تساؤلات مفتوحة:

كيف يؤثر صعود الصين على النظام العالمي؟

Trending Events - - حالة العالم - كارن أبو الخير مستشار الشؤون الدولية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة - أبوظبي

منذ أن بدأت الصين تحقق قفزات اقتصادية واسعة في العقود القليلة الماضية لم يتوقف النقاش حول تأثيرات هذا الصعود على النظام العالمي. فهل يمكن أن يتم إدماج الصين لتصبح ”صاحبة مصلحة“في استمراره، وتتصرف ”بمسؤولية“للحفاظ عليه؟ أم أن الصعود الصيني سيؤدي، حسب الخبرة التاريخية المتكررة، إلى صدام بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة على النظام القائم، وهي الولايات المتحدة؟

لقد أثار المشروع الصيني الطموح "الحزام والطريق" المخاوف من أن الصين لها أطماع "امبراطورية"، فهل هي بالفعل بصدد أن "تحكم العالم"؟ وفق توقعات عدد كبير من الخبراء والمحللين. تظل هذه وغيرها أسئلة مفتوحة حول العلاقة بين الصعود الصيني ومستقبل النظام العالمي في المستقبل المنظور، ومن المفيد في الإجابة عليها توسيع زاوية الرؤية لتشمل ليس فقط عوامل القوة الاقتصادية والعسكرية، بل أيضاً الخصائص الحضارية والتاريخية والثقافية، ودورها في تشكيل السلوك الصيني.

اأولً: المقومات الح�شارية للدولة ال�شينية

طرح المحلل المتخصص في الشؤون الصينية مارتن جاكس، صاحب الكتاب الشهير "عندما تحكم الصين العالم" مقاربة "الدولة الحضارية" في وصف الصين، لتمييزها عن نموذج "الدولة القومية" الذي يمثل الوحدة الأساسية للنظام الدولي الحالي.

ويسجل التاريخ ظهور الصين كدولة موحدة في عام 221 قبل الميلاد، كما أنها قبل نشأة الدولة الموحدة، لم تعرف إلا شكلاً واحداً للكتابة استمر وتطور حتى الوقت الحالي، حتى أصبحت لغة "الماندرين" هي اللغة التي يستخدمها حوالي 800 مليون من السكان، الذين ينتمي معظمهم إلى قومية "الهان".

وفي المقابل، قد يكون النظر إلى الصين بوصفها مجتمعاً متجانساً خادعاً لأسباب متعددة. فالصين تاريخياً كانت مكونة من مجموعات عرقية وإثنية ولغوية متعددة لا يزال لها وجود حتى الآن في أماكن متفرقة من الصين، على الرغم من انتشار عنصر أو قومية الهان ولغة الماندرين ومشتقاتها بشكل واسع من شمال الصين إلى جنوبها. هذا الشكل من التجانس الثقافي والحضاري لم يحدث بالصدفة بل عبر سياسات ممنهجة، ومن خلال صدامات دموية بين دويلات وقوميات منافسة، وهجرة الهان من مناطق تمركزهم واستيطانهم في مناطق جديدة حاملين معهم الثقافة واللغة والحضارة) 1 .)

واعتمدت الدولة الصينية أيضاً سياسات تبدو متطرفة لتدعيم هذا التماسك، من بينها على سبيل المثال الأمر الذي أصدره أول أمبراطور حكم الصين كدولة موحدة سياسياً قبل الميلاد بقرنين، بحرق جميع الكتب والمخطوطات التي كتبت قبل الوحدة حرصاً على أن تنظر الأجيال القادمة إلى وحدة الدولة الصينية كحقيقة تاريخية ثابتة. ولقد ظل ظهور حركات انفصالية على أسس عرقية أو دينية أو مناطقية يهدد تماسك الدولة ووحدة أراضيها، هاجساً لدى حكام الصين،

ولم يترددوا تاريخياً في استخدام القوة لمواجهة مثل هذه التوجهات.

وبسبب تعرض الصين على مدار تاريخها لفترات من الفوضى وتفكك الدولة، ظهرت مدرسة في الدراسات الصينية في الغرب تركز على "هشاشة" النظام السياسي الصيني وتشكك في قدرة النظام على إحكام السيطرة على المجتمع في ظل التغييرات السريعة والواسعة التي يشهدها. ويذهب رواد هذه المدرسة، ومن أبرزهم سوزان شيرك، في كتابها الشهير "الصين قوة عظمى هشة" إلى أن الخطر الحقيقي على النظام العالمي لا يأتي من صعود قوة الصين، بل من عوامل ضعفها الداخلي)2.)

