ما هي خيارات إيران في مواجهة العقوبات الأمريكية؟

أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض أول دفعة من العقوبات على إيران في 7 أغسطس 2018 وذلك لإجبارها على تعديل الثغرات الواردة في الاتفاق النووي وتدخلات طهران السلبية في الإقليم.

Trending Events - - آراء المستقبل -

وتهدف هذه العقوبات إلى الحد من قدرة إيران على شراء العملة الأمريكية وإصدار ديون )سندات( سيادية، وتضع قيوداً على التجارة مع إيران فيما يتعلق بالذهب والألمنيوم والصلب وقطع غيار السيارات والطائرات، كما تحجم قدرة إيران على تصدير بضائع مثل الفستق والسجاد.

اأزمات داخلية متتالية

تمثل الإجراءات السابقة الجولة الأولى من بين جولتين من العقوبات، ومن المقرر فرض الجولة الثانية، والمتوقع أن تكون الأكثر ضرراً، في نوفمبر المقبل، وتستهدف قطاع النفط والبنك المركزي في إيران. وأحد الأهداف الرئيسة هنا هو وقف صادرات إيران النفطية، من أجل ممارسة ضغط قوي على الاقتصاد الإيراني، وتحجيم أنشطة إيران الإقليمية، وربما إرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بغية عقد صفقة نووية أكثر قسوة وشمولية.

وعلى الرغم من أنه من غير المرجح العودة إلى طاولة المفاوضات، فإن الاقتصاد الإيراني بدأ يئن تحت وطأة البيئة المتغيرة بفعل هذه العقوبات. فعندما تحدثت الأخبار لأول مرة عن انسحاب أمريكي وشيك من الاتفاق النووي، فقدت العملة الإيرانية نصف قيمتها منذ شهر أبريل، فيما قفز معدل التضخم السنوي إلى 13.7% في شهر يونيو.

ولعل الأثر الأكبر للعقوبات هو عدد الشركات الأوروبية التي ستتوقف عن التعامل مع إيران. فقد أعلن الرئيس ترامب بوضوح، عبر تغريدة له على موقع "تويتر"، أن "من يتعامل مع إيران لن يتعامل مع الولايات المتحدة".

ونتيجة لذلك، أعلنت كبريات الشركات الأمريكية والأوروبية مثل دايلمر وبوينج وإيرباص وتوتال وسيمنز، انسحابها من السوق الإيرانية.

في الوقت ذاته، ينبغي على القيادة الإيرانية أن تتعامل مع حقيقة أن الاتفاق النووي لم يتبلور بالكيفية التي تصورتها، خاصة أنه لم تتحقق التطلعات الاقتصادية من حيث الوصول الأفضل للأسواق الغربية وجني فوائد ملموسة للشعب الإيراني. ولهذا السبب لم يكن هناك عائد من الاتفاق النووي. بل إن ما يحدث هو العكس. فلقد شهد الاقتصاد الإيراني تباطؤاً في النمو من 6.5% في عام 2016، في أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي، إلى 3.3% في عام 2017.

يأتي هذا التطور في الوقت الذي تتدهور فيه مستويات المعيشة، ويرتفع معدل التضخم، وتزداد أسعار المواد الغذائية، وتتراجع مدخرات الأسر. والنتيجة هي تنامي حركات الاحتجاج التي انتشرت عبر الدولة ضد سوء إدارة الحكومة للملف الاقتصادي. بل إن هناك تساؤلات متزايدة عن الثمن الباهظ لتدخلات إيران الإقليمية. وما يراه المرء داخل إيران هو أزمة شرعية متصاعدة.

خيارات التعامل مع العقوبات

في ضوء ما سبق، يبدو أن لدى إيران ثلاثة خيارات للتعامل مع البيئة الجديدة التي تواجهها على النحو التالي: 1- الاستفادة من دعم القوى الدولية الأخرى: السيناريو الأكثر ترجيحاً الآن هو أن تظل إيران ملتزمة بالاتفاق النووي لكي تواصل الضغط على أوروبا وروسيا والصين من أجل الحصول على تنازلات اقتصادية. والأمر الذي يعزز شعور إيران بقدرتها على ذلك هو أن غالبية المجتمع الدولي ترفض الخطوة الأمريكية، إضافة إلى أن أوروبا بشكل خاص لاتزال مصرة على الحفاظ على الاتفاق النووي بشكل أو بآخر.

وقد أعرب مسؤولون في الاتحاد الأوروبي عن "أسفهم الشديد" لإعادة فرض العقوبات الأمريكية، وذكروا أنهم "عازمون على حماية الأطراف الاقتصادية الأوروبية المنخرطة في أعمال مشروعة مع إيران". ولاتزال المواقف الأوروبية ترى أن "الحفاظ على الاتفاق النووي هو مسألة تتعلق باحترام الاتفاقات الدولية ومسألة أمن دولي". ويعتزم الاتحاد الأوروبي استخدام ما يُعرف باسم "التشريع المانع" الذي يحمي شركاته من العقوبات الأمريكية.

كذلك أعلنت روسيا والصين اعتراضهما على خطوات إدارة ترامب. فمن جانبها، قالت روسيا في 7 أغسطس إنها "ستقوم بكل ما هو ضروري" لإنقاذ الاتفاق النووي وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة مع طهران. وعلى غرار ذلك، أوضحت الحكومة الصينية اعتراضها على الخطوة الأمريكية، وذكرت أن "التعاون التجاري الصيني مع إيران معلن وشفاف، وعقلاني وعادل، ولا ينتهك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، مضيفة أنه "ينبغي حماية الحقوق الصينية المشروعة".

