تحوّل استراتيجي:

اتجاه بكين لتعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط

Trending Events - - تحليلات المستقبل - جيفري باين* مدير الشؤون الأكاديمية في مركز الشرق الأدنى لجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية، جامعة الدفاع الوطني، بواشنطن - الولايات المتحدة

حرصت بكين على تعزيز علاقاتها بدول الشرق الأوسط من خلال الروابط التجارية، الأمر الذي جنبها في الوقت ذاته كلفة التورط في الاضطرابات السياسية الإقليمية، غير أنها بدأت تدريجياً في نشر قواتها العسكرية خارج حدودها، لحماية استثماراتها ومواطنيها في الخارج، شأنها في ذلك شأن كل القوى الصاعدة على مدار التاريخ. تبنت الصين على مدار العقد الماضي خطوات لتعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط عبر إرساء قواعدها العسكرية بالقرب من المنطقة، وإرسال بعثات خارجية لوحداتها العسكرية لإمدادها بالخبرة اللازمة بالعمليات التي تُنفذ عن بعد، وكذلك من أجل فهم أفضل للأبعاد الاستراتيجية للشرق الأوسط.

ويسعى هذا التحليل إلى رصد التحولات التي طرأت على استراتيجية بكين، واتجاهها لتعزيز دورها العسكري في دول مختلفة من الشرق الأوسط، وكذلك القيود الواردة على مثل هذا الدور، والأشكال التي اتخذها في منطقة الشرق الأوسط، وأخيراً حدود هذا الدور وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي.

اأولً: تحولت ا�شتراتيجية بكين

يُعد النفط أحد الأسباب الرئيسية المفسرة لاهتمام الصين بمنطقة الشرق الأوسط، فقد أدى تصاعد النمو الاقتصادي الصيني خلال العقود الماضية إلى تصاعد طلبها على الطاقة، خاصة مع تراجع احتياطاتها من الطاقة وعجزه عن تلبية احتياجات الاقتصاد الصيني. وعلى الجانب الآخر، فإن الشرق الأوسط يعد من أغنى مناطق العالم باحتياطات الطاقة، وأبدت دوله استعداداً لتلبية الاستهلاك الصيني الكبير)1.) ويمكن في هذا الإطار التمييز بين ثلاث حقب أساسية حكمت تفاعلات بكين مع دول الشرق الأوسط، وهي على النحو التالي: 1- تجاهل غرب آسيا: لم تتمتع الصين بعلاقات وطيدة مع دول الشرق الأوسط خلال أغلب فترات القرن العشرين، حيث كانت تتجنب التورط في السياسات الإقليمية، كما لم تربطها علاقات تجارية قوية مع دول الإقليم، ولذلك لم تبذل جهداً كبيراً من أجل فهم هذا الإقليم الذي تطلق عليه "غرب آسيا". وعلى سبيل المثال، لم تربطها علاقات رسمية مع المملكة العربية السعودية حتى عام 1990، وكانت أكثر السلع التي تداولتها مع دول مثل العراق هي الأسلحة سوفييتية الصنع. 2- توطيد العلاقات الاقتصادية: بدأ الاهتمام الصيني بإقليم غرب آسيا في منتصف التسعينيات من القرن العشرين، وذلك بالتزامن

مع تسارع نمو الاقتصاد الصيني)2(. فقد كانت محاولتها تعزيز العلاقات مع دول الشرق الأوسط مدفوعة باعتبارات اقتصادية غالبة، فركزت على استيراد المواد الخام من دول المنطقة، وعلى الوصول إلى أسواق خارجية جديدة لتصدير منتجاتها.

وعمدت الصين إلى تجنب التورط في الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط، أو أن تأخذ على عاتقها مسؤولية توفير الأمن لدول المنطقة، وهو الملمح الحاكم لسياستها الخارجية، حتى مع دول جنوب وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى طوال هذه الفترة.

وعلى الجانب الآخر، مثلت الصين للشرق الأوسط شريكاً استراتيجياً، وسعت العديد من دوله إلى إقامة علاقات معها بسبب تنامي ثروة بكين وعدم وجود تاريخ سلبي لها في المنطقة، فلم يكن لها تاريخ استعماري في دول المنطقة، مثل أغلب الدول الغربية.

