استعادة النفوذ:

اتجاه موسكو لإقامة علاقات برجماتية مع دول شرق أوروبا

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - إيكاترينا فينوكوروفا المراسل الخاص لموقع ”زد ناك“روسيا الاتحادية

لم تفقد موسكو نفوذها في دول شرق أوروبا على الرغم من الأزمة الأوكرانية في عام 2014، واتجاه الغرب لتصعيد عقوباته الاقتصادية ضدها، إذ لاتزال روسيا تحتفظ بعلاقات تعاونية بعدد من الدول في شرق أوروبا، خاصة مع وصول عدد من القادة السياسيين في هذه الدول إلى السلطة وسعيهم لإقامة علاقات تعاونية مع الكرملين، وذلك على الرغم من محاولات شيطنة أدوات النفوذ الروسي هناك من قبل بروكسل وواشنطن.

يشير مصطلح أوروبا الشرقية، إلى الدول التي تقع جغرافياً في شرق ووسط أوروبا، وكانت جزءاً من دول الكتلة الشيوعية التابعة للاتحاد السوفييتي، والذين انضموا عقب تفككه إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وتتباين هذه الدول فيما بينها، سواء فيما يتعلق بأوضاعها الاقتصادية، أو السياسية، أو مدى قربهم من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، وكذلك في موقفهم حيال روسيا.

وخلال أوائل ومنتصف التسعينيات من القرن العشرين، تراجعت العلاقات بين روسيا ودول أوروبا الشرقية بسبب الأزمات الاقتصادية التي عانتها موسكو، بالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي فرضت على دول أوروبا الشرقية من قبل الاتحاد الأوروبي لمساعدتها على التخلص من أزمتها الاقتصادية، وإبعادها عن دائرة النفوذ الروسي.

وبدءاً من العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، استعادت موسكو نفوذها الاقتصادي والسياسي تدريجياً، وهو ما ترجمه "مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي"، الذي أقره الرئيس الروسي في عام 2008، والذي أكد أن "روسيا مستعدة لإقامة علاقات برجماتية قوامها الاحترام المتبادل مع دول وسط وشرق وجنوب شرق أوروبا، وذلك وفقاً لدرجة استعداد كل دولة من هذه الدول")1.)

ويسعى هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على الانقسامات في شرق أوروبا بين الدول المؤيدة والمعارضة للنفوذ الروسي هناك، بالإضافة إلى توضيح الهواجس الأمنية للدول المناوئة لروسيا، وأخيراً بيان أبعاد العلاقات التعاونية التي تجمع بين موسكو وكل من بلغاريا وصربيا ومولدوفا.

اأولً: انق�شام �شرق اأوروبا

تنقسم دول الاتحاد الأوروبي حيال كيفية التعامل مع روسيا، خاصة بعد اتهامها بالتدخل في شرق أوكرانيا لدعم الانفصاليين في مواجهة كييف. وقد امتد هذا الانقسام إلى دول شرق أوروبا نفسها، والتي تختلف فيما بينها حول الأسلوب الأمثل لكيفية التعامل مع موسكو، ما بين الدول المنادية بتطبيع العلاقات مع موسكو وفتح باب الحوار معها في القضايا الخلافية، وبين تلك التي تطالب بتبني سياسات متشددة، وفرض مزيد من العقوبات لردعها عن توظيف القوة العسكرية ضد أي دولة في أوروبا الشرقية على غرار الحالة الأوكرانية، وقد اتضح هذا الانقسام في ملفين أساسيين، وهما كالتالي: 1- شراء الطاقة الروسية: تنادي بروكسل دوماً باتباع سياسة تقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الغاز

الروسي، خاصة بعد الأزمة الأوكرانية في عام 2014، واتهام موسكو باستخدام إمدادات الغاز الطبيعي كسلاح في مواجهة الاتحاد الأوروبي. وتنقسم دول أوروبا الشرقية حيال هذه السياسة، ففي حين تسعى بولندا ودول البلطيق الثلاث إلى تخفيف اعتمادها على الغاز الروسي، فإن بعض الدول الأخرى مثل بلغاريا واليونان والمجر والنمسا تفضل شراء الغاز الروسي)2 .) 2- العقوبات ضد روسيا: تطالب دول البلطيق الثلاث وبولندا بتشديد العقوبات المفروضة على موسكو لإجبارها على وقف تدخلها العسكري في شرق أوكرانيا، في حين تعارض بعض الدول في شرق أوروبا ذلك الأمر، مثل التشيك واليونان والنمسا، والتي ترى أن هذه العقوبات غير مثمرة، ولها تداعيات اقتصادية سلبية على الدول الأوروبية نفسها)3.)

