لماذا تقوم إثيوبيا ببناء قوة بحرية؟

Trending Events - - آراء المستقبل -

يثير توجه إثيوبيا نحو إعادة بناء قوتها البحرية جملة من التساؤلات، خاصة أنها دولة ”حبيسة“ولا تحتاج إلى مثل هذه القوة البحرية التي تتطلب تخصيص أموال طائلة، يمكن توجيهها لبناء مشروعات تنموية كبيرة تخدم الاقتصاد الإثيوبي.

تُعتبر إثيوبيا القوة العسكرية الأولى في منطقة القرن الأفريقي، وعلى الرغم من أنها فككت قواتها البحرية عام 1993 بعد انفصال إريتريا عنها، بسبب فقدانها واجهتها البحرية الوحيدة على البحر الأحمر، فإنها عادت هذا العام 2018 لتؤكد مجدداً أهمية العمل على إعادة بناء القوة البحرية، وتحديثها وتطويرها كي تواكب الطموحات الإثيوبية الجديدة.

التخل�ص من عقدة «الدولة الحبي�شة»

على الرغم من أن كثيراً من الخبراء يرون أن هناك تحديات جمة أمام التوجه الإثيوبي الجديد، سواء فيما يتعلق بالتمويل - حيث يتطلب بناء قوة بحرية جديدة عصرية مليارات الدولارات - أو بنقص الخبرات الفنية والبشرية المؤهلة لإدارة القوة الجديدة، فإن الحكومة الإثيوبية أكدت أنها ماضية في إعادة بناء قوتها البحرية، وتسليحها بشكل عصري.

وتمتلك إثيوبيا بالفعل مقومات قد تساعدها على إعادة بناء قوتها البحرية خلال الفترة المقبلة، فلديها معهد بحري يقوم بتدريب أكثر من 500 مهندس بحري وفني كهربائي سنوياً، مع خطط لتدريب أكثر من 1000 ضابط سنوياً. فضلاً عن ذلك، تحظى إثيوبيا بدعم العديد من القوى الإقليمية والدولية، التي تنظر إليها باعتبارها عاملاً مهماً في تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

وربما ينساق كثيرون وراء تصور نظري، مفاده أن إثيوبيا ليست بحاجة إلى إعادة بناء قوتها البحرية لأنها "دولة حبيسة"، وأن بناء قوة بحرية جديدة، بما يتطلبه من أموال طائلة وبنية تحتية وأساسية وموارد بشرية، عملية محدودة الجدوى والأثر بحسابات الربح والخسارة، ولا تعدو كونها نوعاً من "الترف" أو "الاستعراض" للقوة.

غير أن الواقع يشير إلى أن إثيوبيا محاطة بخمس دول من أصل ست دول تطل على البحار، وترتبط معها بعلاقات جيدة إن لم تكن ممتازة، ما يعني أن إثيوبيا باتت قادرة على التخلص من عقدة "الدولة الحبيسة" من خلال الاستراتيجية الجديدة التي تتبناها والتي يمكن أن يطلق عليها "الشراكة في إدارة وتطوير الموانئ" مع دول الجوار، وربطها بشبكة قوية من المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة، وذلك من أجل تنويع منافذها البحرية وضمان أمن الموانئ التي تستثمر فيها، باعتبارها تشكل عصب تجارتها مع دول الجوار والعالم.

تنويع المنافذ البحرية

منذ تولي آبي أحمد رئاسة الحكومة، تعمل إثيوبيا على تنويع منافذها البحرية، سواء من خلال التطوير المشترك للموانئ البحرية أو تأجيرها لفترات طويلة، وقد أبرمت بالفعل اتفاقيات عدة مع دول الجوار، حصلت بموجبها على حصص معتبرة في عددٍ من الموانئ الحيوية بشرق أفريقيا. فعودة العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا وإثيوبيا وتنامي

التفاهم والتقارب بين الدولتين، يتيحان لأديس أبابا الاستفادة من الموانئ الإريترية، خاصة عصب ومصوّع، اللذين يعتبران من أهم الموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر. كما أبرمت إثيوبيا والسودان اتفاقاً في مايو 2018 يسمح للأولى بالحصول على حصة في بور سودان، أكبر ميناء بحري سوداني، من أجل تنويع منافذها وتقليص رسوم الموانئ.

كذلك نجحت إثيوبيا في تأمين ممر لوجستي إضافي للاستيراد والتصدير عبر ميناء بربرة الصومالي، بعدما وقعت في مارس 2018 مع شركة موانئ دبي العالمية وحكومة أرض الصومال اتفاقاً تصبح إثيوبيا بموجبه شريكاً استراتيجيّاً في ميناء بربرة بنسبة 19%، إضافة إلى استثمارها في البنى التحتية اللازمة لتطوير ممر بربرة بوصفه بوابة تجارية إلى إثيوبيا.

وتوصلت أديس أبابا في مايو 2018 إلى اتفاق مع جيبوتي بشأن ميناء جيبوتي، يعطي إثيوبيا حصة في الميناء، ويتيح لجيبوتي الاستحواذ على حصص في شركات إثيوبية مملوكة للدولة، قد يكون من بينها شركة الكهرباء الإثيوبية وشركة إثيو تيليكوم، وهي من الاحتكارات القليلة الباقية في قطاع الاتصالات في أفريقيا. ويتضمن الاتفاق كذلك تطويراً مشتركاً للميناء.