وسعت بكين في البداية إلى الاقتراب من الدول القريبة منها جغرافياً، فركزت على تعزيز العلاقات مع إيران، نظراً لقربها من دول آسيا الوسطى، التي تتمتع بعلاقات قوية مع بكين، وقامت بتصدير المعدات العسكرية لهم أثناء حقبة التسعينيات من القرن العشرين في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي) 3 .)

ومثلت دول مجلس التعاون الخليجي، لاسيما عُمان والمملكة العربية السعودية، فرصاً سانحة للصين نتيجة توفر الكثير من الموانئ البحرية بها، علاوة على غناها بالموارد الطبيعية المذكورة آنفاً. وبدأت الشركات الصينية، سواء المملوكة للدولة أو التابعة للقطاع الخاص، في الانتشار في جميع المدن الكبرى بالشرق الأوسط. كما تطورت العلاقات الثقافية، وإن كان تطورها بطيئاً، حيث قدمت الصين منحاً دراسية للطلاب العرب للدراسة بالجامعات الصينية، كما بدأ العلماء والفرق الفنية الصينية، على حد سواء، في زيارة دول الشرق الأوسط. 3- توظيف النفوذ السياسي: توطدت العلاقات الصينية الشرق أوسطية مع تولي إدارة "شي جين بينج" الحكم في الصين. وكان "شي" عازماً على تأكيد مكانة الصين كقوى عظمى في النظام الدولي، وأكد في أحاديثه للشعب الصيني عن قدَر بكين في أن تتولى زعامة آسيا. فالفكرة الأساسية التي يروج لها "شي" أن هذا هو "العصر الصيني"، وأنه لا شيء سيقف في وجه بكين. فقد أدرك أن العلاقات التي نسجتها الصين على مدار الثمانينيات والتسعينيات والقرن الحادي والعشرين، مع أغلب الدول الآسيوية لم يتم استغلالها سياسياً، ولذلك عزم على استغلال ذلك لدعم نفوذ بكين العالمي.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى مبادرة "الحزام والطريق" الصينية على أنها من المؤشرات على عزم الصين توظيف نفوذها السياسي عالمياً) فالمبادرة تهدف إلى ربط الصين بالكثير من الدول الآسيوية والأفريقية، وتعزيز نفوذها لديهم من خلال توطيد العلاقات معها في مجالات التجارة والتنمية والاتصالات والتمويل) .)

وترتبط هذه المبادرة ارتباطاً وثيقاً بالرئيس شي، وهي تتكون في الواقع من مسارين لربط الدول. المسار الأول، والذي يطلق عليه "الحزام" أو طريق الحرير الاقتصادي، وهو عبارة عن مجموعة من الطرق البرية، التي تربط الصين بأوروبا من خلال المرور بدول آسيا الوسطى وروسيا والشرق الأوسط. والثاني، والذي يطلق عليه مبادرة طريق الحرير البحري، وهو ممر بحري يمر عبر مياه جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط وشرق إفريقيا، قبل أن ينتهي في السواحل الأوروبية للبحر الأبيض المتوسط) .)

ثانياً: ع�شكرة الدور ال�شيني

تهدف مبادرة الحزام والطريق إلى تعزيز النفوذ الصيني حول العالم، بما يتطلبه ذلك من زيادة الوجود العسكري الصيني في الخارج. ويمكن القول إن هذه المبادرة كانت أحد العوامل التي دفعت بكين لتعزيز دورها العسكري في الخارج، وهو ما يمكن إيضاحه في النقاط التالية: 1- استعداد "شي" للمغامرة: توجه مبادرة "الحزام والطريق" الفائض الاقتصادي للصين في استثمارات خارجية في عدد كبير من الدول، وذلك من أجل مواصلة النمو الاقتصادي السريع لبكين، غير أن للمبادرة تكلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة، إذا ما تعثرت بعض هذه الاستثمارات، أو لم تنجح في تحقيق العوائد الاقتصادية المرجوة منها، إذ إن أي إخفاق يحدث للمبادرة سوف ينعكس سلباً على وضع الرئيس الصيني "شي"، خاصة أن الحزب الشيوعي الصيني الحاكم كان دوماً معادياً للمخاطرة، لاسيما تلك المخاطر المتعلقة بتورط الصين في أنشطة تتجاوز حدودها. وتعرض المبادرة الصين بالفعل لمخاطر كبيرة يدركها "شي" جيداً، ويعمل حالياً على استيعابها والحد من تداعياتها، ولكنه يراها الوسيلة المناسبة لمواصلة النمو الصيني وتعزيز نفوذ بكين دولياً، والذي لن يتأتي إلا بالمزاوجة بين الوجود الاقتصادي والعسكري. 2- حماية الاستثمارات الصينية: تدفع استثمارات بكين الخارجية، ومحاولتها الرامية إلى تعزيز نفوذها العالمي إلى تحويلها إلى طرف في التفاعلات التي تتم في الشرق الأوسط، خاصة أن الصراعات فرضت تهديدات على مصالح بكين.

