‪The Endgame‬

مسارات تسوية الصراعات في المنطقة العربية

Trending Events - - حالةالشرق الأوسط - محمود جمال عبدالعال باحث بالمركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة

تصاعد اهتمام مراكز التفكير الغربية بمسارات تسوية الصراعات الداخلية في الشرق الأوسط في ظل توازن الضعف بين الأطراف المنخرطة في الصراعات وبدء التفاوض بين القوى الخارجية على تقاسم النفوذ في إطار عمليات الانتقال السياسي.

يواجه إنهاء الصراعات الداخلية عدة معوقات يتمثل أهمها في تعثر الاستحقاقات الرئيسية لانتقال السلطة واحتدام الخلافات بين أطراف الصراعات والسعي لتحقيق الحسم العسكري وتجنب المسارات التفاوضية، بالإضافة إلى تعارض مصالح القوى الخارجية المتدخلة في الصراع وسعيهم لتأمين مصالحهم في إطار التسوية.

اأولً: تحولت الم�شهد الع�شكري

تفاوتت تقديرات مراكز التفكير الغربية حول تسوية الصراعات الداخلية في منطقة الشرق الأوسط، فبينما يؤكد بعضها أن الصراعات قد شارفت على الانتهاء، وأن توازن الضعف بين الفرقاء المتناحرين سيدفعهم لقبول عملية تسوية سياسية والبدء بتقاسم المكاسب فيما بينهم، رأت تقديرات مراكز تفكير أخرى أن هذه الصراعات ليست مهيأة للتسوية، وأن الاتفاقات التي تم التوصل إليها هشة وغير قابلة للاستدامة نتيجة تردي الأوضاع الأمنية والسياسية واستمرار التدخلات الخارجية من أطراف إقليمية ودولية ذات مصالح متعارضة. وقد ركزت هذه المراكز بشكل خاص على حالتي سوريا وليبيا وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي: 1- اقتراب الحسم العسكري في سوريا: يرى "ستيفن كوك" الخبير المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية في مقاله المنشور في مجلة "الفورين بوليسي" في يوليو 2018 بعنوان "الحرب السورية انتهت، وأمريكا هزمت" أن الحرب في سوريا شارفت على الانتهاء بسيطرة النظام السوري على بلدة درعا الجنوبية، التي انطلقت منها الاحتجاجات في مارس 2011.

ودعا التحليل الولايات المتحدة إلى أن تتخلص من مكامن الاختلال التي سادت مواقفها خلال الصراع السوري كي تضمن لنفسها مكاناً في الشرق الأوسط الجديد، إذ إن سياسة واشنطن كانت تعتمد على النأي عن الصراع الدائر، وقصف مواقع "داعش" في إطار التحالف الدولي لمحاربة التنظيم في العراق والشام، وكذلك بعض أهداف النظام السوري غير المؤثرة تحت حجج مختلفة، مثل استخدامه الأسلحة الكيماوية، مع تقديم الدعم للاجئين، والمساهمة في العمل الإنساني.

ويعتبر "كوك" أن عدم تبني واشنطن موقف واضح في الصراع السوري كان خطأً استراتيجياً، حيث يرى أن الولايات المتحدة تعد الأكثر قدرة على حسم الصراعات في العالم، واعتبر أن عدم تدخل واشنطن في الصراع السوري كان بمنزلة التخلي الإرادي عن نفوذها في المنطقة، وهو ما سمح لموسكو بالتدخل بقوةٍ لملء هذا الفراغ الكبير الذي خلَّفه الخروج الأمريكي المفاجئ، وبالتالي استطاعت روسيا تقديم نفسها كشريك أكثر كفاءة لدول الشرق الأوسط)1.)

على النقيض من ذلك، وعلى الرغم من اعترافها بغموض وضعف الدور الأمريكي في الصراع السوري، ترى "جنيفر كافاريلا" ‪Jennifer Cafarella(‬ ) مديرة التخطيط الاستخباراتي في معهد دراسة الحرب الأمريكي في مقالها المنشور في مجلة "الفورين أفيرز" في يوليو 2018، والمعنون "لا تنسحبوا من سوريا"، أن الصراع السوري قد دخل مرحلة أكثر خطورة.

فعلى الرغم من سيطرة قوات الأسد على مدينة حلب ثاني أكبر المدن في سوريا، وكذلك إحكام قبضتها على العاصمة دمشق، ونجاحها في مهاجمة معاقل المتمردين في محافظات القنيطرة ودرعا، فإن ذلك قد أضعف المعارضة المعتدلة فقط، ولم يتمكن من إنهاء الحرب بسبب استمرار الميليشيات المُسلحة المدعومة من قوى خارجية وتعارض المصالح بين الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة في الصراع، مثل روسيا وتركيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة) 2 .) 2- تصاعد صراعات الفصائل الليبية: لم يؤدِ اتفاق باريس بين الفرقاء الليبين حول عملية الانتقال السياسي إلى إنهاء حالة الاحتقان التي تسود الأوضاع في ليبيا، فعلى الرغم من الاتفاق على ضرورة إجراء الانتخابات قبل نهاية العام الجاري، فإن الأوضاع الأمنية المتردية والصراعات بين الفصائل المسلحة، خاصةً المتمركزة في العاصمة الليبية طرابلس والمتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة "فايز السراج" قد تعرقل الاستحقاقات السياسية لتسوية الصراع في ليبيا.

