معاقبة الحلفاء:

تنامي التوتر بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية

Trending Events - - تحليلات المستقبل - عمرو صلاح باحث متخصص في العلاقات الدولية، ماجستير العلاقات الدولية، جامعة إكستر. المملكة المتحدة

تشير الخبرة التاريخية إلى إقدام الدول على توظيف العقوبات الاقتصادية في مواجهة الخصوم لإجبارهم على تغيير سلوكياتهم، غير أن عدداً من التطورات الدولية كشف عن اتجاه الدول إلى استخدامها في مواجهة حلفائهم التقليديين، كما في تهديد الولايات المتحدة الأمريكية لحلفائها الغربيين بفرض عقوبات عليهم لمنعهم من اتباع سياسات لا ترضى عنها.

عادة ما تستخدم الحكومات والمؤسسات الدولية العقوبات الاقتصادية كوسيلة لإجبار الخصوم على تبني سياسات معينة، أو ردعهم عن انتهاج سلوك معين، أو معاقبتهم على إجراء اتخذوه من أجل تغيير الخيارات الاستراتيجية للخصوم)1.)

وتعرف العقوبات الاقتصادية على أنها: "وقف التعاملات التجارية والمالية مع دولة معينة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية"، وقد تكون هذه العقوبات شاملة؛ أي أنها تحظر النشاط التجاري مع دولة معينة بصورة كاملة، أو قد تكون جزئية، تستهدف وقف المعاملات المالية والتجارية مع شركات أو أفراد معينين)2.)

ولم تحسم الأدبيات المعنية بالعقوبات الاقتصادية الجدل الدائر حول جدواها، فبينما يرى البعض أن تأثيرها محدود النجاح في الضغط على المستهدفين بها، فإن المدافعين عنها يجادلون بأنها ساعدت الدول الغربية في مواجهة الكثير من التهديدات الجيوسياسية، مثل وقف تورط الدول في دعم الإرهاب والإتجار بالمخدرات، أو تطوير برامج نووية عسكرية، وحل وتسوية النزاعات.

اأولً: تحوّل وا�شنطن اإلى معاقبة الحلفاء

تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الدول استخداماً للعقوبات الاقتصادية والمالية مقارنة بأي بلد آخر في العالم)3(، ساعدها في ذلك عدد من العوامل في مقدمتها قوتها العسكرية ونفوذها الاقتصادي، فضلاً عن مركزية الدولار الأمريكي للاقتصاد العالمي باعتباره العملة الأكثر اعتمادية في الاحتياطيات النقدية لمختلف دول العالم، والنفوذ التي تتمتع به واشنطن داخل المؤسسات الدولية)4(، هذا بالإضافة إلى ما تمثله العقوبات من خيار أقل كلفة سياسياً واقتصادياً مقارنة بالحرب، إذ يقع في مساحة وسط ما بين الدبلوماسية والحرب) 5 .)

ويمكن القول إن هناك إجماعاً لدى الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، الجمهوري والديمقراطي، على توسيع الاعتماد على العقوبات الاقتصادية، وذلك على مدار العقدين

الماضيين، غير أن اللافت في هذا الإطار، هو توسع إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الاعتماد على العقوبات بشكل كبير، حيث تم في عام واحد إضافة ما يقرب من ألف كيان وفرد لقوائم العقوبات)6.)

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل توسعت الولايات المتحدة في فرض عقوبات ضد حلفائها التاريخيين في العالم الغربي، ممن كان لهم دور فاعل في بناء وتوطيد النظام العالمي بمؤسساته المختلفة، تحت القيادة الأمريكية، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل وتضامنت مع واشنطن في مواجهة تهديدات تاريخية مختلفة. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى ثلاثة أمثلة رئيسية، على هذا المسلك الجديد، وذلك على النحو التالي: 1- تقييد الصادرات الأوروبية للولايات المتحدة: أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 31 مايو 2018، فرض بلاده رسوماً جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على واردات الألمنيوم من الاتحاد الأوروبي بغرض "حماية الأمن القومي" من "زيادة آثار العرض العالمي للصلب والألمنيوم")7(. وهو التصرف الذي تساوى فيه تصنيف الولايات المتحدة لكل من الصين )الخصم( وحلفائها الغربيين، مثل الاتحاد الأوروبي وكندا كمصدر تهديد للأمن القومي، وتلقاه الحلفاء الأوربيون ب "إحباط شديد" ووصفوه بالسلوك "غير المبرر")8(، واضطر الاتحاد الأوروبي إلى مقاضاة الولايات المتحدة أمام منظمة التجارة العالمية WTO(،) بالإضافة إلى قيام دول الاتحاد بالتهديد بفرض تعريفات مقابلة على وارداتهم من الولايات المتحدة)9(، وهو ما رد عليه ترامب بمزيد من التصعيد عبر زيادة التعريفات على الواردات الأمريكية من السيارات الأوروبية بنسب تصل إلى ‪.) 10(% 20‬ 2- معاقبة الشركات الأوروبية العاملة في إيران: هدد دونالد ترامب بمعاقبة أي كيان يتعامل مع إيران من ممارسة أي أعمال تجارية في الولايات المتحدة، وذلك عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، وإصداره في 6 أغسطس 2018 أمراً تنفيذياً رقم 13846 بفرض حزمة من العقوبات الجديدة على إيران)11.)

