراج إلى تأثيراتها الرمزية السلبية على مكانة الدولة، وإنما التخوف من أن تشكل مقدمة لعقوبات أو اشكال أخرى للتدخل والضغط) .)

وعلى الرغم من محدودية التأصيل النظري بشكل كاف في أدبيات العلاقات الدولية لآليات الإحراج والوصم، إلا أن بعض الدراسات الأكاديمية - لاسيما من أنصار المنظور البنائي الاجتماعي - قد اهتمت بالتطبيقات المختلفة لآليات الإحراج، خاصةً في مجال انتهاك حقوق الإنسان، فمثلاً يمثل الإحراج إحدى الآليات الأساسية لمنظمات المجتمع المدني الدفاعية والحقوقية، التي تستهدف التأثير بشكل مباشر على المسؤولين من خلال توضيح الانتهاكات والتجاوزات وبيان مسؤوليتهم عنها، أو تصعيد الضغط من خلال ما يعرف باسم "تعبئة الوصم والإحراج" Mobilization( ‪of Shame‬ ) عبر توظيف شبكات علاقات هذه المنظمات بالفاعلين الآخرين من الدول وغير الدول ممن يمكنهم ممارسة نفوذهم على المسؤولين أو الضغط عليهم سياسياً واقتصادياً - أو حتى عسكرياً - كي يغيروا سلوكهم.

وفي السياق نفسه، يمكن أن تستخدم الدول سياسة الإحراج والكشف عن انتهاكات أو ممارسات سلبية قامت بها دولة

أو دول أخرى في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو التلويح بكشف قضايا فساد، مثل تورط مسؤولين أو قيادات فيها، أو تسريب معلومات تتعلق بمخالفات معينة، سواءً على المستوى الداخلي أو في إطار علاقاتهم الخارجية.

ب- استخدام المقاييس الدولية وترتيب الدول فيها في المجالات المختلفة كأداة لتشويه سمعة الدولة أو التأثير السلبي عليها، فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في إصدار وتطوير مقاييس ومؤشرات الأداء وترتيب الفاعلين من الدول وغير الدول، في مختلف المجالات الأمنية العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية وغيرها. وواكبت ذلك زيادة مماثلة في الأدوار والقوة المعيارية للجهات المُصدِرَة لهذه المقاييس، لاسيما على ضوء تعبير مختلف الفاعلين عن اهتمامهم بهذه المؤشرات والمقاييس )دون إنكار تنوع استجاباتهم لها(، بحيث أصبح من الممكن الحديث عن "سياسات الترتيب والتقييم الدولية" كمجال بحثي جديد وأداة إضافية مُستحدثة يمكن أن يوظفها الفاعل الدولي على المستوى الرمزي للتأثير على الأطراف الأخرى.

وتمثل المؤشرات الصادرة لترتيب الدول في مختلف المجالات الأمنية العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية وغيرها، إحدى الآليات الناعمة للضغط والتأثير والتوجيه، سواءً من قبل الدول والفاعلين من غير الدول المُصدِرين لهذه المقاييس أو المتبنين لها لخدمة مصالحهم) ؛) حيث يمكن توظيف هذه المقاييس ضمنياً في ابتزاز الأطراف الأخرى موضع القياس والتقييم والترتيب، خصوصاً في حالة قدرة هذه المقاييس على التأثير على صورة الأطراف المُستهدفة وجاذبيتها وشرعيتها داخلياً وخارجياً في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، بل وحتى الأمنية، كحليف موثوق فيه أو فاعل مستقر أمنياً، بما يؤثر بشكل جذري على مصالحها وهوامش الحركة المُتاحة لها داخلياً وإقليمياً ودولياً.

وفي هذا الصدد تبرز العديد من الأمثلة للمقاييس، مثل مؤسسة فريدوم هاوس ‪Freedom House(‬ ،) وهي منظمة أمريكية غير حكومية تعمل منذ عام 1941، وتقوم بمتابعة ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان في مختلف دول العالم، وتصدر تقريراً سنوياً تٌقيم فيه حالة الحقوق والحريات في العالم، علاوة على تقريرين آخرين أحدهما يتعلق بحرية الصحافة والآخر يعنى بحرية الإنترنت والوصول إلى المعلومات. وعادةً ما تلاقي التقارير والتقييمات السنوية التي تُصدرها هذه المؤسسة اهتماماً كبيراً على المستوى العملي والبحثي. ولكن تعرضت المؤسسة وتقاريرها لانتقادات عديدة تتعلق بمدى نزاهتها وحيادها، خاصة في ضوء اعتمادها الكبير على الحكومة الأمريكي في الحصول على التمويل، والذي وصل إلى ما يقرب من 88% من إجمالي التمويل الذي حصلت عليه في عام 2016 .) ج- التأطير السلبي المُتبادل بين الأطراف وإظهار كل طرف للآخر باعتباره هو مصدر التهديد وأن الطرف الآخر يقوم بالدفاع عن نفسه، فعلى الرغم من أن سلوك دول مثل إيران وكوريا الشمالية في تهديدهما المتمثل في تطوير برامج نووية يشكل نوعاً من "الابتزاز النووي" بسبب التهديد بامتلاك قدرات غير تقليدية لتحقيق مصالحهما أو الحصول على امتيازات في مواجهة دول الجوار الإقليمي والولايات المتحدة للتراجع عن هذه البرامج أو تحجيم نطاقها؛ فإن ما تقوم به الدولتان - من منظور نخبها وحلفائها - هو محاولة لحماية مصالحهما وردع تعرضهما للابتزاز في صورة عقوبات، بل واحتمالات للتدخل العسكري، حال التخلي غير المشروط عن عناصر القوة المختلفة للدولة ومن بينها البرامج النووية.