وتركز أدبيات أخرى على نجاح الصين في تجاوز عوامل الانقسام، وبالنظر إلى الامتداد الجغرافي للأراضي الصينية وتنوع البيئة والمناخ والتعدد العرقي واللغوي يعتبر البعض الصين أقرب إلى "نظام إقليمي فرعي" منها إلى الدولة القومية بحيث تقارن بالاتحاد الأوروبي أو الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أن الصين على عكس النموذجين السابقين، نجحت في تحقيق الوحدة والتماسك عبر القرون.

ويرجع عجز أوروبا عن تحقيق الوحدة إلى طبيعتها الجغرافية التي مثلت عوائق طبيعية بين الدول وبعضها، وأدت إلى ظهور ثقافات ولغات ونظم حكم متعددة، وفي المقابل حبت الطبيعة الصين بأرض منبسطة، وبأنهار تجري بين الشرق والغرب تسهل الحركة والتواصل، فضلاً عن انتشار اللغة والثقافة والمقومات الحضارية التي دعمت الوحدة السياسية. وبينما اعتمد الاتحاد السوفييتي بشكل مفرط على القوة لتحقيق تماسك الدولة، فإن الصين استندت بقدر كبير إلى إرثها الحضاري والثقافي في تدعيم تماسك الدولة على الرغم من أنها لم تغفل ضرورة استخدام القوة في بعض الأحيان)3.)

وتجدر الإشارة هنا إلى الدور المحوري الذي لعبه الجهاز الإداري وتطور مؤسسات الدولة عبر تاريخ الصين الطويل، كما توافرت مقومات الحضارة، والتي تمثل أهمها في من ظهور الزراعة والقدرة على الابتكار التكنولوجي. وترتب على ذلك ظهور فائض القيمة وقيام المدن وتطور المؤسسات القادرة على إدارة الثروات وحشد القدرات المجتمعية لتشييد مشروعات عملاقة. فظهرت منذ آلاف السنين القصور الكبرى والمشروعات الضخمة، ومن أبرزها "مشروع القناة العظيم" والذي قام على حفر قنوات صناعية تستمد المياه من روافد الأنهار الصينية التي تمتد من الشرق إلى الغرب، لتربط شمال الصين بجنوبها.

ويعد الجهاز الإداري للدولة في الصين في حد ذاته من أهم منتجات الحضارة الصينية، حيث كان يمتد في هيكل تراتبي في جميع أنحاء البلاد. وقد وضعت منذ آلاف السنين قواعد صارمة تحكم الانضمام إليه، وكان يتم الاختيار بناءً على العلم والكفاءة ومن خلال نظام تنافسي لا على أساس الانتماء لعرقية أو مجموعة معينة. وعلى كل ما شهدته الصين من تقلبات سياسية وأيديولوجية عبر تاريخها، ظل هذا الجهاز الإداري أساس تماسك الدولة إلى حد كبير، واللاعب الأساسي في مشروع التنمية الحديث)4.)

ثانياً: ال�شدام مع قواعد النظام الدولي

تظل الدولة الصينية هي المحرك الدافع والقوة المهيمنة للصعود الصيني استناداً إلى إرثها التاريخي الطويل، ولأن نموذج التنمية الذي اعتمدته يتناقض مع قواعد النظام الدولي القائم، خاصة فيما يتعلق بتطبيق قواعد الديمقراطية السياسية وحرية السوق، فقد سبب ذلك حالة من التوتر وغياب التوازن في النظام الدولي. لكن الصين لا تسعى في الواقع لتقويض هذا النظام، ذلك لأن طفرتها الاقتصادية تحققت في إطاره، وهي مستفيدة من استمراره.

وتدافع الصين باستماتة الآن عن بعض قواعد النظام الدولي، مثل مبدأ سيادة الدول وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية، وحرية التجارة. لكنها في الوقت نفسه ليس لديها أي نية في اعتماد ما يتعارض من قواعده مع رؤيتها ومصالحها. وبينما تناور الصين بكل ما لديها من أوراق لإطالة أمد هذه الفترة من "التعايش القلق" بينها وبين مؤسسات وقوى النظام الدولي، فإن شكلاً من أشكال الصدام يبدو متوقعاً.

ولقد كان أمل الغرب معقوداً على أن انفتاح الصين على العالم وتكون طبقة وسطى متعلمة لديها تراكم من الثروة، سوف يدفع بشكل تلقائي للمطالبة بحقوق سياسية أوسع وبالتالي لتطور نظام ديمقراطي. لكن هذه الرؤية لم تأخذ في الاعتبار التاريخ المؤسسي والاجتماعي للصين.

