Regionalization

سياسات الدول العربية تجاه ”الشرق الأوسط المحتمل“

Trending Events - - الافتتاحية - د. محمد عبدالسلام مدير المركز أبوظبي، 2018

إذا تم الإصرار على طرح السؤال نفسه، بالطريقة نفسها، مرة بعد أخرى، فليس علينا أن نتوقع إجابة مختلفة، أو صيغة قابلة للتطبيق، فأي سؤال حول “موقع العرب في النظام الإقليمي الذى يتشكل حالياً”، يستدعى الإجابة القديمة نفسها، التي استسلم الجميع لها، لكن الأهم أنه يؤدي إلى تجاهل تفاعلات تجري على الأرض، لو تم النظر اليها أولاً، سيكون الأكثر منطقية أن يطرح سؤال عما تقوم به “الدول العربية الرئيسية” حالياً للتعامل مع التحولات التي تتم من خلالها عملية تشكيل الإقليم، والإجابة من البداية، هي أنه أصبحت لسياسات معظمها “أبعاد شرق أوسطية”.

لقد شهدت الأشهر الثلاثة الماضية، ما يعتبر حرفياً، انفجاراً لأنشطة علمية مكثفة تتناول حالة ومستقبل الشرق الأوسط وترتيبات الأمن الإقليمية المحتملة فيه، سواء كان ذلك مقالات أو دراسات أو حلقات نقاش، وكذلك “لقاءات خاصة”، تبدو الدول العربية فيها أحياناً، وكأنها خارج الصورة، على الرغم من أنها ليست كذلك، فإذا نحينا مؤقتاً تأثيرات “متلازمة سوريا” التي توحي بأن الدول العربية “خارج الإقليم”، يتمثل جزء من الإجابة في أنه أصبحت لدى الدول العربية عملياً “سياسة إقليمية”.

إن من يدرك الكيفية التي تدار بها “الأكاديميا المؤثرة” عموماً، بعيداً عن مراكز الدراسات الصغيرة أو “النظرية”، أو التي تعمل بالقصور الذاتي بعيداً عن “الأحداث”، يعرف نسبياً من أين تأتي الأفكار، فهي ليست توارد خواطر أو ضربات عشوائية، وإنما – فيما يتعلق بالتيار الرئيسي لها على الأقل – كالتالي: 1- محاولات لتحليل واقع يتشكل في المنطقة، من خلال مشروعات علمية منظمة، يتم تمويلها من جهات مختلفة، لرصد وتحليل وتقييم وتقدير أوضاع الإقليم، والمسارات المحتملة لها، وهي مسألة عادية بالمناسبة، تعبر عن وعي، يجب احترامه، بأهمية العمل الاستباقي، بناء على تقديرات منضبطة، لإقليم يتسم بتفاعلات شديدة الشطط. 2- تعبير عن توجهات رسمية داخل الدول التي توجد لديها اهتمامات أو مصالح أو قوات في الشرق الأوسط، سواء كانت إقليمية أو دولية، وهذه التوجهات تحديداً هي المسؤولة عن إثارة الإشكاليات المرتبطة بالترتيبات المحتملة لأمن الإقليم، ومحاولة عمل Framing() أو اختبار مبادرات، تتعلق برؤيتها الخاصة لمستقبل ترتيبات وعمليات الإقليم. 3- المشكلة، أن ساحة الشرق الأوسط نفسها قد تغيرت بدرجة تنسف أية خبرات قديمة تتعلق بترتيبات الأمن الإقليمية، والتي كانت تدور حول أطر لم نعد نتذكرها إلا بالكاد، كالشرق الأوسط الكبير أو “الشرق الأوسط الجديد”، أو مبادرات المتوسطية ومعها المشروع العربي بالطبع، فقد تصاعد الدور الروسي، وانهارت عدة دول عربية رئيسية، وتحولت اتجاهات الصراعات الإقليمية، وتقلص وزن الصراع العربي – الإسرائيلي، وتزايدت قوة الفاعلين غير الرسميين، وظهرت الهويات الفرعية داخل الدول، وتفاقمت كل مشكلات الأمن غير التقليدي مرة واحدة، فهناك إقليم مختلف يتطلب التفكير في ترتيبات مختلفة.

