قيادة إصلاحية:

تبني آبي أحمد سياسات توافقية داخلياً وخارجياً

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ - أبوبكر العم باحث موريتاني في القانون العام والعلوم السياسية، حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الحسن الأول المغربية

منذ توليه سدة الحكم في أبريل 2018 بدأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يعيد رسم المشهد السياسي والاجتماعي ببلاده، وفق فلسفة جديدة، لم تكن متوقعة من رجل مثله، نشأ داخل الأجهزة البيروقراطية للنظام الحاكم، وخدم في مؤسساتها الأمنية والاستخباراتية، التي يتهمها الكثير من المواطنين بالتورط في القمع، وحماية حكم أقلية "التيجراي"، المهيمنة على الحكم، على الرغم من أنها لا تمثل سوى %6 فقط من السكان.

تبنى آبي سياسات إصلاحية على المستويين الداخلي والخارجي، فمد جسور التواصل مع حركات المعارضة التي كانت الأنظمة المتعاقبة على حكم البلاد تصفها بالإرهابية، كما أطلق سجناء الرأي، بينما أعاد صياغة العلاقات مع محيط البلاد الجيوسياسي في فترة وجيزة، الأمر الذي جعله محل تجاذب حاد بين من رأوا فيه أمل البلاد الذي طال انتظاره، ومن اعتبروه خطراً يهدد امتيازات تمتعوا بها على مدار عقود.

ويحاول هذا التحليل الوقوف على سياسات آبي الداخلية لاحتواء القوميات الثائرة، والخارجية، التي ركزت على إزالة مصادر التوتر في علاقاته بدول الجوار، مثل إريتريا والصومال، والدول الإقليمية مثل مصر، بالإضافة إلى رصد أهم التحديات والعراقيل التي قد تواجه طريقه.

اأولً: اأبعاد �شيا�شة اآبي الإ�شلاحية

تسلم آبي أحمد رئاسة الوزراء الإثيوبية في مرحلة صعبة، حيث كان شبح الحرب الأهلية يهدد المجتمع المنقسم إثنياً ودينياً، في ظل هيمنة أقلية التيجراي على مفاصل الدولة وسيطرتها على الأجهزة الأمنية، بينما أدى النمو الاقتصادي غير المتوازي إلى اختلال توزيع فوائد التنمية، وهو ما عمق

الشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة. أما على المستوى الخارجي، فقد هيمن التوتر على علاقة إثيوبيا بالدول المجاورة لها، وذلك في الوقت الذي تنامى فيه الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، التي تشاطئ الممرات البحرية والتجارية الاستراتيجية.

وفي ظل هذه الظروف، وجد آبي أحمد نفسه أمام خيارين أساسيين، فإما أن يواصل النهج الذي سار عليه سلفه، والذي أصبح غير قابل للاستمرار لكلفته المجتمعية المرتفعة، وإما أن يتبع مقاربة أخرى قد تضعه في مواجهة صقور النظام القديم. وقد اختار آبي الخيار الأخير، ليجسد فلسفته الخاصة في إدارة سياسات الدولة، بصورة تغاير من سبقوه، ويمكن إيضاح أبعاد هذه السياسة في العناصر التالية: 1- سياسات الانفتاح السياسي: صعد آبي أحمد إلى سدة الحكم، على خلفية أزمة سياسية طاحنة دخل فيها الائتلاف الحاكم، بإثيوبيا عام 2012، بعد وفاة رئيس الوزراء الأسبق "ميليس زيناوي"، الذي حكم لأكثر من عقدين، حيث زاد الاحتقان العرقي، ولم تنجح جهود خليفته هايلي ميريام ديسالين في احتواء السخط الشعبي بانتهاج الأساليب القمعية، الأمر الذي أدى لاندلاع موجة كبرى من الاحتجاجات بدءاً من عام 2016، واضطر على أثرها للاستقالة في فبراير الماضي.