فالدولة في التاريخ الصيني احتلت الدور المحوري الذي لم ينازعها فيه أحد، ولم تظهر أي مؤسسة أو طبقة أو جماعة في المجتمع يمكنها إجبار الدولة على تقاسم السلطة معها. فلم تظهر على سبيل المثال مؤسسة دينية مثل الكنيسة، ولم تنظم طبقة التجار نفسها بشكل يسمح بالضغط على الدولة، ولا يعد الدور المهيمن الذي تلعبه الدولة اليوم في الصين غريباً على التراث والثقافة الصينية. ولا توجد بنية مؤسسية في المجتمع الصيني يمكن البناء عليها لخلق نظام على شاكلة الديمقراطية الغربية)5.)

وبينما تكاد تختفي من التحليلات الغربية حالياً فكرة حتمية التحول الديمقراطي في الصين، فإن هاجس الحفاظ على سيطرة الدولة وتماسك وحدة البلاد، يدفع نظام الحكم في الصين لاعتماد سياسات مثل الرقابة على الإنترنت واعتقال المعارضين وما يتردد عن ممارسات قمعية شديدة تجاه مسلمي الإيجور، وهو ما يعتبره الغرب تجاوزات واضحة للحقوق الأساسية للمواطنين.

وتظل قضية حماية حقوق الانسان محوراً للخلاف مع الدول الغربية والمؤسسات الدولية، وتبدي الصين بعض المرونة أحياناً تجاه مطالب هذه الجهات، بينما تتجاهلها بشكل كامل في أحيان أخرى. لكن بالنظر إلى تراجع

الاهتمام عالمياً بقضايا حقوق الإنسان والمصالح الاقتصادية الكبيرة التي تربط الصين بأعداد متزايدة من الدول، فلا يمكن القول إن الصين تتعرض في الوقت الحالي لضغوط خارجية عنيفة في هذه الصدد.

وفي المقابل، أصبحت محاولاتها السيطرة والتجسس على الدارسين الصينيين في الدول الغربية تمثل نقطة خلاف، كما أن الخلافات حول قضايا حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان تقوض الثقة بين الدول الغربية والصين، وتضع بعض الحدود على درجة التعاون والتقارب بينهما.

ويعد الخلاف أكثر اشتعالاً على صعيد الاقتصاد، خاصة فيما يتعلق بهيمنة الدولة في الصين على السوق والدعم الذي تقدمه للشركات المملوكة لها، والتي تخوض منافسة غير متكافئة مع شركات القطاع الخاص في مخالفة لقواعد حرية السوق.

ويضاف إلى ما سبق أن الصين التي تدافع عن فتح الأسواق أمام منتجاتها، تضيق على الشركات الأجنبية التي تحاول دخول السوق الصيني، كما أنها لا تحترم حقوق الملكية الفكرية وتضغط بشتى الطرق للحصول على أسرار التكنولوجيا الحديثة، سواء من الدول أو الشركات.

ويشهد العالم بوادر صدام متمثلاً في "حرب تجارية" بين الصين والولايات المتحدة، والتي تسعى لحرمان الصين من الاستفادة بمميزات حرية التجارة والحصول على أسرار التطور التكنولوجي الغربي. وتزايد أيضاً التضييق من الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى على الاستثمارات الصينية وعلى السماح لشركات التكنولوجيا الصينية بالدخول إلى أسواقها تحت دعوى حماية الأمن القومي، وذلك لمنع الشركات الصينية من الصعود إلى العالمية. وعلى الرغم من أن الضغوط ستعرقل الصعود الصيني، فإنه لن يدفعها لتغييرات جذرية، مثل فتح أسواقها بلا شروط أمام الشركات الأجنبية، لأنها لا ترى ذلك متسقاً مع مصالحها.

ثالثاً: كيف �شتتعامل ال�شين مع العالم؟

يثير التوتر الدولي الحالي تساؤلات حول رؤية الصين لمكانتها ودورها في العالم، والسياسات التي ستتبعها في إدارة التفاعلات الدولية في هذه الرحلة القلقة، ومدى تأثرها بالموروثات التاريخية والحضارية. وتعد الصين من أكثر الدول اهتماماً واعتزازاً بالتاريخ، وتتميز سياساتها على جميع المستويات بالرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

ووفقاً للمنظور الصيني، فإن التاريخ قد أكمل دورته وحان الوقت لأن "تعود" الصين لتبوؤ مكانتها "الطبيعية" في صدارة المجتمع الدولي والتي تتناسب مع مقوماتها الطبيعية والتاريخية والحضارية وقدرات شعبها. وتستند الصين في ذلك إلى الرغبة في محو آثار ما تعرضت له على أيدي قوى أجنبية خلال "قرن المهانة"، ونشاط الشعب الصيني لتحقيق التقدم والرفاهية والخروج من براثن الفقر والتخلف.

