عسكرة البحار:

تحديث متزايد للقوات البحرية في العالم

Trending Events - - تحليلات المستقبل - نوار الصمد باحث متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية بالجامعة اللبنانية

أدى تصاعد تهديدات الأمن البحري وتضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية إلى تصاعد الاستثمار في بناء وتطوير القوة البحرية عبر استحداث منظومات تسلح نوعية، وامتلاك قطع بحرية متطورة، بالإضافة لتكثيف الانتشار العسكري في البحار والمحيطات، والتوسع في إقامة القواعد العسكرية البحرية.

اأولً: اتجاهات تطوير القوة البحرية

تصاعد اهتمام دول العالم بتطوير قدراتها البحرية من خلال امتلاك منظومات تسلح نوعية متقدمة وتحديث قدراتها العسكرية التقليدية، بالإضافة إلى توطين البحوث والتطوير التكنولوجي في المجال البحري، وفي الإطار تتمثل أهم اتجاهات تطوير القدرات البحرية فيما يلي:

1- تطوير منظومات تسلح متقدمة: تركز دول العالم على تطوير منظومات تسلح متقدمة لتعزيز قدراتها البحرية، حيث قامت روسيا باستحداث كاسحات جليد ذاتية القيادة ونشر درونز متقدمة على متن السفن الحربية التابعة لها، كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مايو 2018 عن تصنيع الغواصة المسيرة غير المأهولة "بوسيدون" وهي قادرة على الإبحار لمسافات بعيدة)1(. وفي السياق ذاته، أعلنت موسكو في أغسطس 2018 عن تصنيع مفاعلات نووية تعمل بشكل دائم بهدف استخدامها في توليد الطاقة في الغواصات النووية الروسية كي تتمكن من الإبحار لفترات طويلة) .)

2- تطوير القدرات العسكرية التقليدية: خصصت الولايات المتحدة ميزانية تقدر بحوالي 2.6 مليار دولار لتطوير منظومة طوربيدات شديدة التدمير لديها القدرة على التخفي، وقامت روسيا بانتاح طوربيد "كانيون" الذي وصلت سرعته إلى 185كم في الساعة وقادر على إصابة أهداف بدقة من مسافات بعيدة ويصعب اعتراضه بأنظمة الدفاع البحري)3.)

وبدأت روسيا في تصنيع حاملة طائرات ضخمة تسع حوالي 90 طائرة، وهو الاتجاه ذاته الذي اتبعته الصين التي تقوم بتصنيع حاملة طائرات ثالثة يمكنها حمل أكثر من 40 طائرة، كما اتجهت موسكو لتطوير غواصات من الجيل الخامس، وتصنيع أكثر من 26 قطعة بحرية جديدة بنهاية عام 4( 2018.)

3- الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة: قامت البحرية الأمريكية في مايو 2018 بتمويل

أبحاث جامعة فلوريدا أتلانتيك لتطوير مركبات بحرية ذاتية التشغيل يمكن التحكم بها من على متن السفن الحربية. وقامت الصين خلال 2018 بالاستعانة بعدد كبير من الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي للاستفادة من هذه التقنية في تسيير الغواصات النووية، كما تمكنت الصين من ابتكار نظام لإخفاء حركة غواصاتها)5.)

4- امتلاك قطع بحرية متطورة: تزايد تركيز دول العالم على تملك سفن حربية متقدمة، حيث نشرت مصر حاملة المروحيات من طراز ميسترال، وشاركت في المناورات القتالية في فبراير 2018، كما انتهت عملية تصنيع الفرقاطة الحربية الثانية من طراز كورفيت في مايو 2018 ضمن الصفقة التي تم إبرامها مع فرنسا. وقامت إسرائيل أيضاً بتطوير قدراتها البحرية من خلال الحصول على 3 غواصات بحرية ألمانية من طراز "دولفين" وتصنيع أربعة كورفيتات من طراز "ساعر – 6(" 6.)

وعقدت المملكة العربية السعودية في مطلع عام 2018 اتفاقاً مع فرنسا لشراء 3 زوارق حربية، كما تم التعاقد مع الولايات المتحدة لشراء 4 سفن سطح قتالية أمريكية بقيمة 481 مليون دولار مزودة بأنظمة استشعار متطورة، وتعاقدت الرياض أيضاً مع شركة "نافاتيا" الإسبانية لبناء 5 طرادات من طراز "أفانتي - 2200" داخل السعودية في أبريل 7( 2018.)

