هل يمكن التوصل إلى ”سلام“بين واشنطن و”طالبان“؟

Trending Events - - آراء المستقبل -

أشارت تقارير إعلامية خلال شهر يوليو 2018 إلى لقاء وفود رفيعة المستوى من الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية ليثير التساؤل حول فرص التوصل لاتفاق سلام بين الجانبين.

وفيما بدت وزارة الخارجية الأمريكية متحفظة بشكل لافت للنظر فيما يتعلق بتأكيد الاجتماع الذي تم في الدوحة في 27 يوليو 2018، كان ممثلو حركة طالبان أكثر وضوحاً في هذا الصدد، حيث قال متحدث رفيع باسم الحركة إن الاجتماع قد تمخض عن "مؤشرات إيجابية جداً"، مؤكداً أن أجواء الاجتماع كانت ودية، وساده احترام متبادل، وركز على وضع شروط لاتفاق سلام دائم بين الجانبين. كما أفادت التقارير بأنه كان على رأس الوفد الأمريكي أليس ويلز، الرئيسة الحالية لمكتب شؤون جنوب ووسط آسيا، وهي أعلى دبلوماسي أمريكي مُكلَّف بإدارة الملف الأفغاني في وزارة الخارجية الأمريكية.

وبالقدر ذاته من الأهمية، فإن أيّاً من مسؤولي الحكومة الأفغانية لم يحضر الاجتماع، وهو أحد الشروط الأساسية التي وضعتها حركة طالبان مسبقاً. ومن ثم، تقفز إلى الأذهان أسئلة رئيسية: لماذا بعد 17 عاماً من القتال، يجلس الجانبان معاً لمناقشة إطار لمفاوضات سلام؟ وما هي فرص نجاح المحادثات المستقبلية في تحقيق شكل من أشكال السلام الدائم؟

ماأزق النت�شار الم�شتحيل

ربما تكون الإجابة عن السؤال الأول أكثر مباشرة من الثاني. ذلك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما تولى منصبه، قد تعهد، كما فعل كثير من سابقيه، بالانسحاب من أفغانستان. وكان شعار حملته الانتخابية هو "أمريكا أولاً"، والذي يلمِّح إلى طموح ترامب إلى إنهاء عقود من الانخراط العسكري الأمريكي، الذي يرى فيه ترامب عبئاً غير ضروري يتحمله الشعب الأمريكي، من دون أن يصب في صالح أمن الولايات المتحدة الأمريكية. وينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار أن العمليات العدائية الدائرة في أفغانستان منذ عام 2001 قد أسفرت عن مقتل 1,856 أمريكياً، وإصابة 20,320 بإصابات خطيرة.

بعبارة أخرى، يرى المحللون أن الوضع الحالي في أفغانستان يمثل مأزقاً عسكرياً لا يستطيع أيٌّ من الطرفين، الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان، التفوق فيه على الآخر. فمنذ عام 2001، قلصت الولايات المتحدة الأمريكية عدد قواتها من 100 ألف إلى 14 ألفاً، بما يكفي للدفاع عن المناطق الحيوية لكنه لا يكفي للهيمنة على الأراضي الأفغانية كافة. وتشير تقديراتٌ إلى أن المناطق التي تسيطر عليها الحركة وتلك التي تتنازع مع الحكومة للسيطرة عليها تقارب 70% من أراضي الدولة. بيد أن هناك مصادر أمريكية رسمية تؤكد أن الحكومة الأفغانية لا تزال تسيطر على 56% من أراضي الدولة، وأن طالبان لم تسيطر إلا على 14% فقط.

وفي مطلع هذا العام، اقتنع الرئيس

ترامب بالحاجة إلى إرسال تعزيزات عسكرية لدعم حماية المؤسسات الرئيسية وضمان عدم سقوط حكومة الرئيس أشرف غاني. وعليه، فقد تمت إعادة ألف جندي أمريكي إلى أفغانستان في بداية العام، وانضم إليهم 400 جندي بريطاني في وقت لاحق.

نقاط قوة و�شعف طالبان

لاتزال مستويات العنف في أفغانستان مرتفعة بشكل غير مقبول، بما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي. ومع ذلك، وبينما يُنظر إلى حركة طالبان على أنها في حالة صعود عسكري مرة أخرى، لاسيما في معاقلها التقليدية في هلمند وقندهار، فإن الرأي السائد هو أن حركة طالبان تفتقر إلى القدرة القتالية للاستيلاء على مراكز ذات كثافة سكانية كبيرة والاحتفاظ بها، كما حدث في محاولة طالبان الاستيلاء على ولاية غزني في النصف الأول من أغسطس الماضي، وهو الهجوم الذي كان يمكن أن يفتح - في حالة نجاحه - الطريق أمام طالبان لتطويق العاصمة كابول.