ثانياً: اأبعاد التهديدات الرو�شية

تناصب عدد من الدول في شرق أوروبا العداء لروسيا، وتتمثل هذه الدول في كل من بولندا ودول البلطيق الثلاث، وترى هذه الدول أن موسكو تتبنى سياسات عدائية تهدف إلى تقويض أمنهم، ومن ثم تسعى لتوطيد علاقاتها بحلف شمال الأطلسي، وتتمثل أبرز الاتهامات الموجهة لموسكو من جانب هذه الدول في التالي: 1- توظيف الإثنية الروسية: جاءت وثيقة السياسة الخارجية الروسية في عام 2013 لتؤكد أنه يتوجب على روسيا حماية حقوق ومصالح المواطنين الروس الذين يعيشون في الخارج، ويدخل ضمن ذلك الأقليات الروسية التي تنتشر في دول أوروبا الشرقية)4 .)

وتتخوف بولندا ودول البلطيق من استغلال روسيا لهذه الأقليات من أجل تعزيز نفوذها، خاصة بعد دخولها في صدام عسكري مسلح مع جورجيا في عام 2008، وتورطها العسكري في الأزمة الأوكرانية في عام 2014، وضمها لشبه جزيرة القرم، إذ انتابت بعض الدول المخاوف من أن توظف موسكو الأقليات كذريعة للتدخل العسكري لحمايتها)5.) 2- التدخل في الانتخابات: تشير بعض الكتابات الغربية إلى محاولة روسيا التأثير على سير الانتخابات في عدد من دول شرق أوروبا، أسوة باتهامها بالتدخل في الدول الغربية، مثل التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016 والتأثير على الناخبين للتصويت لصالح ترامب. وبالإضافة إلى ما سبق تتهم موسكو بشن حرب معلوماتية، ونشر الأخبار الكاذبة، ودعم سياسيين موالين لها في دول أوروبا الشرقية، خاصة بلغاريا والمجر ولاتفيا وصريبا وسلوفاكيا، وذلك بهدف إثارة الانقسامات في الغرب)6(. وقد بلغت هذه الاتهامات ذروتها مع اتهام موسكو بتدبير مؤامرة لاغتيال "ميلو ديوكانوفيتش"، رئيس وزراء الجبل الأسود الموالي للغرب في أكتوبر 2016. 3- شن الحروب الهجينة: تُتهم موسكو بتبني نمط من الحرب في أوكرانيا تصفه بعض الكتابات الغربية "بنمط الحروب الهجينة" ‪Hybrid Warfare(‬ ،) والذي يقوم على توظيف التدخل العسكري غير المعلن ودعم المتمردين، واستخدام العمل السري، والهجمات السيبرانية والحرب المعلوماتية والنفسية وغيرها)7(. وفي هذا الإطار، يتم اتهام روسيا بفبركة أخبار تسيء إلى القوات الأمريكية في دول شرق أوروبا، فعلى سبيل المثال، اتهمت روسيا بنشر خبر عن حادثة لم تقع تتعلق بمقتل طفل أثناء تدريبات عسكرية أمريكية في لتوانيا في منتصف يوليو 8( 2018.)

ومن جهة ثانية، اتهمت وكالة الاستخبارات البولندية موسكو بالتورط في دعم جماعة تقوم بشن حرب معلوماتية للإيقاع بين بولندا وأوكرانيا، واتبعت الجماعة عدداً من الوسائل من بينها تفسير بعض الأحداث التاريخية بصورة تثير الكراهية بين البلدين، وتدفع إلى التعاطف مع موسكو)9.)

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صورت دول البلطيق الثلاث وبولندا مناورات "زاباد" العسكرية التي أجرتها روسيا مع بلاروسيا في سبتمبر 2017 على أنها تحضير لشن عدوان عليها، وذلك على الرغم من اعتراف وزير الدفاع الليتواني "رايموندا كاروبليس" لاحقاً أن هذه المناورات لا يمكن أن تكون غطاء لعمليات حقيقية)10(، وهو ما يكشف عن وجود مبالغة وتهويل في الإعلام الأوروبي والغربي عموماً ضد روسيا.

ثالثاً: الدول الموالية لمو�شكو

نجحت موسكو في توطيد علاقاتها مع كل من المجر وبلغاريا ومولدوفا وصربيا، وهو ما يمكن إرجاعه إلى حجم المصالح السياسية والاقتصادية التي تجمع بينهما، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي: 1- العلاقات السياسية: تحتفظ موسكو بعلاقات جيدة مع عدد من السياسيين في شرق ووسط أوروبا، مثل المجر وبلغاريا ومولدوفا، إذ أن رئيس الوزراء المجري "فيكتور أوربان" كان دائم الانتقاد لأي حديث عن نفوذ روسي سلبي في وسط أوروبا، كما عارض فرض عقوبات على روسيا في عام 2014 بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم، على الرغم من أنها صوتت رسمياً لصالح القرار، بل ويعارض إقامة علاقات وثيقة بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي)11(، وهو ما يتناغم مع الموقف الروسي.