وفي مايو 2018 أيضاً، وافقت إثيوبيا على صفقة مع كينيا لتسهيل الحصول على أراضٍ في جزيرة لامو كجزء من مشروع لامو- جنوب السودان- إثيوبيا، الذي تُقدَّر تكلفته ب24 مليار دولار. وكان قد تم التوقيع على المشروع عام 2012، لكنه تعطل بسبب تأخر التمويل ومشاكل أمنية في كلا البلدين.

وتشير هذه الاتفاقيات إلى قدرة حكومة آبي أحمد على إيجاد بدائل أو منافذ بحرية متنوعة تعطي إثيوبيا موطئ قدم على البحر الأحمر وتنهي عقدة "الدولة الحبيسة"، كما تشير إلى نجاح سياسة "تصفير المشكلات" التي تبناها آبي أحمد، وتُرجمت في تعزيز شراكات إثيوبيا الخارجية مع دول الجوار وقوى إقليمية ودولية عدة. كذلك تعزز هذه الاتفاقيات المصالح التجارية والاقتصادية لإثيوبيا خلال السنوات المقبلة، فالنجاح في إقامة استثمارات مشتركة في الموانئ بدول الجوار سيخدم مصالح إثيوبيا التجارية، ويسهم في تنويع مصادر ترويج تجارتها بعد أن كان ميناء جيبوتي يستحوذ على 95% من التجارة الصادرة والواردة لإثيوبيا، وهو ما كان يُكلّفها 16% من قيمة تجارتها الخارجية، بما قيمته 1.5 مليار دولار.

اأهداف ا�شتراتيجية واقت�شادية

بالإضافة إلى تعزيز قوتها العسكرية الشاملة، يشمل توجُّه إثيوبيا نحو إعادة بناء قوتها البحرية أهدافاً جيوسياسية واستراتيجية واقتصادية، بالنظر إلى ما تشكله القوة البحرية من أهمية كبيرة لأي دولة في عالمنا المعاصر. وتسعى إثيوبيا من وراء هذه الخطوة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لعل أبرزها: 1- تأكيد الهيبة والردع وتعزيز المكانة: فالقوة البحرية المتطورة لا تؤكد فقط قوة إثيوبيا العسكرية، وإنما تزيد أيضاً من قدرات الردع في مواجهة الخصوم والأعداء المحتملين، وتعزز صورة إثيوبيا باعتبارها رقماً مهماً في معادلة الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والقارة الأفريقية. وينسجم هذا مع السياسة الخارجية الجديدة التي يتبناها آبي أحمد، والتي تستهدف تعظيم الدور الإثيوبي في القارة الأفريقية، والقوة البحرية والقوة العسكرية بوجه عام أداة رئيسية لتنفيذ أهداف السياسة الخارجية الإثيوبية الجديدة. 2- حماية الموانئ والمرافئ الإثيوبية في دول الجوار: فاستراتيجية تنويع المنافذ البحرية تتطلب وجود قوة بحرية متطورة وعصرية قادرة على حماية هذه المنافذ والتحرك الاستباقي السريع للتصدي لأية مخاطر أو تهديدات قد تتعرض لها، خاصة أن منطقة القرن الأفريقي من المناطق غير المستقرة. 3- تسويق الدور الإثيوبي باعتباره شريكاً في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي: فأحد أهداف أديس أبابا من وراء إعادة بناء قوتها البحرية هو تعظيم مكانتها في الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة القرن الأفريقي، خاصة فيما يتعلق بمواجهة التنظيمات الإرهابية التي تهدد حركة الملاحة في هذه المنطقة اللوجستية، ولهذا ليس مستبعداً أن توظف إثيوبيا قوتها البحرية في استهداف حركة الشباب الإسلامية المتشددة في الصومال، ومواجهة القرصنة في المحيط الهندي.

-4 حماية المصالح الاقتصادية والتجارية: لا شك أن امتلاك إثيوبيا قوة بحرية متطورة من شأنه أن يسهم في حماية السفن التجارية الإثيوبية في البحر الأحمر، خاصة أن النسبة الكبرى من الصادرات الإثيوبية تُشحن عبر البحر، ويمر معظمها من موانئ جيبوتي. وفي الوقت ذاته فإن امتلاك إثيوبيا قوة بحرية وعسكرية يعزز من شراكاتها الاقتصادية والاستثمارية مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية الأخرى، ويزيد الثقة فيها باعتبارها قادرة على حماية هذه المصالح المشتركة.

إن استراتيجية تنويع المنافذ البحرية التي تتبناها إثيوبيا تتطلب وجود قوة بحرية متطورة وعصرية قادرة على حماية هذه المنافذ، والتحرك الاستباقي السريع للتصدي لأية مخاطر أو تهديدات قد تتعرض لها، خاصة أن منطقة القرن الأفريقي من المناطق غير المستقرة أو أحد أهداف أديس أبابا من وراء إعادة بناء قوتها البحرية هو تعظيم مكانتها في الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة القرن الأفريقي، خاصة في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تهدد حركة الملاحة. ولهذا ليس مستبعداً أن توظف إثيوبيا قوتها البحرية في استهداف "حركة الشباب الإسلامية" المتشددة في الصومال، ومواجهة القرصنة في المحيط الهندي

إن إثيوبيا محاطة بخمس دول من أصل ست دول تطل على البحار، وترتبط معها بعلاقات جيدة إن لم تكن ممتازة، ما يعني أن إثيوبيا باتت قادرة على التخلص من عقدة "الدولة الحبيسة" من خلال الاستراتيجية الجديدة التي تتبناها والتي يمكن أن يطلق عليها "الشراكة في إدارة وتطوير الموانئ" مع دول الجوار،

مقدم د. يوسف جمعة الحداد رئيس تحرير مجلة درع الوطن الإمارات العربية المتحدة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.