الموجة الإقليمية

وبداية، فإنه طالما أن لكل شيء سبباً – على الرغم من أن مسألة السببية تخضع حالياً لنقاش مثير– فإن هناك عوامل موضوعية يمكن أن تجعل أي طرف، يهتم بالتفكير في الترتيبات التالية لأوضاع الشرق الأوسط، يثير المسألة، أهمها: 1- إن صراعات الشرق الأوسط، بشكلها المستمر منذ عام 2011، وصلت إلى أقصى ما يمكنها أن تصل إليه، من خلال الميليشيات المسلحة أو الوكلاء المحليين أو التنظيمات الإرهابية أو “القوات الرسمية”، ولم يبق الآن سوى شن حروب رئيسية ذات تكلفة هائلة، أو صدام مباشر بين قوى إقليمية كبيرة، وتجاوز غير محسوب لخطوط غير محددة بين القوى الكبرى، وهناك حسابات معقدة لكل طرف قبل إقدامه على الخطوة التالية، مما جعل “ترتيبات الأمن” تبدو خياراً مطروحاً، وإن لم يكن نهائياً. 2- إن هناك عمليات مستمرة متتالية لتسوية كل الصراعات المتفجرة في الإقليم، خاصة سوريا واليمن وليبيا، ومن الصحيح أنها عمليات متعثرة بشكل مزمن، وتبدو وكأنها جزء من إدارة الصراعات وليس تسويتها، إلا أنه في النهاية سيتم تفعيلها، بعد أن يقوم كل طرف بما يرى أنه ضروري عسكرياً لتحقيق أهدافه بخسائر مقبولة، قبل أن يواجه اختيار “الحرب أو الحل”، أي التصعيد واسع النطاق غير محدد النتائج، أو اللجوء للتفاوض في ظل الحد المقبول من شروطه الخاصة. لكن هناك تفسيرين إضافيين لا يرتبطان بتحليلات موضوعية، وإنما بتوجهات رسمية، لأطراف رئيسية فاعلة في الإقليم، هما: 1- إن التصورات التي سادت خلال السنوات الماضية، لدى دول إقليمية، بشأن التفكيك الكامل لدول عربية رئيسية )قصة سايكس بيكو الشهيرة(، أو “استعادة الإمبراطوريات”، عبر وكلاء محليين أو ميليشيات مسلحة، أو احتلال “مناطق” أو “تبعية نظم”، تواجه مشكلات كبيرة، فاتجاه التفكيك يتواضع بشدة حالياً نحو فكرة بقاء الدولة، لكن بشكل مختلف، والدول التي حاولت الهيمنة أو التوسع تواجه مشاكل من كل اتجاه، منها معضلة “الوصول على أقصى مدى أتاحته لها قوتها” ومتاعب الانكماش نحو أوضاعها الواقعية. وكل منها يطرح أفكاراً حالياً لترتيبات إقليمية تناسب أوضاعه. 2- إن كل طرف دولي لديه تصور حالياً لترتيبات خاصة بما يسمى “نظام أمن إقليمي” في الشرق الأوسط، فهناك توجه حقيقى في واشنطن يتعلق بإقامة ما يسمى اختصاراً “الناتو العربي”، في ظل الطريقة التي يفكر بها ترامب في الأمور، فهو لن يحارب على الإطلاق، ويريد من يقوم بذلك. كما أن روسيا تفكر أحياناً في ملء

كل فراغ يحدث في الإقليم، ولديها أفكار تطرح لترتيبات إقليمية “بالقطعة” أي “حالة حالة”، وأصبح هناك يقين نسبي بأن الصين لن تتمكن من تجنب “تنشيط نفسها عسكرياً” لفترة طويلة، في ظل استثماراتها الضخمة في المنطقة وحولها.