ونظراً لإخفاق ضغوط بروكسل في إقناع ترامب باستثناء الشركات الأوروبية، فقد أقر الاتحاد الأوروبي قانوناً لحماية شركات الاتحاد الأوروبي التي لها استثمارات في إيران من أثر العقوبات الأمريكية التي تطال الدول الأخرى)12،) وذلك نظراً لأن الاتحاد الأوروبي ثالث أكبر شريك تجاري لطهران بنسبة تقدر بحوالي 16.3% من إجمالي التجارة الإيرانية) 13 .)

ولا يتوقع أن تنجح الإجراءات الأوروبية، إذ من المتوقع أن تمتثل أغلب الشركات الدولية للعقوبات الأمريكية، نظراً لأنها تمتاز بمكون قانوني متجاوز للحدود الوطنية Extraterritorial(،) خاصة إذا ما كانت تستخدم الدولار في معاملاتها، أو لديها فروع في الولايات المتحدة)14(، إذ لا تستطيع هذه الشركات التضحية بقدرتها على النفاذ للسوق الأمريكي، ولذلك شرعت كبريات الشركات الأوروبية للانسحاب من السوق الإيراني، مثل إيرباص الأوروبية لصناعة الطائرات، وشركة توتال الفرنسية، وسيمنز الألمانية، وشركة بيجو الفرنسية، ودايملر الألمانية لصناعة المركبات) 15 .) 3- معاقبة الشركات العاملة في مشروع الغاز الروسي – الأوروبي: مع انطلاق العمل على مشروع أنبوب "السيل الشمالي 2"‬ 2( Stream ‪Nord،) وهو ثاني خط غاز يربط روسيا بشمال ألمانيا عبر بحر البلطيق بمساهمة شركات أوروبية وشركة غاز بروم الروسية، صعدت الولايات المتحدة من تعبيرها عن مخاوفها الأمنية تجاه المشروع والتهديد بأن الشركات المشاركة فيه سوف تتعرض لعقوبات أمريكية.

وتعارض واشنطن هذا المشروع لاعتبارات استراتيجية، نظراً لأنه سيزيد اعتماد أوروبا على روسيا في إمدادات الغاز، ويفتح الطريق أمام روسيا لتركيب معدات مراقبة تحت سطح بحر البلطيق، هذا بخلاف أنه يهدر فرصة تصدير الغاز المسال الأمريكي إلى أوروبا الغربية، خاصة أن سعره يفوق نظيره من الغاز الروسي)16(. وأخيراً، فإن هذا المشروع سوف يقسم الاتحاد الأوروبي، إذ أنه يمكن روسيا من تصدير الغاز مباشرة إلى دول أوروبا الغربية، دون المرور بأوكرانيا، وهو ما يوفر لها أداة إضافية للضغط على الأخيرة)17.)

ولذلك هددت الإدارة الأمريكية، على لسان متحدثها الرسمي، في يوليو 2018 بأن الشركات العاملة في قطاع أنابيب تصدير الطاقة الروسية سوف يعرضها للعقوبات الأمريكية) 18 .)