فقد كان العراق هدفاً للاستثمارات الصينية، نظراً لما تملكه من مخزونات نفطية لم تستخرج بعد في جميع أنحاء البلاد، والتي يتعطش إليها الاقتصاد الصيني. وقوض ظهور "داعش" وزعزعته استقرار العراق الاستثمارات الصينية هناك، فدعمت الصين جهود التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على "داعش". وعلى الرغم من أن الصين تحاشت التورط في هذه الحرب)7(، فإن صعود "داعش" أكد لبكين حقيقة استحالة حماية استثماراتها الخارجية من دون توظيف الأداة العسكرية لحماية هذه الاستثمارات، ولذلك عمدت إلى نشر شركاتها العسكرية الخاصة لحماية استثماراتها في مناطق الصراعات.

ثالثاً: اأ�شكال التدخل ال�شيني

على مدار العقد الماضي، عززت الصين قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط والأقاليم المجاورة له بمعدلات ثابتة. وجاءت هذه الجهود المكثفة نتيجة لزيادة استثمارات الصين الاقتصادية في المنطقة، والتي قد تحتاج إلى توفير الحماية العسكرية لها، ونتيجة رغبتها في المشاركة بدور أكبر في الجهود العسكرية الخارجية تحت لواء الأمم المتحدة، وكذلك لوضع الجيش الصيني في موقع جغرافي استراتيجي يمكنه أن يخدم أهداف مبادرة الحزام والطريق وغيرها من الأهداف السياسية الأخرى. ويمكن الإشارة إلى أبرز أشكال الوجود العسكري الصيني في منطقة الشرق الأوسط في النقاط التالية: 1- المشاركة في عمليات حفظ السلام: يدرك القادة السياسيون والعسكريون في بكين أوجه القصور التي يعانيها الجيش الصيني. فعلى الرغم من أن جيش التحرير الشعبي الصيني ضخم ويحظى بتمويل جيد، فإن خبرته في القيام بعمليات خارج الأراضي الصينية محدودة. ولذلك عمدت قيادة الجيش الصيني إلى تطوير قدرته على الانتشار بعيداً عن الوطن لحماية الاستثمارات والمصالح الصينية في الخارج.

وتعتبر مشاركة بكين بفاعلية في عمليات حفظ السلام من الطرق لإكسابه هذه الخبرة، إذ تحقق هذه المشاركة هدفين أساسيين، أولهما: اكتساب القدرة على التخطيط اللوجستي ونشر الأصول العسكرية في الخارج، وثانيهما: التعرف على مناطق الصراع في الدول التي تحظى بأهمية اقتصادية للصين، من دون أن يثار جدل حول دورها العسكري في الخارج. وقام جيش التحرير الشعبي بالمشاركة في قوات حفظ السلام التابعة لبعثات الأمم المتحدة في لبنان ومالي وجنوب السودان)8.) 2- القيام بجهود الإغاثة: قامت بكين بعمليات عسكرية غير حربية في منطقة الشرق الأوسط، فقد شارك الجيش الصيني في القيام بعملية إخلاء المدنيين الصينيين من مناطق الصراعات، حيث قام الجيش بإجلاء عشرات الآلاف من الرعايا الصينيين من ليبيا في عام 2011، كما قام بإجلاء مئات الصينيين من اليمن مع بداية الحرب الأهلية في عام ‪.) 9( 2015‬