وفي هذه الظروف، ظهر آبي أحمد، الذي ينتمي إلى أبناء قومية الأورومو التي ظلت مهمشة لعقود، على يد حكام أقلية التيجراي. وشرع في انتهاج استراتيجيته الإصلاحية، القائمة على محاولة احتواء المعارضة في الداخل، وتسوية المشاكل مع دول الجوار، لتخفيف الضغط على النظام الذي وصل إلى حافة الانهيار بعد سنوات من الاضطرابات الداخلية.

وسعى آبي إلى خلق معادلة سياسية جديدة في القرن الأفريقي تهدف إلى تحقيق الاستقرار السياسي والانفتاح على دول الجوار، بشكل يمكن إثيوبيا من تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي: أ- تحقيق المصالحة الداخلية: قام آبي أحمد بزيارة الأقاليم المختلفة في إثيوبيا فور توليه رئاسة الوزراء، وكانت زيارته الأولى لإقليم الصومال، الذي يعاني اضطرابات أمنية مزمنة، كما زار بلدة "أمبو" في إقليم أوروميا، التي شهدت احتجاجات متكررة واشتباكات مع قوات الأمن منذ عام 2015. وتعهد آبي بمعالجة المظالم، وتواصل مع زعماء قوى المعارضة، والتي كانت ترفض التواصل مع ديسالين، مثل: "ميرارا جودينا"، رئيس حزب مؤتمر الأورومو الفيدرالي، و"بيكيلي جيربا"، الأمين العام للحزب، كما رفع القيود عن الإعلام الوطني، وأطلق سراح المعتقلين وقدم ضمانات للمعارضين في الخارج؛ الأمر الذي دفع بعضهم للعودة إلى البلاد بعد سنين من إقامتهم في المنفى)1.) ب- الحد من نفوذ التيجراي: حاول آبي أحمد منذ وصوله للحكم الحد من تغول أقلية التيجراي على حساب باقي القوميات من خلال استئثارها بأهم المناصب. وفي هذا الصدد أجرى تغييرات مهمة في المؤسسة الأمنية التي تعتبر مصدر قوتها، حيث عيّن "سيري مكونن" قائداً للقوات المسلحة خلفاً ل "سامورا يونس"، الذي خدم في الجيش الإثيوبي لأربعة عقود، كما عيّن قائد القوات الجوية، آدم محمد، رئيساً لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني ليحل محل جيتاتشو أسافا، استجابة لمطالب المحتجين بعد الاضطرابات التي شهدتها إثيوبيا في السنوات الثلاث الأخيرة) 2 .)

ج- تطبيع العلاقات الخارجية: سعى آبي إلى علاج الخلافات المزمنة مع دول الجوار، لاسيما الصومال وإريتريا. وفي هذا الإطار، زار العاصمة الصومالية مقديشو في يونيو 2018، ليصبح أول رئيس وزراء إثيوبي يزورها منذ عقود، ويفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، أما على صعيد إريتريا، فقد عمل على طي الخلاف عبر تنفيذ اتفاق الجزائر وملحقاته الموقع في عام 2000. وساهمت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتمتع بعلاقات قوية مع إثيوبيا وإريتريا في جهود المصالحة بين البلدين، الأمر الذي ساهم في طي صفحة العداء الذي طبع علاقات البلدين لعقدين من الزمن)3.) وعلى الصعيد الإقليمي قام بتقوية العلاقات مع الدول العربية الفاعلة في المنطقة، بعد أن أرسل إشارات إيجابية بخصوص سد النهضة الذي ترى مصر أنه يشكل تهديداً على أمنها القوي. 2- المحددات الاقتصادية: تمكن الاقتصاد الإثيوبي من تحقيق معدلات نمو مرتفعة، خلال الفترة الأخيرة، حيث بلغ متوسط النمو حوالي 10.5% خلال الفترة الممتدة من العام المالي 2006 / 2005 إلى العام 2016، / 2015 في الوقت الذي بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي في أفريقيا عموماً حوالي ‪.) 4(% 5.4‬

وعلى الرغم من معدلات النمو المرتفعة هذه، فإن البلاد شهدت أيضاً ارتفاعاً كبيراً في معدلات الفقر، حيث تذيلت تقرير التنمية البشرية لعام 2016، فحلت في المرتبة 174 من ضمن 188 دولة تطرق التقرير للأوضاع فيها)5(، كما تشير دراسات وتقرير متخصصة إلى انتشار الفساد على نطاق واسع في إثيوبيا، الأمر الذي أدى إلى استنزاف الموارد وحرم فئات واسعة من التمتع بالطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الأخيرة)6.)