ثانياً: دوافع ال�شيا�شة الأمريكية

مثلت التحالفات السياسية محوراً مهماً في دراسة العلاقات الدولية وفق الاقترابات السياسية المختلفة، خاصة الواقعية والليبرالية، والتي قدمت تفسيرات لفهم أسباب تشكيل التحالفات الدولية وطبيعة التوترات التي تصيب أعضاءها. ولا يعد سلوك واشنطن، في ظل إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بمعزل عن هذا، إذ يمكن فهم التوجه الأمريكي نحو معاقبة الحلفاء الغربيين على النحو التالي: 1- طغيان المدرسة الواقعية: تبدو السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب أميل إلى الواقعية السياسية بشكل عام. ويتمثل أحد المسلمات الرئيسية لهذه المدرسة في رؤية العالم في إطار "فوضوي"، حيث افتراض أنه لا يوجد ما يردع سلوك الآخرين سوى القوة. وهنا فإن القوى

العظمى تكون معنية ببقائها فقط، ولا تستطيع إلا الاعتماد على ذاتها لحماية نفسها، وذلك من خلال توظيف القوة.

وفي ظل هذه الحالة الصراعية، فإن فرص التعاون مع غيرها تكون محدودة، إذ يغلب على الدولة الحسابات الصفرية، فما تحققه دولة ما من مكسب يعني خسارة الآخرين بالضرورة)19(. وتنزع الإدارة الأمريكية إلى تبني نظرة متطرفة لمصالحها، إذ تربطها دوماً باعتبارات أمنها القومي، وهو ما يجعلها تتعامل مع خصومها وحلفائها، على حد سواء بمنطق العقوبات، وهو المبرر الذي استخدمته الإدارة الأمريكية في تبرير معاقبة حلفائها. 2- انحسار الفكر الليبرالي: ترى المدرسة الليبرالية أن التحالفات تعد من أفضل الأدوات للدفاع عن المصالح المشتركة)20(، إذ إن اعتماد الحلفاء على بعضهم البعض يجعل النزاع شديد الكلفة وصعب الحدوث، غير أن وجهة النظر هذه تشهد انحساراً بفضل عدد من العوامل. فقد تراجعت منظومة القيم الغربية بنمو وازدهار تأثير التيارات الشعبوية والقومية في مجتمعات غربية عدة. وصعدت العديد من التيارات الشعبوية، التي باتت تطالب بسياسات متطرفة لعلاج الأزمات التي تواجه المجتمعات الغربية، كما تجسد في انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والاختلافات الحادة بين الشركاء الأوروبيين حول التعامل مع أعباء قضية الهجرة.

وتحمل الإدارة الأمريكية قيماً معادية لتلك القيم التي استقرت عليها مؤسسية التحالفات الغربية عبر عقود، ومن ثم فإن سياساتها تجاه الحلفاء الغربيين هي انعكاس لتلك القيم المعادية التي تجعل من الصعب الحفاظ على مستوى التعاون السابق نفسه)21.)

ومن جهة ثانية، هناك تضارب في المصالح بين الحلفاء الغربيين، والتي عجزت المدرسة الليبرالية عن تقديم حلول واقعية لمواجهته. وعلى سبيل المثال، فإن التعاون الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي من جانب، وروسيا وإيران من جانب آخر، لا يحقق المصالح الأمريكية بالضرورة، والتي تتمثل في احتواء روسيا وإيران، أو خفض عجز الميزان التجاري الأمريكي، كما أن التعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا لم يحقق للأخيرة إمكانية الاستغناء عن المكاسب التي قد تجنيها من التعامل مع الخصوم، مثل الغاز الروسي أو التجارة مع إيران.

ثالثاً: النعكا�شات المحتملة لل�شلوك الأمريكي

يتوقع أن يترتب على السياسات الأمريكية عدد من التداعيات السلبية، والتي قد تؤثر على وضع واشنطن نفسه في النظام الدولي، ويمكن إيجاز أهم هذه التداعيات في النقاط التالية: 1- انقسام الغرب: يبدو أخطر ما في التوجه الأمريكي العدائي نحو الحلفاء هو دخول الولايات المتحدة مع حلفائها من الدول الغربية في عملية تصعيد وتصعيد مقابل، وهو الأمر الذي ينذر بتوتر العلاقات بين الجانبين، واتجاه بروكسل للتفكير جدياً في إقامة شراكات اقتصادية مع دول أخرى، كما أنه سوف يعزز الأصوات داخل الاتحاد الأوروبي، مثل إيطاليا المنادية باستعادة العلاقات مع موسكو، وعدم الاستمرار في فرض العقوبات الأمريكية عليها)22(. وما يعزز هذا التوجه سياسة ترامب المتضاربة حيال روسيا، ما بين الهجوم عليها، وإبداء استعداده للجلوس معها على طاولة المفاوضات لتسوية الخلافات العالقة في العلاقات البينية)23.) ولعله يمكن في هذا الإطار فهم الدعوات الخاصة بالسيادة الاقتصادية الأوروبية والدفاع الأوروبي المشترك خارج منظومة الناتو، كما في إعلان 25 دولة أوروبية من إجمالي 28 دولة بصورة رسمية دعمها اتفاق "التعاون الهيكلي الدائم" )بيسكو( في ديسمبر 2017، والذي يؤسس لإقامة "اتحاد دفاعي أوروبي")24.) 2- تقويض أسس النظام الليبرالي العالمي: لعب عدد من العوامل دوراً كبيراً في تراجع تأثير القيم الليبرالية، التي وضعتها الولايات المتحدة، وسادت النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة. وتتمثل هذه العوامل في صعود قوى دولية مؤثرة لا تؤمن بالقيم الليبرالية الغربية، مثل الصين وروسيا، بالإضافة إلى تجدد الصراعات الإقليمية والدولية.