وينطبق الأمر ذاته على تركيا في توظيفها ورقة المهاجرين واللاجئين في مواجهة الاتحاد الأوروبي، فبينما يعتبر الاتحاد الاوروبي السلوك التركي نوعاً من الابتزاز للحصول على مكاسب أمنية واقتصادية وسياسية من الاتحاد ودوله؛ فإن تركيا – على الجانب المقابل – تعتبر ذلك محاولة للحد من أنماط الابتزاز السياسي التي تتعرض له من دول الاتحاد من خلال التقييم السلبي للنظام التركي، ومحاولة تحميل دول الاتحاد مسؤوليتها في المشاركة في مواجهة أزمة اللاجئين السوريين وعدم تحويل تركيا إلى دولة عازلة دون تحمل أي تكاليف. د- استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من جانب كبار الشخصيات وصانعي القرار لإصدار تصريحات أو تعليقات موجهة ضد دولة أخرى أو فاعل آخر، حيث تأتي "تغريدات" الرئيس الأمريكي "ترامب" كأحد الأمثلة الواضحة على استخدام تلك الآلية الرمزية في توجيه صانع القرار للتهديدت أو الانتقادات للخصوم والحلفاء على حد سواء.

وعلى سبيل المثال، وجه "ترامب" عبر حسابه الشخصي على "تويتر" انتقادات حادة إلى إيران نظراً لتراجع سجل حقوق الإنسان والديمقراطية بها، كنوعٍ من تصعيد الضغط عليها في سبيل الحصول على مزيد من التنازلات فيما يتعلق بإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي، بينما تراجعت وتيرة الانتقادات على المستوى الرمزي والدبلوماسي ضد كوريا الشمالية بالخصوص نفسه تماشياً مع اتجاه العلاقات بين الطرفين إلى التهدئة.

وفي السياق نفسه، قام "ترامب" بنشر بعض التغريدات أيضاً على حسابه الشخصي بعد مغادرته لقمة السبع الكبار الأخيرة التي عُقدت في كندا، ووجه فيها انتقادات لاذعة لدول الناتو، حيث ذكر أنها تتمتع بالركوب المجاني على ظهر الولايات المتحدة لضمان أمنها من دون تحمل نصيبها من تكلفة الدفاع عنها وتأمينها، كما توعد بفرض رسوم جمركية كبيرة على الواردات الأوروبية) .) 3 - أنماط غير تقليدية من الابتزاز: لا يرتبط هذا النمط باستخدام الأدوات الصلبة، وإنما يعتمد بشكل أساسي على توظيف أوراق وقضايا أخرى تدخل في خانة القضايا غير التقليدية، التي لا تتخذ شكلاً صلباً ولا ناعماً، ولكنها تترك تداعيات غير مباشرة على الدولة أمنياً وعسكرياً ومجتمعياً، مثل قضايا المهاجرين واللاجئين والمياه، وغيرها؛ حيث يتم توظيفها وربطها بقضايا أخرى للضغط على الفاعل الدولي ومحاولة الحصول منه على منافع معينة.

وتأتي السياسة التركية في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين ومحاولة توظيفه للحصول على أكبر قدر ممكن من المنافع والتنازلات من جانب الاتحاد الاوروبي كمثالٍ واضحٍ على هذا النمط من التهديد/ الابتزاز؛ إذ تُعد تركيا إحدى أكبر الدول المستقبلة للاجئين السوريين بعدما بلغ إجمالي اللاجئين السوريين فيها ما يقرب من 2.5 مليون فرد في عام 2015 وقد نجحت تركيا في إبرام اتفاق مع الاتحاد الاوروبي في مارس 2016 لمعالجة تدفق اللاجئين عبر بحر إيجه من تركيا إلى اليونان.