ويستند المشروع الصيني للتنمية إلى قوة دفع هائلة ما يرجح نجاحها في تجاوز العقبات والمشكلات التي تعترض صعودها. ولأن امتلاك الدول الصاعدة لمقدرات القوة الاقتصادية اقترن تاريخياً بسعيها لامتلاك القوة العسكرية، يثور التساؤل حول احتمالات انتقال الصدام من ميدان التجارة إلى ميدان المواجهة العسكرية، والرؤية الصينية لاستخدام القوة في العلاقات الدولية.

والثابت تاريخياً أن الصين تعرضت للغزو الخارجي مراراً خلال تاريخها الطويل، بما يفوق عدد عملياتها العسكرية خارج حدودها بشكل لافت، والتي كانت من وجهة نظر الصين لأسباب دفاعية في المقام الأول، ويجب الإشارة إلى أن تعريف" الدفاعية" موضع خلاف، فالصين ترى مثلاً أن سيطرتها على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين ضرورة "دفاعية"، بينما تراه الدول المجاورة تعبيراً عن ميول توسعية)6.)

ومن جانب آخر، لم تبد الصين تاريخيا ميلاً للتدخل في شؤون الدول الأخرى، وعلى سبيل المثال في الفترة الزمنية ما بين القرنين الثامن والعاشر حين كانت البوذية هي الدين السائد في الصين، تعرض أتباع البوذية في الهند إلى الاضطهاد وتدمير المعابد، لكن الصين لم تفكر في التدخل لحماية هذه الرموز الدينية، على عكس أوروبا التي اتخذت الدين ذريعة للحروب الصليبية واحتلال فلسطين.

ولم تظهر الصين أيضاً ميلاً للتدخل في الشؤون الداخلية للدول التي كانت تعد "تابعة" لها في الفترة التي بسطت فيها هيمنتها على النظام الإقليمي، طالما أعلنت لها هذه الدول "الولاء" ولو شكلياً. ويظل عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مبدأ ثابتاً في السياسة الخارجية الصينية، كما تؤكد على أن قروضها للدول النامية في إطار مشروع الحزام والطريق تظل دائماً غير مشروطة. ولكن عملياً، فإن النفوذ الكبير الناتج عن العلاقات الاقتصادية غيرالمتكافئة مع دول أقل تقدماً منها يثير الشبهات حول اعتمادها على أحد أنماط "الاستعمار الجديد".

ولا يبدو في نظر معظم المحللين، أن الصين أبدت تاريخياً ميولاً لتغيير ملامح النظام الدولي بالقوة، مع استثناء القضايا المرتبطة بوحدة الأراضي الصينية، مثل قضية تايوان والتبت. ويبدو اختلافها في ذلك عن الولايات المتحدة بالنظر إلى أنه حين كانت الأخيرة على أعتاب أن تصبح القوة الكبرى المهيمنة على النظام العالمي في العقود الأولى من القرن العشرين كانت بالفعل قد احتلت كوبا والفلبين وهاييتي ونيكاراجوا، وجمهورية الدومينيكان ومنطقة قناة بنما

وبورتوريكو، وأرسلت قواتاً للحرب في المكسيك وأوروبا الغربية وروسيا)7.)

ولقد لعبت حقائق الجغرافيا دوراً مهماً في تشكيل رؤية الصين لاستخدام القوة في التفاعلات الخارجية، حيث إن لها حدوداً برية ممتدة مع عدد كبير من الدول القوية ما يجعل حماية هذه الحدود أيضاً تحدياً صعباً على مدار تاريخها. لذلك، وحسب ما رصد هنري كيسنجر في كتابه "عن الصين"، فقد اعتمدت الصين تاريخياً بشكل أساسي على الدبلوماسية في إدارة علاقاتها الخارجية وطورت موروثاً ثرياً من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية التي استخدمتها في ذلك) )8

ويرى كيسنجر أن موازين القوى الصعبة التي تمنع الصين من التغلب على جيرانها إذا ما اجتمعوا عليها، قد جعلت للدبلوماسية الصينية طابعاً برجماتياً إلى حد كبير، كما أن أهم أدبياتها تركز على ضرورة الاعتماد على الصبر والرؤية بعيدة المدى وتفادي الدخول في صدام عسكري مع التركيز على إدارة العلاقات مع دول الجوار بشكل يمنع تحالفهم ضدها.