وفي السياق ذاته، قامت شركة أبوظبي لبناء السفن في الإمارات بتصنيع الفرقاطة "بينونة" التي تمثل نتاجاً للتعاون في التصنيع العسكري مع فرنسا، كما قامت الشركة بتنفيذ برنامج "غناطة" مع شركة تصنيع سويدية لبناء 12 سفينة صواريخ) 8 .)

ثانياً: اأ�شباب الهتمام بالت�شلح البحري

يرتبط تصاعد الاهتمام بتعزيز القدرات العسكرية البحرية بالصراع على السيطرة على الممرات الملاحية الرئيسية والسعي لحماية الموارد الطبيعية في المياة الإقليمية للدول، وفي هذا الإطار تتمثل أهم أسباب تصاعد الاهتمام بمنظومات التسلح البحري فيما يلي:

1- احتدام التنافس بين القوى الكبرى: تسعى الصين وروسيا لتعزيز مكانتهما في النظام الدولي في مواجهة تشبث الولايات المتحدة بالهيمنة والتصدي لمحاولات إنهاء الأحادية القطبية، ووصف بعض المحللين هذا التنافس بأنه يتشابه مع أجواء الحرب الباردة وسيؤدي لاستمرار تصاعد التوترات الدولية)9.)

وتعد السيطرة على البحار والممرات البحرية من أهم مقومات القوة الشاملة للدول تطبيقاً لنظرية ألفريد ماهان التقليدية حول مركزية القوة البحرية والتحكم في الممرات البحرية الاستراتيجية في تحقيق الهيمنة العالمية

ولقد ركزت السياسة الدفاعية الأمريكية على تعزيز القدرات البحرية بزيادة عدد السفن بأسطولها البحري من 275 إلى 350 سفينة، كما أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن مواجهة التطور في القدرات البحرية الروسية والصينية يتطلب تخصيص ميزانية سنوية للبحرية الأمريكية تقدر بحوالي 16 مليار دولار بداية من عام 2017 حتى عام ‪.) 10( 2046‬

وأكد تقرير البنتاجون الصادر في فبراير 2018 بعنوان "مراجعة الموقف النووي" أن الانتشار البحري للصين في بحر الصين الجنوبي والتمدد العسكري لروسيا في البحر المتوسط، يتطلب تعزيز قدرة الردع النووي الأمريكية، وتحديث ترسانة الأسلحة النووية، وركز البنتاجون على تطوير الصواريخ النووية التي يتم إطلاقها من الغواصات عبر طرح مقترحات لزيادة المدى والسرعة والحمولة والدقة والقدرة على التخفي)11.)

وفي المقابل، كشف تقرير التوازن العسكري الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن روسيا وضعت ضمن أولوياتها العسكرية زيادة عدد غواصاتها النووية الاستراتيجية من 4 إلى 7 غواصات، ومضاعفة عدد غواصاتها النووية المتعددة المهام ليصل إلى عشر، والغواصات التي تعمل بمحركات ديزل من 5 إلى 50 بحلول العام 12( 2020.)

2- حماية مصادر وممرات الطاقة: تسعى الدول لحماية مصادر الطاقة وممرات تدفق صادراتها عبر الحدود، حيث تعتمد روسيا على بحر البلطيق لتصدير جزء كبير من مصادر الطاقة، وهو ما دفع روسيا لتعديل عقيدتها العسكرية البحرية لتشمل الانتشار في بحر البلطيق والمحيط الأطلسي وللتصدي لتمدد حلف الناتو في مجالها الحيوي، حيث نشرت الولايات المتحدة سفناً في بحر البلطيق مزودة بصواريخ توماهوك، وهو ما دفع موسكو لنشر غواصات قادرة على استهداف السفن الأمريكية)13.)

وفي المقابل تسعى الصين لتأمين انتظام واردات النفط إليها وهو ما تم التأكيد عليه في المفهوم الصيني لأمن الطاقة، ومن ثم عززت الصين انتشارها البحري في المحيطين الهندي والهادي لحماية وارداتها النفطية.

وفي السياق ذاته، تتمسك الصين بالسيطرة على بحر الصين الجنوبي بهدف حماية العمق الاستراتيجي البحري لها، والبدء في التنقيب عن مصادر الطاقة في المناطق المتنازع عليها مع فيتنام والفلبين، وهو ما دفع الصين لنشر عدة قطع بحرية متطورة في بحر الصين الجنوبي ونظم للإنذار المبكر ومنصات صواريخ متطورة في القواعد البحرية) .)