وتبرهن الهجمات الكبيرة والمتوالية من جانب طالبان على المرونة العسكرية التي تتمتع بها الحركة، وتعزز الإحساس بوجود قوة لا يمكن هزيمتها، حتى وإن لم تستطع الاحتفاظ بالأرض على المدى الطويل.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وحلفاءها استثمروا في تدريب وتسليح الجيش الأفغاني والشرطة المحلية، فإن حركه طالبان لاتزال قوة مخيفة لا يُستهان به. ولايزال مقاتلو طالبان الأفغان، بدعم من نظرائهم الشيشان والباكستانيين، يمتلكون القدرة على بث الرعب في قوات الأمن الأفغانية المحلية. ذلك أن مجرد التهديد بوجودهم قد أدى في بعض الأحيان إلى انسحاب الجيش الأفغاني دون إطلاق رصاصة واحدة.

ومع ذلك، فإن حركه طالبان لا تمتلك قدرات كبيرة للتصدي للقوة الجوية الأمريكية، وهذا يحدُّ من قدرتها على الاحتفاظ بالأرض على المدى الطويل. وهذا هو السبب في فشل الهجوم على غزني في نهاية الأمر، بصورة مماثلة لما حدث في الهجوم الذي احتفلت به طالبان على ولاية قندوز في عام 2015. ففي تلك المعركة، تمكنت حركة طالبان من اقتحام المدينة الجنوبية والاستيلاء عليها، لكن المتمردين أُجبروا على الانسحاب بعد القصف الجوي المكثف لقواعدهم.

ولذلك ينبغي النظر إلى الصراع المستمر للسيطرة علي غزني في سياق مفاوضات السلام التي قيل إنها عُقدت في قطر في يوليو الماضي. وفي حين يبدو أن الرئيس ترامب قد أصغى لرأي قادته العسكريين وأرسل إشارات إلى طالبان بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حكومة أشرف غاني، فقد حرصت طالبان على إثبات أنها لاتزال هي المسيطرة فعلياً على المناطق الريفية الأفغانية ولاتزال سيطرة حكومة غاني محصورة إلى حد كبير في كابول والولايات الشمالية الشرقية.

�شلام بعيد.. لكنه لي�ص م�شتحيلاً

ليست هذه هي المرة الأولى التي تجلس فيها الولايات المتحدة مع طالبان. ففي عام 2011، حاول الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما استغلال زيادة القوات الأمريكية لفرض شروط تسوية سلمية، غير أن المبادرة باءت بالفشل. لكن ربما يكون الوضع مختلفاً هذه المرة. إذ يبدو أن قادة طالبان، العام الماضي، كانوا ينتظرون أن يفي الرئيس ترامب بالوعد الذي قطعه على نفسه خلال حملته الانتخابية، المتمثل في إنهاء الانخراط الأمريكي في أفغانستان، غير أن هذا لم يحدث.

وربما يكون ترامب لايزال على موقفه المعارض للانخراط في حروب خارجية، لكنه يدرك أن الرأي العام الأمريكي لن يروق له التخلي الكامل عن حملة بدأت كانتقام أمريكي رداً على هجمات 11 سبتمبر. كما أن احتمال عودة طالبان قد يبدو، بالنسبة لكثيرين، هزيمة استراتيجية لواشنطن.

لذا يبدو أن القوات الأمريكية، وبدعم من بعض حلفاء الولايات المتحدة، عازمة على البقاء في أفغانستان، لتجنب أي تصوُّر حول هزيمة استراتيجية أمريكية أخرى، كما جرى تصوير العراق عقب قرار أوباما بالانسحاب منه عام 2011. وبالتالي، فإن الشعور السائد بوجود حالة جمود يبدو أنه هو الذي يدفع طالبان والأمريكيين للتفاوض.

علاوة على ذلك، فإن لدى الجانبين مصلحة قوية في التوصل إلى صيغة مقبولة لسلام دائم، على الرغم من أن ملامحه لاتزال غير مكتملة. والأهم من ذلك، أن واشنطن أقرت بأن قيادة طالبان الحالية لديها السلطة لفرض النظام وإنفاذ اتفاق وقف إطلاق النار، كما أظهرت ذلك خلال عيد الفطر الماضي.

ويبدو أن الشعور الواضح بالسأم من الحرب لدى كلا الجانبين، إضافة إلى القبول الأمريكي التدريجي بضرورة وجود طالبان كجزء من أي تسوية دائمة في أفغانستان، قد مهَّد الطريق لعقد اجتماع يوليو 2018.

وعلى الرغم من أن طالبان ستواصل استعراض عضلاتها، فإنه يبدو ممكناً أن تكون هناك شهية للسلام لدى الجانبين؛ ذلك أن 17 عاماً هي فترة طويلة لخوض حرب، ولا شك أن الرئيس ترامب سيغتنم فرصة عقد سلام في أفغانستان لإظهار قدرته الفائقة في عقد الصفقات أكثر من سابقيه، لكن هذه العملية قد لا تكون سريعة أو سهلة.

ربما يكون ترامب لايزال على موقفه المعارض للانخراط في حروب خارجية، لكنه يدرك أن الرأي العام الأمريكي لن يروق له التخلي الكامل عن حملة بدأت كانتقام أمريكي رداً على هجمات 11 سبتمبر. كما أن احتمال عودة طالبان قد يبدو، بالنسبة لكثيرين، هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

أ. أنجُس تافرنر مدير مؤسسة سميث تافرنر ذ.م.م، أكسفورد، المملكة المتحدة

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.