ويبرز تحليل كيسنجر القدرة الصينية على استيعاب الضربات الخارجية، وأن الهدف الرئيسي كان دوماً الحفاظ على هوية وتماسك الدولة الصينية، كما يبدي كيسنجر إعجابه الشديد بقدرة النخبة البيروقراطية الصينية على النجاح في ذلك، وحتى في فترات هيمنة الغزاة على السلطة بدت برجماتية النخب الصينية في إقناع الحكام الجدد أن دولة في حجم وتعقيد الصين لا يمكن أن تُحكم إلا باستخدام الأساليب الصينية، وبدلاً من أن يغير الغزاة من هوية أو شكل الدولة الصينية، فإنهم تدريجيا تم إدماجهم، بل والأراضي التي انطلقوا منها، في المنظومة السياسية والحضارية الصينية.

ووفقاً لكيسنجر فقد كان من شبه المستحيل أن تستطيع الصين الحفاظ على بقائها كدولة مترابطة أمام تكالب أوروبا واليابان وروسيا عليها في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ولكنها استطاعت تحقيق ذلك بالاعتماد فقط على قواها التقليدية وميراثها من الأدوات الدبلوماسية، والتماسك الثقافي والحضاري للمجتمع الصيني. وعلى الرغم من تقديم تنازلات مؤلمة ومهينة، فقد تمكنت الصين من الحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الدولة وهويتها والحفاظ على فرص إعادة بناء قوتها من جديد.

في آخر عصور القوة الصينية، كانت الصين قوة إقليمية مهيمنة لم تتفاعل مع أي قوة عالمية مماثلة لها في الحجم أو القوة. وبسبب شعورها بالتميز الحضاري، لم تهتم باستكشاف التطورات في العالم الغربي، ما مثل خطأً استراتيجياً دفعت ثمنه غالياً. ولكنها في الوقت نفسه، لم تبد أي اتجاه لتصدير أو فرض حضارتها وثقافتها على المجتمعات الغربية)9.)

وتعتبر الصين حالياً مندمجة في النظام العالمي أكثر من أي قوة صاعدة في التاريخ، كما أنها تقترب من مواجهة مع الولايات المتحدة التي ربما لاتزال تحتفظ بالتفوق عليها في مختلف المجالات، بينما تختلف عنها جذرياً في الأفكار والقيم، وتتناقض معها في كثير من المصالح، وهو ما يثير تساؤلاً حول مدى حفاظ الصين على استراتيجياتها البرجماتية والمتفادية للصدام.

يمثل المشروع الصيني الطموح "الحزام والطريق" محوراً أساسياً لهذه التساؤلات، فهو في الأساس وسيلة لدعم صعودها الاقتصادي، ولتكوين علاقات تخلق من شركائها الاقتصاديين في الدول الواقعة على امتداده شبكة داعمة لها، تستفيد من صعودها ولا تحاربه. لكن هل ستقتصر الصين على تقديم نفسها كنموذج للتنمية ومصدر بديل للغرب في الحصول على التمويل؟ أم أن مصالحها الاقتصادية الممتدة ستخلق الدافع لمحاولة فرض هذا النموذج على الدول الأخرى، والتدخل في شؤونها الداخلية كما فعلت قوى عالمية من قبل.

وتثور أيضاً في هذا الإطار تساؤلات حول مدى قبول الولايات المتحدة، والغرب بشكل عام، انتشار هذا النموذج المنافس المدعوم صينياً، ومن جانب آخر، سوف تحتاج الصين، بسبب الصراعات وحالة عدم الاستقرار في الكثير من المناطق التي يمر بها هذا المشروع، إلى وجود أمني وعسكري خارج أراضيها، فهل ستدفعها مصالحها وواقع التنافس الدولي لتحذو خطى ما سبقها من "امبراطوريات"؟ وبالتالي الانزلاق إلى صدامات غير محسوبة مع القوى المنافسة، التي لها أيضاً مصالح استراتيجية واقتصادية في الكثير من هذه المناطق.

ختاماً، تظل هذه أسئلة مفتوحة، سوف تحدد إجاباتها ملامح النظام العالمي في الفترة القادمة، وما إذا كان سيهوي إلى حالة من الصدام والتفكك، أو سينجح في التوصل إلى صيغة من التوافق والتعايش بين القوى المتنافسة والنظم القيمية المختلفة. لكن هذه الإجابات لن تحددها الصين وحدها، بل ستشارك في صياغتها مواقف الدول الكبرى والنامية على حد سواء.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.