وزادت الصين وروسيا من استثمارهما في تقنيات التنقيب

عن النفط في المياة العميقة بالمحيطات؛ بحثاً عن مصادر غير مكتشفه للطاقة، وقامت بكين بتأسيس منصة عملاقة في بحر الصين الجنوبي للتنقيب عن النفط في المياة العميقة) .)

على مستوى آخر، هيمنت التوترات على منطقة البحر المتوسط في ظل الخلافات بين تركيا والتحالف المصري – اليوناني – القبرصي حول التنقيب عن الغاز في مياه المتوسط، والأزمات بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية، وسعي لبنان للتنقيب عن النفط والغاز في "البلوك رقم 9". وتعد التهديدات الإيرانية المتتالية بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة صادرات النفط من الخليج العربي من أهم دوافع تطوير القدرات البحرية لدول الشرق الأوسط.

3- تصاعد تهديدات الأمن البحري: تزايدت حدة تهديدات الأمن البحري في العالم وفي صدارتها تهديدات الفاعلين المسلحين من غير الدول، فعلى الرغم من تراجع أنشطة القرصنة البحرية في العالم في الآونة الأخيرة، فإن فقدان بعض الدول الهشة التي تنتشر بها الصراعات الداخلية السيطرة على سواحلها، أدى لانتشار عصابات التهريب وتهديد الميليشيات المُسلحة للملاحة البحرية.

ولقد تصاعدت عمليات تهريب البشر عبر البحر المتوسط انطلاقاً من ليبيا خلال الأعوام الماضية، عقب تصدع بنية الدولة الليبية، وتفاقم الصراع الأهلي داخلها، وهو ما دفع الدول الأوروبية لتعزيز قدراتها البحرية لمواجهة هذه التهديدات والاتفاق مع دول جنوب المتوسط على التصدي لعصابات تهريب البشر) 16 .)

وتزايدت أيضاً تهديدات الميليشيات المُسلحة لحركة الملاحة البحرية، وفي صدارتها ميليشيات الحوثيين في اليمن التي باتت تستهدف السفن المدنية والتجارية العابرة للبحر الأحمر بدعم من إيران، فضلاً عن عمليات استمرار تهريب الأسلحة والصواريخ عبر الموانئ اليمنية التي تسيطر عليها ميليشيات الحوثيين.

ثالثاً: م�شتقبل «�شباق الت�شلح البحري»

يرتبط احتدام سباق التسلح البحري على المستوى العالمي بتصاعد أهمية تعزيز القوة البحرية والسيطرة على البحار والمحيطات والممرات الملاحية في الاستراتيجيات والعقائد العسكرية للقوى الإقليمية والدولية.

وعلى سبيل المثال، تسعى الصين عبر تطوير قدراتها البحرية إلى التحول من قوة إقليمية مركزية إلى قوة عظمى، إلا أن تطويق الانتشار البحري الأمريكي لوجودها العسكري

يتوقع أن تشهد العقائد العسكرية للقوى الإقليمية والدولية تحولات جوهرية للتركيز على أهمية بناء وتعزيز القوة البحرية وتطوير آليات غير تقليدية للتصدي لتهديدات الأمن البحري، فضلًا عن تصاعد اتجاهات سباق التسلح البحري بصورة غير مسبوقة وتكثيف الانتشار العسكري في المناطق البحرية الاستراتيجية.

في بحر الصين الجنوبي يمنعها من تحقيق هذا الهدف، وهو ما دفع الصين إلى اتباع سياسة "منع الوصول" والتي تقوم على تفكيك شبكة تحالفات الولايات المتحدة مع دول الجوار، والتمسك بالسيطرة على تايوان وتعزيز الانتشار في المحيط الهندي) 17 .)

وفي المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على انتشار عسكري كثيف في المحيط الهادئ وفي المناطق المجاورة لبحر الصين الجنوبي، إلا أنها تتجنب تفجر مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين، وتدعم واشنطن تايوان في مواجهة الضغوط الصينية، كما تركز على اعتبار بحر الصين الجنوبي ممراً ملاحياً دولياً وتتصدى لمحاولات الصين اعتباره مياهاً إقليمية تابعة لها.

