تحالفات مرحلية:

عمر كارم إخفاق طهران في اللعب على التناقضات الهندية-الباكستانية

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - باحث دكتوراه باكستاني في العلاقات الدولية، جامعة برمنجهام

اتجهت طهران مؤخراً إلى تعزيز علاقاتها مع باكستان، تخوفاً من تجاوب الهند مع العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، غير أن هذه المحاولات تلاقي تحديات كبيرة بسبب إدراك إسلام آباد أن مثل هذا التقارب مرحلي، وإمكانية تجدد التحالف الاستراتيجي الإيراني – الهندي ضدها، فضلًا عن رغبة باكستان في تحاشي أي توتر إضافي في علاقاتها الثنائية مع واشنطن.

يسعى هذا التحليل إلى تتبع التطور التاريخي للعلاقات بين إيران وباكستان والهند، وأهم العوامل المؤثرة على العلاقات بينهم، بالإضافة إلى محاولة تحليل انعكاس العقوبات الأمريكية على التحالف الإيراني – الهندي، وكذلك العلاقات الإيرانية الباكستانية.

اأولً: عداء تاريخي هندي – باك�شتاني

تعد كل من الهند وباكستان القوتان الرئيستان في جنوب آسيا، وتتسم العلاقات بينهما بالتوتر الشديد منذ استقلالهما في عام 1947، حيث خاضتا ثلاث حروب ضد بعضهما البعض في أعوام 1947 و1965 و1971، بالإضافة إلى أزمة كارجيل في عام 1999، والتي كادت أن تتحول إلى مواجهة نووية بين البلدين. وحتى في الفترات التي شهدت العلاقات بينهما قدراً من الهدوء النسبي أو محاولات لإبرام اتفاق سلام، ظلت الدولتان تتبنيان موقفاً عدائياً تجاه بعضهما البعض.

وقد عزز من هذا العداء انضمام كلا الطرفين لتحالفات دولية متنافسة في فترة الحرب الباردة، ففي حين أقامت باكستان علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، احتفظت الهند بروابط قوية مع الاتحاد السوفييتي)1(، والذي كان المصدر الرئيسي لمشتريات الهند من الأسلحة والمعدات العسكرية.

ومع انتهاء حقبة الحرب الباردة، شهدت التحالفات الاستراتيجية تبدلاً واضحاً، إذ اتجهت الولايات المتحدة لتعزيز علاقاتها مع الهند، في محاولة من واشنطن لنسج علاقات تعاونية معها، لمساعدتها على احتواء النفوذ الصيني داخل آسيا والمحيط الهندي)2(، خاصة أن واشنطن ترى بكين المنافس الرئيسي للمصالح الأمريكية الاستراتيجية.

وفي المقابل، تدهورت العلاقات الأمريكية – الباكستانية في أعقاب الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001 بسبب تباين وجهات النظر فيما يتعلق بدور طالبان في أي تسوية سياسية محتملة مع الحكومة الأفغانية، الموالية للهند، واتهام الولايات المتحدة لباكستان بتوفير ملاذ آمن لقيادات طالبان التي تقاتل الحكومة الأفغانية، بينما رفضت إسلام آباد هذه الاتهامات، مؤكدة في الوقت ذاته استحالة تجاهل طالبان في حال رغبت واشنطن في تحقيق سلام دائم هناك)3.)

ثانياً: توتر العلاقات الباك�شتانية – الإيرانية

كانت العلاقات الباكستانية – الإيرانية قوية قبل قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، وذلك نظراً لتحالفهما مع الولايات المتحدة، كما ارتبطت إسلام آباد بعلاقات ممتازة مع نظام الشاه في إيران، والذي تبنى مواقف داعمة لباكستان)4.)