وتمثلت أهم بنود الاتفاق في إعادة جميع اللاجئين الجدد الذين يصلون من تركيا بهدف وضع حد للرحلات الخطيرة عبر بحر إيجة والقضاء على عمل المهربين. ووفقاً للاتفاق الأوروبي-التركي، فإنه مقابل عودة كل مواطن سوري من اليونان إلى تركيا ستتم إعادة توطين مواطن آخر في الاتحاد الأوروبي مباشرة من تركيا. وتهدف هذه الآلية التي تُسمى (1:1( إلى السيطرة على تدفقات الهجرة غير المشروعة التي تتم عن طريق شبكات التهريب عبر بحر إيجة مقابل تشجيع عملية إعادة التوطين التي تتم في إطار منظم وقانوني) .)

وفي مقابل ذلك تحصل تركيا على مجموعة من المزايا، والتي تشمل: العمل على خريطة الطريق للسماح بإعفاء مواطني تركيا من تأشيرات الدخول إلى أوروبا في مهلة كان أقصاها نهاية يونيو 2016، على أن تستوفي تركيا المعايير ال 72 التي ينص عليها الاتحاد الاوروبي، وتقديم مساعدات مالية، حيث يلتزم الجانب الأوروبي بتقديم مساعدات قدرها 3 مليارات يورو من أجل تحسين ظروف معيشة اللاجئين، وحين تصبح هذه الموارد على وشك النفاذ يلتزم الاتحاد الأوروبي بتقديم تمويل إضافي مماثل بحلول نهاية عام 2018 .) وتعد الميزة الأهم التي سعت إليها تركيا هي موافقة الاتحاد الأوروبي على فتح الفصل ال 33 المعني بالمسائل المالية ضمن المحادثات الأوروبية - التركية بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد، بالإضافة إلى التسريع بفتح فصول جديدة.

وعلى الرغم من دخول الاتفاق حيز النفاذ ووجود بعض المؤشرات التي تعبر عن نجاح الاتفاق التركي الأوروبي، خاصة في ضوء تراجع تدفقات اللاجئين عبر بحر إيجة من تركيا إلى اليونان من متوسط يومي يقرب من 1740 شخصاً خلال الشهر قبل عقد الاتفاق إلى متوسط يومي بلغ 47 شخصاً خلال الفترة )مايو – يونيو 2016(، بالإضافة إلى الانخفاض الملحوظ في عدد الوفيات التي تحدث أثناء محاولة اللاجئين الوصول إلى الشواطئ اليونانية، وفقاً للاتحاد الأوروبي، بعد تراجعها إلى 11 حالة شهرياً فقط بعد تنفيذ الاتفاق، مقارنة ب 89 حالة في شهر يناير 2016 فقط) ،) فإن تركيا استمرت في توظيف ورقة اللاجئين السوريين للضغط على الاتحاد الأوروبي لتنفيذ التزاماتها في الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بتسريع فتح ملفات جديدة بشأن مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد، وكذلك تحرير تأشيرات الأتراك إلى دول الاتحاد.

كما استمر توظيف تركيا لورقة اللاجئين نفسها في علاقتها مع اليونان، والتي شهدت العديد من الأزمات، خاصة في ضوء الخلافات التاريخية والحدودية بين الطرفين، فقد علقت تركيا اتفاقها مع اليونان لإعادة قبول اللاجئين العائدين، وذلك رداً على قرار أثينا إطلاق سراح 4 جنود أتراك كانوا قد فروا إليها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في يوليو 2016 وقرار المحكمة الإدارية العليا في اليونان بمنحهم حق اللجوء) .)

وعلى الرغم من تأكيد وزير الخارجية التركي "شاويش أوغلو" أن الاتفاق التركي – الأوروبي لا علاقة له بوقف الاتفاق اليوناني – التركي، فإن هذه الخطوة من جانب تركيا تمثل ابتزازاً واضحاً لليونان ولغيرها من الدول الأوروبية فيما يتعلق بإمكانية استضافة وقبول من شاركوا في محاولة الانقلاب أو فيما يتعلق بالتباطؤ الأوروبي في تنفيذ التزاماته في ضوء الاتفاق مع تركيا.

من جانب آخر، قد يمثل امتلاك الدولة موارد طبيعية مهمة أو مصادر الطاقة الرئيسية مصدراً آخر لقوتها، بحيث يمكن توظيفه في ممارسة التهديد للأطراف الآخرين، خاصة إذا ما صاحب ذلك درجة اعتماد كبيرة من جانب تلك الدولة على الدولة أو الدول الأخرى. وفي هذا الصدد، تبرز حالة روسيا واستخدامها للغاز كورقة ضغط مهمة في إداراة علاقاتها الخارجية كمثال آخر على هذا النمط غير التقليدي للتهديد والابتزاز.