وفي ظل هذا الوضع المعقد، يبدو أن آبي أحمد يحاول توظيف الانفتاح السياسي لخدمة اقتصاد البلاد، وتلبية مطالب المواطنين الذين يخرجون في احتجاجات منتظمة خلال السنوات الماضية، وفي هذا الإطار يحاول تحقيق الإصلاحات الاقتصادية التالية: • مواجهة مشكلة نقص العملات الأجنبية، والحد من الدين الخارجي، وخفض مستويات التضخم المرتفعة، والتي وصلت إلى 15.6% بحلول فبراير 2018. • محاربة الفساد المستشري في الهيئات والمؤسسات الحكومة، والذي كان أحد محركات الاضطرابات الاجتماعية)7.) • وضع حد للمجاعات التي تضرب البلاد من وقت لآخر، والتي كانت آخرها في مارس 2018، حيث أشارت شبكة الإنذار المبكر الخاصة بالمجاعات إلى أن إثيوبيا تحتاج إلى مساعدات طارئة في مجالات أهمها: التغذية والأمن الغذائي والصرف الصحي، خاصة في إقليم الصومال الإثيوبي)8.) • الحد من سيطرة أقلية التيجراي على اقتصاد البلاد، حيث يهيمنون عليه بطرق مختلفة، منها "الصندوق الوقفي لإعادة تأهيل إقليم تيجراي"، أبرز شركاء الحكومة الإثيوبية في مشروعاتها الإنشائية الكبيرة، خاصة في قطاع السدود، فضلاً عن إنهاء هيمنتهم على الشركات الكبيرة المملوكة للدولة، وعلى رأسها شركة الصلب والهندسة، وكذلك قطاعي الاتصالات والكهرباء)9(، ويقتضي تحجيم دورهم كسب الجناح المعتدل داخل المجموعة من ناحية، وتحسين العلاقة مع المعارضة من ناحية أخرى. • الحصول على دعم اقتصادي من الدول الإقليمية والدولية من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية، ودعم الإصلاحات الداخلية.

ثانياً: تحديات اآبي الداخلية

لا شك أن الطريق لا يزال طويلاً أمام آبي أحمد، إذ يواجه بمجموعة من التحديات الداخلية والخارجية، خاصة مع إقدامه على تبني سياسات راديكالية في فترة قصيرة نسبياً، الأمر الذي يثير التساؤل حول أبرز التحديات التي تواجهه، وفرصه في التغلب عليها، والتي يمكن إجمالها في النقاط التالية: 1- المقاومة الداخلية لسياساته: لاقت سياسات آبي الجديدة دعماً شعبياً كبيراً، غير أنها في الوقت ذاته خلقت له أعداء أقوياء، خاصة من قومية التيجراي، ذات النفوذ الواسع، وهو ما وضح في التفجير الذي شهدته أديس أبابا في يونيو 2018 خلال كلمة لرئيس الوزراء أمام حشد من الجماهير. وكشف الهجوم عن وجود جهات في الداخل الإثيوبي تقاوم سياسات آبي.

وقد تكون قومية التيجراي هي من تقف خلف هذا الهجوم، خاصة أنها أدركت أن آبي يريد تجريدها تدريجياً من مصادر قوتها، التي راكمتها على مدار العقدين الماضيين، خاصة بعد أن أقال عدداً من ضباط الجيش، المنتمين إلى هذه القومية، ومن غير المستبعد أن يتكرر هذا الهجوم إذا وجدت أن سياساته ستحد من نفوذها في النهاية.