وتراجعت العلاقات بين الجانبين في أعقاب الثورة الإيرانية، وذلك ارتباطاً بثلاثة عوامل أساسية: 1- تضارب التحالفات الإقليمية: دعمت كل من إيران والهند الحكومة الأفغانية في مواجهة حركة طالبان، وذلك في الفترة التالية للاحتلال الأمريكي لأفغانستان في عام 2001، في حين احتفظت باكستان بعلاقات قوية بحركة طالبان)5(، والتي بدأت تدريجياً تستعيد قدراتها العسكرية وتعمل على تقويض الحكومة الأفغانية المدعومة هندياً، بحيث يمكن القول إن الهند وباكستان دخلتا في حرب بالوكالة على الأراضي الأفغانية. وقد انعكس التحالف الإيراني – الهندي على توتر العلاقات الباكستانية – الإيرانية، وذلك قبل أن تقدم إيران على دعم الحركة بدءاً من عام 2016. ومن جهة ثانية، كانت باكستان شريكاً استراتيجياً للمملكة العربية السعودية لفترة طويلة، خاصة مع وجود تعاون عسكري قوي بين البلدين)6(. وهو ما أثر بدوره سلباً على العلاقات الباكستانية – الإيرانية. 2- تنامي التنافس الاستراتيجي: شهد إقليم بلوشستان الباكستاني، الواقع على الحدود مع إيران، تمرداً من جانب منظمات انفصالية بلوشية، والتي تورطت في هجمات استهدفت كلاً من قوات الأمن والمدنيين. ونظرت السلطات الباكستانية إلى هذه الأحداث باعتبارها مؤامرة دبرها "جناح الأبحاث والتحليل الهندي"، جهاز المخابرات الخارجية الهندية، وذلك بهدف زعزعة الاستقرار في بلوشستان، وذلك في محاولة من نيودلهي إلى إعاقة تنفيذ مشروع "الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني" China-( ‪،)Pakistan Economic Corridor‬ والذي يربط بين ميناء جوادر الباكستاني بمنطقة "شين جيانج" بشمال غرب الصين من خلال طرق سريعة وسكك حديدية، وخطوط أنابيب لنقل النفط والغاز، ومن ثم فإنه سيحول ميناء جوادر الباكستاني إلى مركز تجاري إقليمي، كما أنه سيزيد من الأهمية الجيواستراتيجية لإقليم بلوشستان بالنظر إلى التوسع في فتح مصانع وإقامة مشروعات للبنية التحتية في هذه الإقليم كجزء من المشروع، الأمر الذي سيؤدي إلى تعزيز الاستثمارات الاقتصادية في هذا الإقليم)7.)

وفي الوقت ذاته، قامت الهند بمحاولة منافسة هذا المشروع من خلال الاستثمار في بناء ميناء "تشابهار" الإيراني، وذلك لإنشاء ممر تجاري رئيسي يربط بين الهند وإيران مروراً بأفغانستان ودول آسيا الوسطى، ودون المرور بباكستان، كما أنه يهدف من جهة ثانية، إلى مواجهة النفوذ الصيني في المنطقة، لاسيما في ميناء جوادر)8.) 3- هيمنة الاعتبارات الأمنية: لعبت المؤسسات الأمنية في باكستان وإيران دوراً في صياغة السياسة الخارجية تجاه الأخرى، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات بينهما، خاصة مع افتراض كل طرف بأن "الآخر" يؤوي عناصر مسلحة تضر بأمنه القومي.

وتبدي المؤسسات الأمنية الباكستانية قلقاً واضحاً من أن يقوم "جناح الأبحاث والتحليل الهندي" بنقل عناصره إلى ميناء تشابهار، لاستغلال موقعه الجغرافي القريب من بلوشستان الباكستانية، ومن ثم استخدامه كقاعدة لإرسال عناصر للقيام بعمليات تخريبية ودعم الجماعات الإرهابية هناك. وما أضفى مصداقية على هذه الهواجس قيام الأجهزة الأمنية الباكستانية بإلقاء القبض على الجاسوس الهندي "كولبهوشان جادهاف" في بلوشستان فور دخوله إليها قادماً من الأراضي الإيرانية في عام 2016. و"جادهاف" ضابط سابق في البحرية الهندية)9.)

وأثار هذا الأمر القلق داخل الدوائر الأمنية الباكستانية، حيث إنهم رأوا أن الهند تستغل الأراضي الإيرانية للقيام بأنشطة معادية لباكستان، بل وإمكانية وجود تواطؤ هندي – إيراني في تنفيذ هذه الأنشطة. وقد ألقت السلطات الباكستانية القبض على جادهاف عشية زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى باكستان في مارس 2016، وهو ما جعله محور النقاشات الباكستانية – الإيرانية خلال تلك الزيارة، وحال دون نجاح روحاني في تهدئة التوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين آنذاك) 10 .)

ثالثاً: انتكا�شة العلاقات الهندية- الإيرانية

انعكس الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران في مايو 2018، أو ما يعرف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، على العلاقات الهندية – الإيرانية، خاصة مع تجديد واشنطن فرض العقوبات الاقتصادية على إيران.

فقد ساهمت الاتفاقية في إعادة الاستثمار الأجنبي لإيران، وشهدت العلاقات الهندية – الإيرانية تطوراً واضحاً بدعم من إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. وتم استئناف العمل في كل المشروعات الكبرى المتفق عليها بين الجانبين، غير أن فرض واشنطن عقوبات اقتصادية على إيران من جديد، وضع قيوداً على استمرار هذا التعاون.

فمن جهة، بات من الصعب على الهند تمويل مشروعاتها داخل إيران بسبب الأسباب الهيكلية نفسها التي أثرت على تنفيذ تلك المشروعات خلال فترة العقوبات السابقة)11(. ومن ناحية أخرى، بدأت مصافي النفط الهندية في تقليل الاعتماد على النفط الإيراني استعداداً لفرض واشنطن الحزمة الثانية من العقوبات ضد إيران في نوفمبر 2018. وتسعى الهند للتفاوض مع الولايات المتحدة على إلغاء العقوبات على وارداتها من النفط الإيراني مقابل خفض تلك الواردات بنسبة 50‪(، 12 (%‬وهو الأمر الذي سيؤدي إلى توتر العلاقات الهندية – الإيرانية، والتي هددت بدورها بإلغاء الاتفاقيات كافة الممنوحة للهند للاستثمار في إيران.