وتظهر أهمية الغاز الروسي كورقة ضغط مهمة في يد روسيا لتحقيق مصالحها وضمان نفوذها، خاصة في منطقة الكومنولث، حيث تعتمد معظم دول هذه المنطقة بشكل كبير على روسيا في الحصول على الغاز والنفط الروسي، كما أن بعض دول المنطقة، مثل أوكرانيا، تمتد في أراضيها الأنابيب التي تنقل النفط والغاز الروسي إلى الدول الأوروبية.

ويمتلئ التاريخ القريب بالعديد من الأمثلة لاستخدام روسيا سلاح الغاز في التأثير على جيرانها وعلى النظم القائمة، لضمان ولائها للمصالح الروسية حتى قبل تفكك الاتحاد السوفييتي؛ فمثلاً قام الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي بقطع إمدادت الغاز والنفط إلى دول البلطيق لمنعها من الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي. وفي أعقاب الثورة البرتقالية في أوكرانيا في عام 2004، والتي أتت بنظامٍ موالٍ للاتحاد الأوروبي، قامت روسيا بافتعال العديد من الأزمات بخصوص بيع وتسعير ونقل الغاز إلى أوكرانيا بهدف إفشال الثورة البرتقالية حتى لا تقدم مثالاً لدول الكومنولث الأخرى أو لتيارات المعارضة في روسيا نفسها، ولتعطي رسالة تحذير قوية في نفس الوقت لدول الكومنولث الأخرى من عواقب التقارب مع الاتحاد الأوروبي على حساب المصالح الروسية.

وقد تكرر الأمر بعد أحداث عام 2014 التي أطاحت بالرئيس الأوكراني "يانكوفيتش" الموالي لروسيا وجاءت بنظام جديد أكثر موالاة للغرب، حيث قامت روسيا خلال أقل من أسبوع في أواخر مارس وأوائل أبريل 2014 برفع سعر صادرات الغاز إلى أوكرانيا من 268,5 دولار لكل مليون متر مكعب إلى 385,5 دولار لكل مليون متر مكعب، وفي نهاية المطاف إلى 485 دولاراً.

وقد رصدت إحدى الدراسات أن روسيا قامت باستخدام اعتماد جيرانها على إمدادات الغاز والنفظ الروسي أكثر من 15 مرة منذ تفكك الاتحاد السوفييتي للتأثير على تلك الدول والحصول على تنازلات منها أو ضمان استمرارها في فلك روسيا وعدم الاتجاه نحو الغرب. وتعددت الأشكال ما بين قطع الامدادت أو تعطيلها، والمبالغة في تسعير الغاز والنفط، والمطالبة برد الديون أو المبالغ المطلوبة نظير الحصول على تلك الإمدادات) .)

وبشكلٍ موازٍ حاولت روسيا استخدام اعتماد العديد من الدول الأوروبية الكبرى عليها في الحصول على احتياجاتها من الغاز للتأثير على مواقف تلك الدول، حيث تحصل ألمانيا وإيطاليا على أكثر من 30% من صادراتهما من النفط والغاز من روسيا، وهو ما ضمن لموسكو نسبياً عدم مساندة الدولتين للنظام الجديد في أوكرانيا المعادي لروسيا وإبعاد الاتحاد الأوروبي بصفة عامة عن دائرة النفوذ الروسي في منطقة دول الكومنولث.

ثالثاً: محددات فاعلية ا�ستخدام الابتزاز

يشمل الابتزاز باعتباره شكلاً من أشكال ممارسة القوة بهدف التأثير على ثلاثة عناصر رئيسية، وهي الأفعال التي قد تؤثر على الطرف الآخر، والموارد المتاحة لفاعلية عملية التأثير بل والقدرة على استخدامها الفعلي، واستجابة أو رد فعل الطرف المتلقي للابتزاز.

ولهذا تتوقف فاعلية توظيف الابتزاز كأداة للضعط من قبل فاعل دولي تجاه آخر على عدة عوامل مختلفة ومتداخلة، تجمع بين مصداقية التهديدات والقدرة على تنفيذها بأدوات مختلفة، وهو ما يتوقف نسبياً على طبيعة النظام السياسي

ونمط اتخاذ القرارات في الدولة التي تمارس الابتزاز، وكذلك على نمط الاستجابة من الطرف الذي يتعرض للابتزاز، وهو ما يمكن إيجازه في الآتي: 1- مصداقية التهديدات: يُقصد بمصداقية التهديدات "درجة إقناع الفاعل الذي يمارس الابتزاز الطرف المتلقي وتعزيز توقعاته بأن الطرف المُرسل قادر فعلاً على إلحاق الضرر به إذا لم ينصع للتهديد وينفذ ما يمليه عليه الطرف المُرسل".