ولا تزال أقلية التيجراي تمتلك العديد من الخيارات لعرقلة سياسات آبي، فبالإضافة إلى تغلغلها في مفاصل الدولة، فإنها قد تلجأ أيضاً إلى التحالف مع بقية الأقليات الإثيوبية الخائفة من استئثار الأورومو بالحكم، وهي القومية التي ينتمي إليها آبي، كما أنه بإمكانهم المطالبة بتفعيل الفقرة 4 من المادة التاسعة في دستور البلاد، والتي تنص على حق تقرير المصير لأي إقليم يطلبه، ما يهدد وحدة الأراضي الإثيوبية)10.) 2- تجدد الصراعات الداخلية: يعتبر ملف إقليم أوجادين من الملفات المزمنة في إثيوبيا، وعلى الرغم من إرسال جبهة تحرير أوجادين المسلحة إشارات إيجابية، وتعبيرها عن ارتياحها، لسياسة العفو الشامل عن سجناء الرأي السياسيين والصحفيين والمعارضين التي أطلقها آبي وشملت أعضاء من الجبهة، فإنه لم يتم علاج جذور الصراع بعد، وهو ما يجعله عرضة للانفجار في أي وقت حتى يتم التوصل لتسوية نهائية له.

ثالثاً: فر�ص النجاح

على الرغم من الصعاب التي تعترض مشروع آبي الإصلاحي في إثيوبيا، فإن فرص نجاحه تظل قائمة، خاصة أن سياساته لاقت قبولاً داخلياً مع انتهاجه سياسات مختلفة عن سابقيه، غير أن مواصلة النجاح في هذا الملف تتطلب اتخاذ مجموعة من التدابير، لاحتواء خصوم الداخل، وفتح صفحة جديدة مع دول الجوار. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى بعض الخطوات التي يمكن أن تساعد في تحقيق الأهداف المعلنة: 1- احتواء قومية التيجراي: ينبغي على رئيس الوزراء الإثيوبي احتواء التيارات المعتدلة داخل أقلية التيجراي ذات النفوذ الواسع، وذلك بفتح حوار حول سياساته الجديدة، للتأكيد على أنها لا تستهدفهم، غير أن هذا الحوار لا ينبغي أن يؤدي إلى التراجع عن سياساته الجديدة. 2- التجاوب مع مشكلة أوجادين: يجب أن تسعى الحكومة الإثيوبية للوصول إلى اتفاق رسمي بين أديس أبابا وممثلي القوميات المختلفة، خاصة في إقليم أوجادين، الذي يحتوي على ثروات نفطية، وذلك بما يضمن حماية حقوقهم الثقافية والقومية، في إطار الدولة الفيدرالية الموحدة. 3- القضاء على الفساد الداخلي: يسمح القضاء على الفساد باستفادة قطاعات شعبية واسعة من عوائد التنمية، بما يحقق العدالة في توزيع الدخل. 4- مواصلة المصالحة مع الجوار: توجت جهود آبي أحمد لتحقيق المصالحة مع إريتريا بتوقيع اتفاق تاريخي بين البلدين، في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة)11(، ومن المتوقع أن تنعكس هذه المصالحة، إيجاباً على دولة إثيوبيا الحبيسة، التي تحتاج إلى منافذ بحرية من أجل تعزيز نموها الاقتصادي.

ومن جهة ثانية، فإن هناك حاجة إثيوبية لإجراء مصالحة حقيقية مع الصومال، لتجاوز الآثار النفسية التي تركتها حروب القرن الماضي في العقلية الجمعية للشعبين، والتي لا تقل خطورة عن الدمار الذي لحق بهما، فضلاً عما أعقب ذلك من تدخلات أديس أبابا في الحرب الأهلية بالصومال.

وفي الختام، فإن السياسات الإصلاحية التي ينتهجها آبي أحمد تتطلب منه أن يكون أكثر حذراً، ويعمل على امتصاص المعارضة الداخلية لسياساته، ومواصلة خطواته التوافقية تجاه دول الجوار، خاصة أن نجاح هذه السياسات سيساهم في مواصلة النهضة الإثيوبية بدماء ونفس جديدين، الأمر الذي سيؤدي إلى كتابة اسمه في سجل القادة الكبار، وحفره في ذاكرة عشرات الملايين بإثيوبيا والمنطقة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.