اللا نظام المزمن

هنا توجد مشكلة تتعلق بالدول العربية، ففي معظم ما يطرح بشأن الترتيبات التالية لأوضاع المنطقة، دولياً، يتم تجاهل أن الشرق الأوسط – حسب التعريف السائد – يضمن أساساً دولاً عربية مع 3 أو 4 دول “أخرى”، وبالطبع يمكن الجدال إلى ما لا نهاية حول ما لايزال عربياً وما لم يصبح عربياً من الناحية الاستراتيجية، وتحديداً في حالتي العراق وسوريا، لكن لا يمكن أن تصل الأمور – من وجهة نظر “الأكاديميا المنظمة” – إلى أن: 1- تعتبر الأطراف العربية وكأنها “سكان” في الإقليم، أي Tar-( )gets لأي ترتيبات يتم الاتفاق عليها بشأنهم، فدولهم تعاني– حسب مقولات لباحثين، أو كتاب يفترض أنهم متخصصون بالمنطقة– حالة من “اللا نظام” بعد الثورات الكبرى، أو أنهم لن يمكنهم المشاركة في أي ترتيبات طالما أنهم متمسكون بالماضي، و“ليسوا أذكياء”، وعملياً ليست لديهم أوراق ضغط أو أدوات عرقلة تتيح لهم المشاركة في الترتيبات الحالية. 2- في الحالات التي توجد فيها لدول عربية “قوات” في مسارح عمليات معينة، تتيح لها التأثير أو لا يمكن تجاهلها، فإن السياسات التي تتبعها بعض الدول العربية للحفاظ على مصالحها، يتم تصويرها وكأنها أعمال حادة تثير عدم الاستقرار إقليمياً، وتؤثر على المدنيين، أو تحليلات بأنها ستؤدي إلى مشاكل داخل تلك الدول نفسها، المهم أن الأدوار والقيادات والقرارات العربية دائماً محل انتقاد، طالما أنه لا توجد “مشاركة” غربية.

لكن الصورة العامة أصبحت أكثر تعقيداً بالنسبة لكل دول الإقليم، ما عدا دولة واحدة، ففي الوقت الحالي، تواجه إيران الموقف نفسه، لكن بطريقة مختلفة، فجزء من تصورات ترتيب الأوضاع في المنطقة، يتعلق بعودتها إلى أوضاع ما قبل الثورة الإيرانية، أي إلى حدودها الجغرافية، قبل أن تتمدد في لبنان وسوريا وغزة، ثم العراق واليمن، علما بأنها فشلت في المغرب والسودان وموريتانيا، وغيرها.

كما أن تركيا تواجه الضغوط نفسها، بفعل محاولاتها تغيير بعض المعادلات الإقليمية الرئيسية، وتصور قياداتها بأنها يمكن أن تتصرف كقوة إقليمية عظمى، بعد أن كادت الثورات العربية تتيح لها وضعاً استثنائياً تسيطر من خلاله على دول رئيسية استناداً إلى “الإخوان”، فالوضع العام، فيما يتعلق بترتيبات الأمن الإقليمية أصبح شديد التعقيد، لدرجة أنه على الأغلب سيظل مسألة نظرية، أو سيتم – إن حدث – بشكل قطاعي استناداً على نطاقات أو دوائر أو أقاليم فرعية، وصولاً إلى مناطق جغرافية صغيرة مثل “إدلب”.