ويشير البعض إلى قدرة الطرف المُرسل على التلاعب بتوقعات الطرف المتلقي وتعزيز شعوره بالشك وعدم التأكد واليقين من الطريقة التي سوف يتصرف بها الطرف المُرسل، بما يُسهم في زيادة فرص واحتمالات قبول الطرف المُستقبل لما يمليه عليه الطرف الذي مارس الابتزاز.

كما تشير بعض الأدبيات إلى أنه يُمكن، في بعض الأحيان، للطرف الذي يمارس الابتزاز أن يٌظهر نفسه بشكل الطرف الذي يتصرف بطريقة غير عقلانية أو غير متوقعة، بما يجعل من الصعب على الأطراف الأخرى توقع ما سيفعله هذا الطرف بالضبط بناءً على الحسابات العقلانية الرشيدة. ويُصعب هذا الوضع الملتبس على تلك الأطراف اتخاذ القرار بعدم الانصياع حتى إذا بدا الأمر في صالحهم اعتماداً على الحسابات العقلانية؛ ومن ثم تزيد احتمالات انصياعهم لتهديد أو ابتزاز الطرف الأول تخوفاً من رد فعله غير المتوقع.

وهنا يشير البعض إلى سياسة "هتلر" المعروف ب "الاستخدام السياسي للجنون" ‪The Political Use of"(‬ )"Madness وينطبق الأمر نفسه نسبياً على الرئيس "ترامب" الذي يحاول توظيف صورته كقائد غير عقلاني أو متهور في ممارسة الضغط أو الابتزاز ضد الأطراف الأخرى للحصول منهم على تنازلات أو التأثير على سلوكهم اعتماداً على تخوفهم من احتمال تصعيد "ترامب" لتهديداته أو تنفيذها قياساً على أنه قد يسلك سلوكيات غير عقلانية. 2- امتلاك عناصر القوة والقدرة على التنفيذ: تعتمد مصداقية الطرف الذي يمارس الابتزاز على قدراته المختلفة، من القوة الصلبة والناعمة والذكية، التي تُمكنه من تحقيق أهدافه تجاه الطرف أو الأطراف المتلقية، وكذلك على نواياه في تنفيذ الأهداف التي يمارس الابتزاز من أجلها بوسائل مختلفة، ولكن هذا أيضاً يعتمد بالمثل على الطرف المتلقي وعلى نوع الإكراه المفروض عليه وما إذا كان يمكن للطرف المُرسل تحقيقه أم لا، وهو ما يعتمد من جانب ثالث على الخبرات السابقة لدى الطرفين من حيث إرسال واستقبال عناصر وآليات الابتزاز وكيفية التعامل معها.

ولا يعني ذلك أن الطرف الذي يمارس الابتزاز ويمتلك عناصر القوى الصلبة كافة يكون قادراً فعلياً على تحقيق أهدافه؛ فعلى سبيل المثال تثور بعض التساؤلات حول جدوى امتلاك السلاح النووي وإلى أي مدى يُمكن أن يُمثل أداة مهمة للابتزاز أو التهديد ضد الأطراف الأخرى، خاصة إذا ما لم تكن الدولة تمتلك السلاح النووي بالفعل. فمن ناحية، أشارت بعض الأدبيات إلى أن امتلاك السلاح النووي قد يكون سلاحاً قوياً للردع، ولكنه لا يمثل أداة قوية مماثلاً للتهديد أو الابتزاز، لأن طبيعة السلاح النووي والآثار التدميرية المُصاحبة له تشكل عاملاً سلبياً في مصداقية التهديد الذي يمكن أن يوجهه الطرف الذي يمارس الابتزاز للطرف الآخر، لأنه غالباً ما تكون المصالح المُختلَف عليها بين الطرفين ليست بالقدر الذي يستدعي فعلاً استخدام السلاح النووي على العكس من الردع الذي قد يكون مرتبطاً بمسألة البقاء أو المصالح الحيوية للدولة، مثل الردع النووي الأمريكي ضد الاتحاد السوفييتي في حالة تهديد الأخير دول غرب أوروبا) .)