وتعد العملية العسكرية الصينية في ليبيا سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجيش الصيني، لأنها كانت المرة الأولى التي ترسل فيها الصين أصولاً عسكرية إلى جزء بعيد من العالم لحماية مواطنيها هناك. وتكشف عن تنامي قدرتها على القيام بعمليات بعيدة المدى، بعد أن كانت غير قادرة أو راغبة في تنفيذ مهام مماثلة قبل عقد واحد فقط)10.) 3- نشاط البحرية الصينية: صارت القوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي تجوب الموانئ في جميع أنحاء الشرق الأوسط، خاصة موانئ الخليج، بوتيرة تفوق أي وقت مضى. واشتركت الصين منذ عام 2008 في جهود مكافحة القرصنة بالقرب من خليج عدن لحماية النقل البحري التجاري من خطر القرصنة القادم من الساحل الصومالي. ونشطت البحرية العسكرية الصينية في المياه الواقعة بين شرق أفريقيا والشرق الأوسط، لكنها لم تشترك في الجهود متعددة الأطراف الحالية لمواجهة القرصنة، مثل "القوات البحرية المشتركة" بقيادة الولايات المتحدة. ولم يكن وجود سفن جيش التحرير الشعبي من أجل المساعدة في الحد من خطر القراصنة فحسب، بل وأيضاً لحماية السفن التي ترفع علم الصين والتي تبحر في هذه المياه)11.) 4- الاحتفاظ بقواعد بحرية: ساعدت الأنشطة العسكرية السابقة في زيادة خبرة جيش التحرير الشعبي في القيام بعمليات في الشرق الأوسط. وأغرت هذه الخبرة الجيش على تعزيز وجوده البحري، وهو ما وضح في إنشاء أول منشأة عسكرية خارج حدوده في جيبوتي.

ووصفت الحكومة الصينية قاعدة جيبوتي، التي افتتحت في عام 2017، بأنها سلاح ذو حدين، حيث إنها تُستخدم كقاعدة لوجستية لعمليات حفظ السلام وغيرها من العمليات الإنسانية الأخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا، بالإضافة إلى كونها ميناءً لإعادة إمداد السفن العسكرية والتجارية الصينية التي تبحر في المياه القريبة وكذلك لإصلاحها. ومن المؤكد أن القاعدة بحالتها الآن تحقق تلك الأغراض، ولكنها تتمتع أيضاً بقدرات إضافية، فحجمها يسمح لها بالقيام بمجموعة من المهام العسكرية إذا دعت الحاجة لذلك، بما في ذلك قدرات جمع المعلومات الاستخبارية)12.) 5- الشركات الأمنية الخاصة: تلعب الشركات الأمنية الصينية أدواراً متصاعدة في بلدان الصراعات في الشرق الأوسط، وذلك لتوفير الحماية للاستثمارات الصينية، إذ إنها تقوم بتوفير الحماية لمحطات الطاقة في العراق، وشبكات الاتصالات في سوريا، ومناجم النحاس في أفغانستان. وتسيطر الحكومة الصينية على هذه الشركات، خاصة أن المنتسبين لها كانوا يعملون سابقاً في جيش التحرير الصيني)13.)

رابعاً: حدود الدور الع�شكري ال�شيني

يزداد الوجود العسكري الصيني بصورة واضحة في الشرق الأوسط، غير أنه لا ينبغي المبالغة في تقدير حجم هذا الوجود، إذ ستواصل بكين سعيها لتحاشي أن تصبح طرفاً في صراعات الشرق الأوسط، أو الدخول في معارك بالوكالة، أو المشاركة في عمليات مكافحة الإرهاب، أو تعزيز الأمن الإقليمي لدول المنطقة في الوقت الحاضر.

وتتطلب المصالح الصينية في الشرق الأوسط تعزيز وجودها العسكري لحماية استثماراتها الاقتصادية وحضورها

تلعب الشركات الأمنية الصينية أدواراً متصاعدة في بلدان الصراعات في الشرق الأوسط، وذلك لتوفير الحماية للاستثمارات الصينية، إذ إنها تقوم بتوفير الحماية لمحطات الطاقة في العراق، وشبكات الاتصالات في سوريا، ومناجم النحاس في أفغانستان. وتسيطر الحكومة الصينية على هذه الشركات، خاصة أن المنتسبين لها كانوا يعملون سابقاً في جيش التحرير الصيني.