ولقد أقامت الولايات المتحدة خطين دفاعيين أمام التوسع البحري الصيني، الأول يغطي سواحل الدول الحليفة للولايات المتحدة، مثل اليابان والفلبين وكوريا الحنوبية، أما الخط الثاني فيتمد عبر جزر جوام وماريانا الشمالية وسولومون ومارشال وكارولين، وتعتبر قاعدة اندرسن الأمريكية في جوام من أهم المنصات الأمريكية على مستوى العالم، وتقوم بتأمين المصالح الأمريكية في المحيط الهادئ)18.)

وعلى الرغم من التطور في القدرات البحرية لكل من روسيا والصين، فإن تركيز الدولتين الأساسي يتمثل في حماية العمق الاستراتيجي البحري لأقاليمهما وليس الانتشار العسكري العالمي واسع النطاق على غرار الولايات المتحدة، حتى الانتشار العسكري الروسي في البحر المتوسط والقاعدة البحرية الصينية في جيبوتي تعد ضمن عقيدة الدولتين حول نقاط الدفاع المتقدم عن مجالهما الحيوي وحماية مصالحهما فيما يرتبط بأمن الطاقة وتدفقات التجارة)19.)

ولقد أدت منافسة الدول الصاعدة، مثل روسيا والصين للولايات المتحدة في المجال البحري، لقيام واشنطن بتخصيص موارد إضافية لتطوير منظومات التسلح البحرية وتعزيز انتشارها العسكري عالمياً في إطار شبكة ممتدة من القواعد العسكرية تغطي أقاليم العالم المختلفة، بالإضافة إلى تطويق بوادر التمدد البحري لكل من روسيا والصين، سواء في محيطهما البحري أو في مناطق جغرافية بعيدة مثل البحر المتوسط والبحر الأحمر)20.)

وعلى المستوى الإقليمي، فإن تصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط سيؤدي للاستمرار في تعزيز القدرات العسكرية البحرية، خاصة بعد فرض العقوبات الأمريكية على إيران والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي

الإيراني وتزايد تهديدات طهران بعرقلة الملاحة البحرية وتدفقات النفط عبر مضيق هرمز.

ويعد ذلك دافعاً قوياً لتطوير الأساطيل الحربية وامتلاك منظومات تسلح بحرية نوعية يمكنها التصدي لتهديدات الأمن البحري لمواجهة تكتيكات الحرب غير المتماثلة التي تتبعها طهران في المجال البحري، التي ترتكز على انتشار الزوارق السريعة والأسلحة المحمولة على الكتف والغواصات روسية الصنع.

وعلى مستوى آخر، فإن التوترات الإقليمية والصراع على مصادر الطاقة في البحر المتوسط والخلافات الحدودية المتصاعدة سوف تؤدي لاحتدام سباق التسلح الإقليمي وتصاعد كثافة الانتشار البحري للقوى الإقليمية، مثل مصر واليونان وإسرائيل وتركيا، بالإضافة للوجود العسكري لبعض القوى الدولية، مثل روسيا لحماية منصات استخراج الطاقة وممرات

خطوط أنابيب الغاز، فضلاً عن التوسع في تأسيس القواعد العسكرية البحرية وتعزيز قدرات الانتشار البحري السريع.

ويرتبط تحييد تهديدات ميليشيات الحوثيين للملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالتحركات التي يقودها التحالف العربي لإنهاء سيطرتهم على الموانئ اليمنية، مثل ميناء الحديدة، وتأمين الشريط الساحلي اليمني بأكمله، وتكثيف الانتشار البحري في المياة الإقليمية اليمنية للتصدي لعمليات تهريب الأسلحة والصواريخ التي تقودها إيران)21.)

ختاماً، يتوقع أن تشهد العقائد العسكرية للقوى الإقليمية والدولية تحولات جوهرية للتركيز على أهمية بناء وتعزيز القوة البحرية وتطوير آليات غير تقليدية للتصدي لتهديدات الأمن البحري، فضلاً عن تصاعد اتجاهات سباق التسلح البحري بصورة غير مسبوقة وتكثيف الانتشار العسكري في المناطق البحرية الاستراتيجية.

ستؤدي التوترات الإقليمية والصراع على مصادر الطاقة في البحر المتوسط والخلافات الحدودية المتصاعدة لاحتدام سباق التسلح الإقليمي وتصاعد كثافة الانتشار البحري للقوى الإقليمية، مثل مصر واليونان وإسرائيل وتركيا، بالإضافة للوجود العسكري لبعض القوى الدولية، مثل روسيا لحماية منصات استخراج الطاقة وممرات خطوط أنابيب الغاز، فضلًا عن التوسع في تأسيس القواعد العسكرية البحرية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.