وفي هذا السياق تأتي الدراسة الكمية لكلٍ من ‪Sechser and Fuhrmann(‬ ،) والتي بحثت ما يقرب من 200 موقف بين دول نووية ودول غير نووية خلال الفترة )1918 – 2001(، وخلصت إلى أن الدول النووية لم تكن أكثر قدرة على التأثير في أو إكراه الأطراف الأخرى على تغيير مواقفها) وفسرت الدراسة هذه النتائج بأن التهديد باستخدام القوة العسكرية يتيح لصاحب تلك القوة القدرة على التوسع واحتلال مناطق أخرى والحصول على أراضٍ وتعزيز قدرة الدولة على معاقبة الخصم بتكلفة مقبولة، وأن الأسلحة التقليدية تمكنت طيلة الوقت من تحقيق هذه الأهداف، التي يصعب تحقيقها من خلال التهديد باستخدام الأسلحة النووية. وهنا فإنه حتى مع امتلاك السلاح النووي فإنه قد لا يفي بالغرض في تهديد أو إكراه الطرف الآخر على القيام بسلوك معين لأنه يدرك تماماً أن الطرف الأول سوف يفكر أكثر من مرة قبل استخدام السلاح النووي لما له من آثار تدميرية هائلة قد تدمر مصالح الطرف الأول نفسه أو ما يسعى إلى تحقيقه، فمثلاً من غير المنطقى أن تُقدم الصين على استخدام السلاح النووي للحصول على الجزر المتنازع عليها مع اليابان) .)

ويرى البعض الآخر أن مجرد امتلاك الدولة للسلاح النووي قد يلعب دوراً في التأثير على قدرة الدولة على ابتزاز الآخرين حتى لو لم تصرح الدولة بتهديدها باستخدامه، لأن كل الأطراف الأخرى على وعي بإمكانية استخدام هذا السلاح، ومن ثم يري هذا الاتجاه أن امتلاك الفاعل للسلاح النووي يُغير من السياق الذي تدور فيه العلاقة بين الطرفين ويتيح له قدرة أكبر على التأثير والابتزاز حتى لو لم يصرح بذلك بشكل واضح أو مباشر ‪Blackmail in Nuclear(‬ ‪.) )Context‬ 3- تعقد النظام المؤسسي في الدولة التي تُمارس الابتزاز: يشكل تعقد النظام المؤسسي في الدولة التي تقوم بالابتزاز وتعدد المؤسسات الفاعلة في مجال السياسة الخارجية ورقة يمكن أن يوظفها الفاعل الدولي في استخدام سياسة الابتزاز.

وهنا قد تتبنى مؤسسات الدولة لعبة تقاسم الأدوار فيما بينها، حيث يطرح طرف منهم موقفاً متشدداً، بينما تحاول أطراف أخرى إبداء موقف أكثر مرونة لفتح الباب أمام الطرف الآخر بما يمهد له قبول ما يعرضه عليه.

والمثال على ذلك قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب )جاستا(، والذي مرره الكونجرس الأمريكي في سبتمبر 2016، ويسمح لذوي ضحايا هجمات "11 سبتمبر" بمقاضاة حكومة وأفراد الأسرة المالكة السعودية، كما أن القانون يعطي الحق للحكومة الأمريكية في الحجز على الأصول المالية السعودية المقدرة بنحو 750 مليار دولار في الولايات المتحدة؛ حيث تم تمرير القانون بأغلبية ساحقة في الكونجرس. وقد لاقى الحديث حول هذا القانون استهجاناً شديداً لأنه يمثل سابقة في تاريخ السياسة الأمريكية، لاسيما أنه يتعارض مع مبدأ السيادة التي تتمتع بها الدول وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما اعتبره الكثيرون ابتزازاً واضحاً للسعودية بهدف الضغط عليها لتمرير الاتفاق النووي الإيراني وعدم عرقلته.

من ناحية أخرى حاول الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" في هذا الوقت موازنة دور الكونجرس من خلال خروجه للتأكيد على رفضه لمشروع القانون وتعهده باستخدام الفيتو لنقضه وإعادته إلى الكونجرس) .) -4 العوامل الداخلية لدى الطرف المتلقي للابتزاز: اهتمت بعض الأدبيات برصد الظروف الداخلية للفاعل المتلقي ومدى تأثيرها على رد فعله ما بين المقاومة أو الانصياع والقبول للتهديدات التي يمارسها الطرف المرسل للابتزاز. ومن هذه العوامل، مثلاً، درجة تأثير قرار الفاعل المتلقي على استمرار النظام السياسي القائم، أي ما هو رد الفعل الأكثر ملاءمة لمصالح النظام )الامتثال أم المقاومة(؟ وما هي التكلفة الاقتصادية للامتثال للتهديدات مقابل المقاومة، وموقف النخب المحلية المؤيدة والمعارضة للامتثال أو المقاومة ضد الفاعل المرسل؟ حيث يشير البعض إلى أن مواقف النخب الاقتصادية عادة ما تكون أكثر ميلاً إلى المهادنة خاصة إذا ما ارتبطت التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية معينة تضر بمصالحها. ويعطي أصحاب هذا الاتجاه مثالاً بتأثير نخبة رجال الأعمال على قرار العقيد "معمر القذافي" المفاجئ بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل في أواخر عام 2003، لأنهم كانوا الأكثر تضرراً من العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على ليبيا في ذلك الوقت.