الدبلوماسي، واكتسبت بكين خبرة عملياتية في الشرق الأوسط، كما صنعت لنفسها مسارات تحقق من خلالها أهدافها، سواء من خلال القواعد البحرية، أو الشركات الأمنية الخاصة أو غيرهما. ومن المتوقع أن يزداد حجم الوجود الصيني العسكري ارتباطاً بزيادة الموارد المتاحة للجيش الصيني، والخبرات التي راكمها من العمل في الشرق الأوسط. وسينصب تركيز بكين البحري على المناطق القريبة من باب المندب، فهي تعي جيداً أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية، ولن تسمح لقوة أخرى بالانفراد بالسيطرة عليها.

وعلى الرغم من تزايد هذا الدور، واحتمال تصاعده مستقبلاً، فإن بكين ستتحاشى التورط في أي أزمات إقليمية، بما يستتبعه ذلك من الانحياز لطرف على حساب آخر، وستسعى للحفاظ على علاقات تعاونية مع دول الشرق الأوسط كافة حتى لا تخاطر بمصالحها الاقتصادية، ومن ثم فإنها لن تسعى في الوقت الحالي لكي تحل محل الولايات المتحدة بصفتها المظلة الأساسية لتوفير الأمن في الشرق الأوسط)14.)

ومن جهة ثانية، ستسعى بكين لاستغلال النوايا الحسنة التي زرعتها في المنطقة لتقديم نفسها كشريك بديل للقوى الكبرى الأخرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا، غير أن تحركات الصين في هذا الإطار لن تكون مفاجئة أو جذرية، فالاستراتيجية الصينية تهدف إلى الحصول على موطئ قدم استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وستعمل على تحقيق ذلك من خلال تغيير قواعد اللعبة بصورة تدريجية وهادئة على نحو ما قامت وتقوم به في بحر الصين الجنوبي حالياً، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى توتر علاقاتها مع الولايات المتحدة) 15 .)

وإذا كان تعزيز الحضور العسكري الصيني في منطقة الشرق الأوسط يقلق القوى الكبرى الفاعلة في الإقليم، فإنه قد لا يلقى القلق نفسه من دول الإقليم، خاصة أن الصين شريك اقتصادي وصديق سياسي مهم بالنسبة لهم، غير أنه مع تكثيف هذا الحضور وتصاعده، فإن دول الإقليم سيتوجب عليها الإجابة على أسئلة مثل، كيف سينعكس الوجود العسكري الصيني على مصالحها الوطنية؟ وكيف سيؤثر الوجود الصيني على علاقاتها مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى غير الإقليمية؟ وما هي الآثار الإقليمية التي ستترتب على تعزيز الوجود الصيني العسكري في الشرق الأوسط؟

الخاتمة

ينبغي على حكومات إقليم الشرق الأوسط أن تتوقع تنامي وجود جيش التحرير الشعبي في المنطقة والأقاليم المجاورة لها خلال العقد القادم، وأن تسعى لاستشراف تداعيات هذا الوجود، وإذا ما كان سيسهم في تحقيق الاستقرار أو إثارة الصراعات الإقليمية.

وعلى الرغم من أنه لا يتوقع أن تقدم بكين على تغيير ميزان القوى القائم في الشرق الأوسط، فإن بعض القوى الإقليمية قد تفسر تنامي الوجود العسكري للصين بصورة خاطئة، وتعمد إلى تبني سياسات أكثر عدوانية.

وإذا كانت الصين لا تستطيع حتى الآن أن تصبح لاعباً رئيسياً في التفاعلات والصراعات الإقليمية بالشرق الأوسط، ولكنه يتوقع أن تنجح خلال عقد من الزمن من نشر جيشها بكفاءة وفعالية في هذا الإقليم، وحينها سوف تصبح لاعباً مؤثراً على التوازنات الإقليمية لا يمكن تجاهله.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.