التعقيدات العربية

ما هي الصورة على الجانب العربي، فيما يتعلق بمستقبل إقليم يوجد العرب على ساحته؟، فلقد تحركت دول عربية رئيسية ضد الدولة التي أدت سلوكياتها إلى تصدع “دول عربية”، وضد التيار الذي كادت توجهات وتحالفاته تقضي على فكرة العروبة عملياً، وضد الأطراف الإقليمية التي استهدفت “النظام العربي”، واخترقته من كل جانب، وقفزت إلى داخله، لكن كل ذلك لا يمثل الصورة الكاملة، فهناك ما يلي: 1- إن هناك مشكلة عربية حقيقية تتعلق بتعريف العروبة، أو بوجود مشروع عربي، وبالطبع بفكرة “النظام العربي” التي نسفت تقريباً، بانهيار دول وتحول علاقات وتدخل أطراف، فلم تعد المسألة تتعلق ب “تيار قومي”، وإنما ب “بوضع عملي”، وتتضح الفوارق بشدة من متابعة بسيطة لما يكتب من جانب مفكرين قوميين مقابل ما يكتب من جانب “مسؤولين سابقين”، فهناك بقايا مصالح تحتاج إطاراً مرناً، بعيداً عن أيديولوجيات لم يعد التعبير عنها، بالطريقة التقليدية، حتى في غرف ضيقة، مقنعاً. 2- إنه لا توجد مشكلة في فهم المساحات التي يوجد تأثير عربي في نطاقها حالياً، والتي يمكن البناء عليها، فحيث توجد، أو يمكن أن توجد، قوات عربية يوجد تأثير عربي وقدرة على تحديد مسار الأحداث، فالتأثير في سوريا محكوم بالقوات والأموال والاستخبارات، ومعها الجغرافيا، ولم تقم دول عربية رئيسية بالتدخل فيها، وبالتالي توجد مشكلة دور، أما في حالات، مثل اليمن وليبيا وغزة، فإنه توجد أدوار محددة، لا يمكن تجاهلها لدول الرباعية العربية، فهناك تأثير في دوائر محددة. 3- إن الدول العربية الرئيسية قد بدأت منذ فترة تحركات حقيقية في مواجهة القوى الإقليمية التي كانت قد اجتاحت مناطق عربية، أو كانت على وشك اجتياحها، وهي قصة شديدة التعقيد، خاصة أنها تشهد حقائق جديدة على ساحة الإقليم تتعلق بطبيعة التحالفات التي تعمل على المواجهة في “الدوائر الإقليمية” المختلفة، فهناك معادلة تتشكل للتعامل مع إيران، ومعادلة أخرى تتشكل في شرق المتوسط للتعامل مع تركيا، وحركة عربية نشطة في القرن الأفريقي، وفي كل الأحوال توجد أطراف خارجية.

في النهاية، فإن الإجابة بسيطة، فقد بدأت الدول العربية تتحرك وفق اعتبارات عملية، فهناك حالياً ما يسمى “إقليم”، وسياسة إقليمية، تتم خلالها ارتباطات بأطراف ثالثة، بل أنها تبدو أحياناً سياسة “عابرة للإقليم” توجد في إطارها أطراف، مثل قبرص واليونان وإيطاليا وفرنسا، ضمن معادلات تتعلق بالبحر المتوسط أو البحر الأحمر.

هل تبدو المسألة صعبة؟ نعم، ولقد كانت كذلك دائماً، فهناك محاولات جرت داخل بعض الدول لصياغة سياسة إقليمية واقعية، لكن أحداً لم يحتمل المصارحات، وهناك دول تعرضت لمتاعب حقيقية لأنها أدخلت اعتبارات الإقليم الواقعية في حساباتها الخاصة، من دون أن يقلل أحد على الإطلاق من أهمية الإطار العربي الذي لا يمثل فقط هوية وطنية، وإنما جدار استراتيجي.

هناك عبارة شهيرة تتكرر في أفلام “المهمة المستحيلة”، يمكن أن تسهل الأمور قليلاً، وهي أنها ‪Desperate Times(‬ ،) تتطلب ‪Desperate Measures(‬ ،) فالإقليم يرتب نفسه بناء على اعتبارات عملية من دون مشروعات، ولا يمكن تجنب ذلك، حالياً، ولا مستقبلاً على الأرجح. فهناك حقائق جديدة في الشرق الأوسط.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.