رابعاً: اآليات التعامل مع الابتزاز

تتعدد الآليات التي يمكن توظيفها من قبل الطرف المتلقي في التعامل مع الابتزاز، وذلك من خلال مجموعة من الأدوات الصلبة وأخرى من الوسائل الناعمة، وذلك على النحو التالي: 1- الآليات الصلبة: تتضمن بعض هذه الآليات العناصر التالية، والتي يمكن استخدام بعضها أو الجمع بينها، وهي: أ - محاولات قيام الفاعل الذي تعرض للتهديد أو الابتزاز ببناء قدراته الاقتصادية والعسكرية بما يٌمكنه من التعامل مع التهديدات التي يواجهها، وكذلك محاولة الفاعل التحول نحو بناء تحالفات اقتصادية أو عسكرية بديلة تمثل له قدراً من الحماية أو التعويض لأية نتائج سلبية أو خسائر قد تنجم عن تعرضه للتهديد.

وعلى سبيل المثال اتجهت العديد من دول شرق أوروبا مثل بولندا ودول البلطيق إلى الحصول على تأكيدات وضمانات من حلف "الناتو" بالدفاع المشترك عنها لموازنة التهديد الروسي، خاصة في أعقاب اجتياح روسيا لجزيرة القرم وتدخلها في شرق أوكرانيا، وسعت هذه الدول من خلال عضويتها في الاتحاد الأوروبي إلى الضغط على الاتحاد لتبني موقفٍ أكثر تشدداً تجاه روسيا، حيث دفعت تلك الدول في اتجاه ضرورة تقديم الدعم العسكري واللوجستي للقوات الأوكرانية في شرق أوكرانيا وأعربت عن استعدادها للمساهمة في تقديم هذا الدعم، بل وسعت إلى فرض وتشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا) .) ب- الاستجابة الجزئية للضغوط مع محاولة كسب الوقت وتأجيل تنفيذ التنازلات أو الالتزامات المفروضة على الفاعل الدولي، ومن ذلك موقف الاتحاد الأوروبي من تركيا في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين، إذ وضعت دول الاتحاد العديد من العقبات أمام تنفيذ بعض بنود الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بالتزامات الأوروبيين بخصوص تحرير التأشيرة أمام الأتراك، وكذلك تسريع مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد؛ فمثلاً فيما يتعلق بتحرير نظام التأشيرات، كان من المفترض أن تلتزم تركيا بتحقيق 72 معياراً أو بنداً للحصول على هذا الامتياز، إلا أن الاتحاد الأوروبي أبدى تحفظه حول سبعة بنود يجب أن تستوفيها تركيا وتعلل الاتحاد بأن بعض هذه النقاط تحتاج إلى وقت طويل نسبياً لتحقيقها، ما يعكس يعكس رغبة الاتحاد الأوروبي في كسب مزيد من الوقت وتأجيل تنفيذ التزامه المتعلق بتحرير التأشيرات أمام تركيا في ضوء عدم تحمس العديد من الدول الاعضاء لمنح تركيا هذا الامتياز) .) ج - تبني آليات عقابية مضادة، مثل فرض رسوم من جانب الاتحاد الأوروبي على الواردات الأمريكية للرد على سلوك الولايات المتحدة وفرضها رسوم على الواردات الأوروبية

في قطاع الصلب والألمونيوم. والأمر نفسه ينطبق على الموقف الأوروبي تجاه روسيا، حيث قام الاتحاد الأوروبي بفرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية ضد روسيا بغرض مواجهة التهديد الروسي وتدخلها في شرق أوكرانيا واحتلالها لجزيرة القرم ومحاولة روسيا توظيف سلاح الغاز لإثناء الاتحاد الأوروبي عن مساندة النظام الأوكراني الجديد. 2- الآليات الناعمة: من الأدوات الناعمة التي تتبعها الدول للرد على والتعامل مع الطرف الذي يمارس فعل الابتزاز ما يلي: أ- الشفافية والحكم الرشيد: يأتي تعزيز آليات الحكم الرشيد وما ينطوي عليه من مبادئ الشفافية والمحاسبة كأحد الوسائل التي قد تتبعها الدول لضمان عدم تعرضها للابتزاز أو التهديد من جانب أطراف أخرى فيما يتعلق بفضح أو كشف أسرار أو معلومات قد تحرج الدولة أو النظام القائم أمام الرأي العام.