وهكذا، من المتوقع ألا تُقدِم إيران على فعل أي شيء يعرض علاقاتها مع أوروبا وروسيا والصين للخطر، وتأمل في الوقت ذاته أن تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها معزولة فيما يخص العقوبات. ومن المتوقع أن تنتهج إيران سياسة واقعية بما يكفي بحيث تدرك أن علاقتها الاقتصادية مع أوروبا لن تنجو من سياسة العقوبات الأمريكية، لكنها ستراهن على روسيا والصين وغيرها من الدول الآسيوية بحثاً عن حل بديل. وسيتضح ما إذا كان ذلك ممكناً مع حلول وقت الجولة الثانية من العقوبات في نوفمبر المقبل. 2- الانسحاب من الاتفاق النووي: في ظل تنامي قناعة الدوائر الحاكمة في إيران بأن الهدف الرئيس من العقوبات الأمريكية هو زعزعة استقرار الداخل الإيراني ومن ثم تغيير النظام، قد تشرع إيران في تحدي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإقليميين بشكل مباشر، خاصة إذا استمر الاقتصاد الإيراني في التدهور، وتوسعت دائرة الحركات الاحتجاجية، ووجد النظام نفسه تحت وطأة مزيد من الضغوط.

والجدير بالذكر أن الرئيس روحاني يجد نفسه أيضاً في موقف دفاعي في مقابل قوى أخرى في الحكومة تعمل على إذكاء مشاعر العداء )داخلياً وخارجياً( ليكون لها اليد العليا في المواجهة ضد أعدائها. وعلى صعيد الجبهة الداخلية، قد يأخذ هذا الأمر شكل نزعة قومية متصاعدة.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن لدى إيران القدرة على مواصلة علاقتها مع الأطراف التي تعمل بالوكالة، مثل حزب اله أو تلك الموجودة داخل العراق، بهدف تقويض المصالح الأمريكية. وفي إطار التحدي المباشر، قد تقوم إيران باستئناف العمل في البرنامج النووي باعتبار أنها ترد على انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي. وقد تحاول زيادة وتيرة الهجمات السيبرانية أيضاً.

سوف يصبح التحدي المباشر تجاه الولايات المتحدة الأمريكية خياراً واقعياً إذا ازداد تدهور البيئة الإقليمية بشكل يؤثر سلباً على المصالح الإيرانية. وعلى الرغم من إدراك النظام في طهران للمخاطر التي تكتنف مثل هذا التصعيد، فإنه قد يشعر أنه ليس أمامه خيار آخر. 3- التفاوض على اتفاق جديد: ينبغي الإشارة إلى أنه في الوقت الذي أعلن فيه ترامب فرض العقوبات الجديدة، فقد فاجأ الكثيرين بقوله إنه مستعد للدخول في محادثات جديدة مع القادة الإيرانيين "من دون شروط مسبقة". غير أن الرد الأوليّ من طهران جاء سلبياً، حيث وصف الرئيس روحاني العقوبات الأمريكية الجديدة بأنها "حرب نفسية"، موضحاً أن إيران لن تنخرط في محادثات جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية إلا "إذا كان هناك صدق". ثم سعى للتخفيف من حدة تصريحاته بالتأكيد على أن "من يعرض عقد محادثات ينبغي أن يثبت أولاً أنه يريد حل القضايا عبر المحادثات، فأي منطق للمفاوضات عندما يفرضون عقوبات؟".

وعلى الرغم من أن هذه التصريحات تجعل خيار الدخول في جولة جديدة من المفاوضات أمراً غير مرجح، فإن إيران قد تعود لتبني هذا الخيار إذا وجد النظام نفسه تحت ضغط متنامٍ في الداخل، وأن الاستراتيجية الصدامية للخيار الثاني تنطوي على مخاطر لا قِبل له بها. وفي نهاية المطاف، فإن الأولوية القصوى للجمهورية الإسلامية هي الحفاظ على أمن النظام.

وهناك عاملان قد يحوّلان المفاوضات إلى أمر واقع. الأول هو أن إبداء رغبة في المحادثات سوف يتيح للنظام متنفساً، مع الوقت الطويل المتوقع لجولات التفاوض على نحو ما حدث قبل الوصول إلى الاتفاق النووي. والعامل الثاني هو أن إيران قد تنظر إلى المحادثات الأمريكية - الكورية الشمالية كنموذج يمكّنها من الانخراط في محادثات رفيعة المستوى مع الحكومة الأمريكية من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات كبيرة.

خاتمة

يمكن القول إن كثيراً من الأمور ستتوقف على التطورات التي تحدث في الداخل الإيراني، وما إذا كانت الاحتجاجات التي تهز الدولة حالياً ستتطور إلى درجة تمثل تهديداً حقيقياً للنظام. وعليه، فإذا شهد الوضع مزيداً من التدهور، فسوف تضطر الحكومة إلى الرد، بمعنى أن اللجوء إلى الخيار الثاني أو الثالث سيصبح السيناريو الأكثر ترجيحاً. لكن حتى الآن يبدو أن الخيار الأول هو السيناريو الأكثر ترجيحاً.

د.كريستيان كوخ مدير مركز الخليج للأبحاث - جنيف

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.