ويشير البعض في هذا الإطار إلى أن سياسات ترامب لعبت دوراً كذلك في تراجع أسس هذا النظام، خاصة مع نكوصه عن اتفاقات التجارة الحرة، وإبداء استعداده التام للدخول في حرب تجارية، فضلاً عن تهديده للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بالتخلي عنهم، إذا لم يقوموا بزيادة إنفاقهم الدفاعي)25.)

وإذا كانت الولايات المتحدة تتحمل بعض الأعباء المالية نتيجة لقيادتها النظام الدولي، فإنه لا ينبغي لها أن تتجاهل أنها تستفيد من ذلك، كما في تجاوب الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على روسيا. ومن جهة ثانية، فإن هناك العديد من القوى الدولية الراغبة في تعويض غياب الدور الأمريكي، مثل الصين، والتي باتت المدافع الرئيسي عن حرية التجارة)26.) 3- خسارة أمريكية محتملة: إن توسع الولايات المتحدة في استخدام العقوبات خارج دائرة الخصوم التقليديين لتشمل الحلفاء أيضاً، من شأنه أن يؤثر على مصداقية واشنطن لدى حلفائها)27(، كما أن وضع الدولار في الاقتصاد الدولي سوف

يتأثر من دخولها في خلافات مع الحلفاء التقليديين ذوي النفوذ الاقتصادي، إذ إنهم قد يفكرون في التخلي عن الدولار في إدارة التعاملات والتحويلات. ونظراً لأن أحد مصادر قوة الولايات المتحدة ونفوذها حول العالم هو استخدام الدولار كاحتياطي نقدي عالمي، كما أشرنا سابقاً، فإنه إذا اتجه عدد من الدول للعزوف عن الاعتماد على الدولار، وشرعوا في استخدام عملات بديلة، فإن واشنطن قد تفقد أحد مرتكزات نفوذها في النظام الدولي)28(. هذا الاحتمال يجد منطقه في تحذيرات لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري من أن قرار الولايات المتحدة الأمريكية بالتراجع عن الاتفاق النووي الإيراني قد يترتب عليه تأثير على وضع الدولار في النظام المالي العالمي)29.)

وفي الختام، يمكن القول إن الولايات المتحدة تمتلك النفوذ الاقتصادي والعسكري الذي يجعلها تمتلك القدرة على فرض عقوبات على حلفائها، بما يكبدهم خسائر أكبر مما ستتحمله واشنطن. ومن الواضح أن هذا السلوك قد يستمر خلال الفترة المقبلة، ارتباطاً بطغيان الفكر الواقعي على قناعات ترامب، والتي تقوم على أن الولايات المتحدة قوة عظمى، معنية ببقائها فقط وحماية مصالحها، ويجب أن توظف قوتها في تحقيق ذلك.

ويعزز من الخلاف بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين تضارب المصالح في عدة ملفات مثل ملف الطاقة، وردع إيران، ومواجهة عجز الميزان التجاري الأمريكي، غير أنه على المدى البعيد، فإن تمادي الولايات المتحدة في سياستها تلك قد يفقدها حلفاءها، ونفوذها الاقتصادي الذي تتمتع به، ولعل إقدام ترامب على التفاوض من جديد مع الاتحاد الأوروبي حول الرسوم الجمركية قد يمثل بادرة أمل في اتجاه تحسين العلاقات بين الجانبين.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.