وفي السياق نفسه قد تلجأ بعض النظم لخيار الإفصاح والإعلان عن طبيعة الضغوط التي يتعرض لها الفاعل والمبادرة بالكشف الذاتي لمواجهة محاولة الابتزاز أو المعلومات التي يهدد الطرف المبتز بفضحها، ولكن يظل الأمر مرهوناً جزئياً بطبيعة المعلومات ومدى سلبياتها وتأثيرها على مصالح الدولة أو بقاء النظام وتبعات الكشف والإعلان عن تلك المعلومات. ومن ناحية أخرى فإن خيار المبادرة بالكشف الذاتي عن مثل هذه المعلومات أو محاولات الابتزاز يسمح بالقدرة على تأطير القصة أو الرواية بشكل أكثر حفاظاً على صورة ومصالح الطرف المُعرَّض للابتزاز، في مقابل تأطير سلبي أعلى للطرف القائم بالابتزاز. ب- اللجوء إلى القانون والمنظمات الإقليمية والدولية: على الرغم من أن خيار اللجوء إلى السلطات القانونية يبدو غير متاح على المستوى الدولي بالشكل المناظر لمثيله على المستوى المحلي في مواجهة محاولات الابتزاز، لكن يظل من الممكن اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية ومحاولة إثارة المسؤولية الدولية في مواجهة الطرف القائم بالابتزاز في بعض الأحيان، لاسيما حال ارتباط أدوات الابتزاز بممارسات موضع تجريم في القانون الدولي كالتهديد باستخدام القوة أو استخدامها فعلياً. ج- تبني الدولة أو الفاعل الذي يتعرض للتهديد، عن طريق التلويح بإفشاء أسرار معينة، سياسة اللجوء إلى آليات الحظر والرقابة لتقليل تدفق المعلومات أو التسريبات من جانب الأطراف الأخرى، ومن ذلك مثلاً حالة الصين التي أصرت على أن تقوم شركة "جوجل" بفرض رقابة على بعض نتائج البحث منذ بدء توفير خدمة "جوجل" في البلاد عام 2006. كما حاولت الصين من ناحية أخرى توفير محرك بحث محلي هو "بايدو" ليكون منافساً لجوجل.

ويمكن لبعض الفاعلين اللجوء إلى خيار التجاهل وعدم تسليط الضوء على ما يعتبره الطرف المبتز أسراراً، خصوصاً في ضوء تعدد حالات التسريب، بما يجعل الاهتمام الدولي والمحلي أقل نسبياً. د- التأطير السلبي المضاد عن طريق محاولة الفاعل الذي يتعرض للابتزاز كشف سلبيات الأطراف الأخرى، ومن ذلك، مثلاً، قيام الصين يإصدار تقارير حول وضع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، رداً على التقارير التي تصدرها المؤسسات الأمريكية وتتعرض فيها لانتقادات حول وضع حقوق الإنسان في الصين؛ فمثلاً أصدرت الحكومة الصينية تقريراً في عام 2018 اتهمت فيه الولايات المتحدة بانتهاكات عديدة للحقوق المدنية واستمرار التفرقة العنصرية ووجود عيوب خطيرة في النظام الديمقراطي الأمريكي واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الأمريكي) .) ه - إصدار مقاييس بديلة للتقليل من أو موازنة الأهمية النسبية التي قد تتمتع بها مقاييس معينة تستخدمها الدول أو الفاعلون الدوليون للتأثير على مكانة أو صورة الدولة، ففي هذا الصدد قد يلجأ الفاعل الدولي إلى طرح مقاييس وطنية أو إقليمية بديلة أو مقابلة، وهو ما ظهر مثلاً في طرح الصين تصنيفاً بديلاً للجامعات العالمية، وكذلك طرح الصين وروسيا التعاون مع إيجان جونز ‪Egan Jones‬ (وهي رابع أكبر منظمة دولية للتصنيف بعد موديز Moody's وستاندارد آند بورز ‪Standard and Poor's‬ وفيتش Fitch) لإنشاء مقياس عالمي جديد لتصنيف الجدارة الائتمانية يكون مقره هونج كونج كي يشكل بديلاً للتصنيفات الغربية) .)

وعلى المنوال نفسه قد تحاول الدولة أو الفاعل الذي يتعرض للتهديد التأطير التآمري لسلوك الدول أو الفاعلين الآخرين مثل موقف النظام التركي في التعامل مع التسريبات بخصوص قضايا الفساد التي طالت عدداً كبيراً من كبار المسؤولين والمقربين من الرئيس "رجب طيب أردوغان"، حيث حاول النظام التركي تصوير الأمر باعتباره مؤامرة هدفها إحباط النموذج التركي، واتهم أردوغان وقتها حركة "فتح اله كولن" الدينية، بأنها السبب في تلك التسريبات، وأنها "ذراع لقوى خارجية تحاول إسقاط حكومته"، من خلال "فبركة اتهامات بالفساد عبر رجالها في مؤسسات الأمن والقضاء) .)

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.