وتبنت بلغاريا مواقف إيجابية من موسكو بدءاً من يناير 2017 مع تولي رومن راديف، رئاسة البلاد، بعدما تمكن من الفوز على الرئيس السابق "روسن بليفنلييف" الموالي للغرب. وانعكس هذا على عدد من المواقف السياسية التي اتخذتها صوفيا، والتي تمثلت في رفض مبادرة رومانيا لتمركز أسطول حلف الأطلسي في البحر الأسود، كما رفضت أن

تقوم بطرد دبلوماسيين روس، أسوة بأغلب الدول الأوروبية في أعقاب اتهام لندن لموسكو بالتورط في تصفية الجاسوس المنشق "سكريبال"، فضلاً عن قيامها بإبرام عقد مع موسكو لإصلاح طائرات "ميج" السوفييتية. ويرجع التغير في الموقف البلغاري إلى حقيقة أن صوفيا أضيرت كثيراً من قطع علاقاتها الاقتصادية مع موسكو)12.)

وشهدت العلاقات ما بين موسكو ومولدوفا تحسناً في عام 2016، مع انتخاب الرئيس المولدوفي "إيجور دودون"، والذي أكد أنه يرغب في إقامة علاقات ودية مع الجميع، وأنه لن يكون طرفاً في صراع جيوسياسي ضد روسيا، في إشارة إلى واشنطن، كما أنه أكد أثناء حملته الانتخابية في عام 2016 تطلعه إلى إقامة علاقات أوثق مع موسكو، بل ودعا إلى نقض اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، غير أن الحكومة والبرلمان المولدوفي يرفضان هذا التوجه، ويفضلان التقارب مع الاتحاد الأوروبي)13.) 2- العلاقات الاقتصادية: تعددت العلاقات الاقتصادية بين موسكو وبعض الدول في شرق ووسط أوروبا، فقد أبرمت المجر اتفاقية مع موسكو في يناير 2014، والتي بموجبها تم الاتفاق على قيام شركة "روس أتوم" الروسية بتوسيع وتطوير المفاعل النووي في مدينة "باكس" المجرية، والتي تبعد عن العاصمة المجرية بودابست بحوالي 120 كيلومتر، وذلك في صفقة قدرت بحوالي 12.5 مليار يورو، وقد وافق الاتحاد الأوروبي على هذا الاتفاق في مارس 2017، وذلك على الرغم من الانتقادات الأوروبية التي وجهت للمشروع)14.)

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لصربيا، والمرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2025، إذ إنها تعد من أكثر الدول ارتباطاً بروسيا في شرق أوروبا، ولذلك عارضت فرض بروكسل عقوبات اقتصادية على روسيا، كما أنها تساعد روسيا على تجاوز العقوبات الأوروبية من خلال قيامها باستيراد البضائع من رومانيا أو المجر، ثم إعادة تصديرها إلى روسيا)15.)

على الجانب الآخر، شهدت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وبلغاريا ازدهاراً من جديد، خاصة بعد أن تعرضت لخسائر اقتصادية كبيرة جراء انسحابها من مشاريعها المشتركة مع موسكو في عام 2009، بإيعاز من بروكسل، خاصة محطة "بيلين" للطاقة النووية وخط أنابيب "السيل الجنوبي"، والذي كان من المخطط له أن يمدها بالغاز الطبيعي من روسيا الاتحادية، وذلك في الوقت الذي وافق فيه الاتحاد الأوروبي على خط "السيل الشمالي 2" مع ألمانيا، ولذلك عملت صوفيا على تحسين علاقاتها مع موسكو)16.)

الخاتمة

تتعامل موسكو ببرجماتية مع دول وسط وشرق أوروبا، وتدرك جيداً أن أغلبها اختار الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، ولذلك تسعى في المقابل للتواصل وإقامة علاقات تعاونية معها لضمان عدم تبنيهم، بالتوافق مع الولايات المتحدة، سياسات أمنية تضر بموسكو.

وتمتلك موسكو فرصاً لدعم علاقاتها بهذه الدول، خاصة في مجال الطاقة، حيث إن العديد منها يمتلك مفاعلات نووية سوفييتية الصنع تحتاج إلى تطوير، فضلاً عن احتياجهم إلى الغاز الروسي، والذي لايزال أقل كلفة من نظيره الأمريكي. كما أن إقدام ألمانيا على الدخول في مشروع "السيل الشمالي 2"، على الرغم من المعارضة الأمريكية، سوف يدفع مزيداً من دول شرق أوروبا لتحسين علاقاتها مع موسكو، خاصة بالنسبة لتلك الدول التي لا تتبنى سياسات عدائية تجاه الأخيرة.

وفي الختام، ينبغي التأكيد أن محاولات روسيا لإقامة روابط إيجابية مع سياسيين في شرق أوروبا، لا يختلف عما تقوم به الدول الأخرى لاسيما الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يثير التساؤل لماذا كل هذا الهجوم المكثف من بروكسل وواشنطن على أي دولة تسعى لتحسين علاقاتها مع موسكو؟

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.