ومن المتوقع أن تزداد أزمات الاقتصاد الإيراني، خاصة بعد رحيل الشركات الأوروبية من السوق الإيراني تفادياً

للعقوبات الأمريكية. وقد انعكس ما سبق على تدهور قيمة العملة الإيرانية، التي شهدت انخفاضاً حاداً منذ أواخر عام 2017، مما أسفر عن اندلاع احتجاجات في جميع أرجاء إيران) 13 .)

رابعاً: تقييم اإيران للخيار الباك�شتاني

حاولت طهران، مع تجدد العقوبات الأمريكية، إقامة علاقات تعاونية مع الدول، التي إما لديها القوة الاقتصادية التي تعينها على مواصلة تجارتها مع إيران على الرغم من العقوبات الأمريكية، أو تلك التي تشهد علاقاتها مع واشنطن توتراً واضحاً. وفي هذا الإطار، تعد باكستان، والتي تشهد علاقاتها بالولايات المتحدة تدهوراً واضحاً، خياراً جيداً بالنسبة لصانع القرار الإيراني. وسعت طهران في هذا الإطار إلى توظيف الأدوات التالية للتقارب مع إسلام آباد: 1- الملف الأفغاني: تدهورت العلاقات الباكستانية – الأمريكية بسبب اتهام واشنطن إسلام آباد بدعم حركة طالبان الأفغانية، والتي تمكنت من تحقيق انتصارات متتالية على القوات الحكومية، وعجزت الاستراتيجيات الأمريكية، الرامية إلى الضغط العسكري على الحركة، عن وقف تقدمها)14(. وفي الوقت ذاته، عمدت طهران إلى دعم حركة طالبان عسكرياً في أفغانستان بدءاً من عام 2016، وذلك للضغط عسكرياً على الجيش الأمريكي، وزيادة انشغاله هناك، بما يقلل من احتمال إقدام الأخير على مهاجمتها في حالة ارتفعت حدة التوتر في علاقاتهما الثنائية. وعلى الرغم من أن طهران قد توظف هذا العامل للتقارب مرحلياً مع باكستان، فإن تخوف إسلام آباد من انعكاس التعاون الإيراني مع حركة طالبان على نفوذ الأخيرة على الحركة قد يحد كثيراً من إمكانية استمرار هذا التقارب على المدى البعيد. 2- الإغراءات الاقتصادية: سعت إيران للتواصل مع الحكومة الباكستانية الجديدة، برئاسة عمران أحمد خان نيازي، والتلويح بإمكانية حصول إسلام آباد على فوائد اقتصادية جراء تعاونها مع إيران، وفي هذا الإطار عرضت استئناف بناء خط أنابيب الغاز الباكستاني – الإيراني، والذي سيسمح لباكستان بتلبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي عبر استيراده من إيران. وكانت هذه النقطة هي محور جدول الأعمال لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى باكستان في 30 أغسطس 2018، حيث سعى للحصول على الدعم الباكستاني في مواجهة العقوبات الأمريكية، في مقابل تعزيز التعاون في مجال الطاقة.

وعلى الرغم من تأكيد باكستان دعمها لإيران في أزمتها مع الولايات المتحدة، فإنه من المستبعد أن تتخذ أية إجراءات ملموسة في هذا الإطار. ففي اجتماع عقد مؤخراً في إسلام آباد على مستوى الوزراء، اعترف المسؤولون بأن زيادة التعاون الاقتصادي مع إيران واستئناف مشروع خط أنابيب الغاز أمر محفوف بالمخاطر، نتيجة للعقوبات المتوقع أن تفرضها واشنطن على باكستان)15(، وذلك في الوقت الذي ألغت فيه الأولى ما يقرب من 800 مليون دولار من المساعدات التي كانت تقدمها لباكستان، بسبب الخلاف بينهما حول الملف الأفغاني، ومن ثم، فإنه من غير المتوقع أن تسلك باكستان مسلكاً من شأنه أن يتسبب في أزمات إضافية في علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة.

وفي الختام، فإن انفتاح طهران على إسلام آباد يمكن فهمه في إطار محاولتها البحث عن داعمين إقليميين ودوليين في مواجهة العقوبات الأمريكية عليها، غير أن مساعي طهران لتعزيز علاقاتها بإسلام آباد يلاقي صعوبة كبيرة في ضوء إدراك باكستان أن أي تحالف مع طهران هو تحالف وقتي، نظراً للتحالف الاستراتيجي القائم ما بين إيران والهند في مواجهة التحالف الصيني – الباكستاني، بالإضافة إلى اتهام كل طرف للآخر بالتورط في دعم الجماعات الإرهابية داخله.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.