ولقد أدى التنافس الإيطالي - الفرنسي إلى حدوث تحولات جذرية في ليبيا؛ حيث يشير أحد تقديرات مؤسسة ستراتفور الصادر في سبتمبر 2018 إلى أن التنافس الأوروبي في ليبيا قد أدى إلى تأجيج الأوضاع الأمنية، وعزز من التنافس والمواجهات العسكرية الحادة بين مناطق الشرق والغرب الليبي.

ومن ناحيةٍ أخرى، عضَّد الدعم الإيطالي من قوة الميليشيات المنتشرة في طرابلس؛ إذ تنظر إيطاليا ببرجماتية إلى علاقتها مع ليبيا؛ ولهذا تُقيم علاقات مع حكومة "فايز السرَّاج" وذلك لتأمين مصالحها الاقتصادية، ومنع وصول قوارب الهجرة غير الشرعية إلى حدودها فيما تعتمد فرنسا بشكل متصاعد على المشير "خليفة حفتر" القائد العام للقوات المسلحة الليبية، حيث يرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه الأقدر على استعادة الأمن وتحقيق الاستقرار في ليبيا)3.)

ثانياً: الأدوار الإقليمية في بوؤر ال�شراعات

يرى الكاتبان "روبي جرامر" مراسل الأمن القومي لمجلة "الفورين بوليسي"، و"حمزة جيلاني" الباحث المشارك في برنامج سياسة الأمن القومي بجامعة هارفارد الأمريكية في تقريرهما المنشور في مجلة "الفورين بوليسي" في أغسطس 2018، والمعنون "ليبيا عقبة أمام استقرار تونس" أن ما يزيد من تعقيد الأوضاع في ليبيا التدخلات الخارجية، حيث يتنافس اللاعبون الأوروبيون والشرق أوسطيون على النفوذ، فعلى سبيل المثال تدعم دول مثل إيطاليا وقطر وتركيا حكومة الوفاق الوطني بقيادة "السراج" الذي يعتمد على دعم بعض الفصائل المسلحة المتناحرة بالمقارنة بتماسك الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر)4.)

وقد أشارت بعض مراكز التفكير الغربية إلى تصاعد أدوار الفاعلين الإقليميين في دول الصراعات ورغبة كل طرف منهم في الهيمنة على أكبر قدر من المكاسب في مقابل تراجع أدوار بعض القوي الدولية، فعلى سبيل المثال، حذرت "جنيفر كارفيلا" من تمدد أدوار بعض الفاعلين الإقليميين استغلالاً للفراغ الذي قد يخلفه انسحاب أمريكي مُحتمل من شرق سوريا، حيث يسعى "الأسد" وكل من إيران، وحزب اله، وتركيا، للسيطرة على المناطق التي استولى عليها تحالف الولايات المتحدة وقوات حماية الشعب الكردية من "داعش")5.)

وفي هذا الإطار، أصدرت مؤسسة ستراتفور تقديراً في أغسطس 2018 عن التنافس الإيراني - التركي في بعض مناطق سوريا لتحقيق أهدافهما المتعارضة، حيث تسعى تركيا لاستمرار حالة خفض التصعيد في إدلب التي توافقت عليها مع موسكو وطهران، وترى أنقرة أن منع التصعيد في هذه المنطقة سيحمي الحدود التركية من توجه اللاجئين إلى الحدود السورية - التركية، كما أنه سيجنب القوات التركية المتمركزة في محافظة إدلب المواجهة مع قوات النظام وحلفائه.

وعلى الرغم من حرص روسيا على الحفاظ على اتفاقها مع تركيا المتعلق بحالة خفض التصعيد في إدلب، فإن موسكو لديها تحفظات تجاه وجود بعض الجماعات المتطرفة، مثل جبهة تحرير الشام، والحزب الإسلامي التركستاني، ودائماً ما تدعو أنقرة لتكون أكثر حسماً وحزماً تجاه هذه الجماعات، وأنشطتها التي تستهدف مصالح موسكو، على العكس من ذلك، تسعى إيران لدفع النظام السوري لاختراق إتفاق "خفض التصعيد" في إدلب وتدعوه لإطلاق هجوم شامل على هذه المنطقة باعتبارها آخر معاقل المتمردين، ولكنها في نفس الوقت تخشي من رد الفعل الروسي في حالة مخالفة رؤية موسكو لمستقبل الصراع في سوريا)6.)

يضاف إلى ذلك أن طهران قد تسعى من خلال تكثيف وجودها في الأراضي السورية إلى تنفيذ عمليات ضد إسرائيل من خلال سوريا في حال إذا أضطرت إلى ذلك، وهو ما تسعى موسكو لمنعه على الأقل في المرحلة الحالية لأن أي تصعيد عسكري بين الطرفين على الأراضي السورية سينعكس بالسلب على استقرار نظام الأسد.

وفي هذا السياق، يستدل تقرير ستراتفور بالدور الذي قامت به روسيا في السابق لإقناع إيران بسحب وحداتها

الثقيلة من الحدود السورية - الإسرائيلية، مع قيامها برفع مستوى اتصالاتها مع إسرائيل لتجنب أي اشتباكات غير مقصودة بين القوات الروسية والإسرائيلية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن خطر المواجهة الإسرائيلية الإيرانية لا يزال قائماً، فطالما أن إيران لديها وجود في سوريا، فمن المرجح أن تواصل تل أبيب هجماتها ضدها، خاصة أن روسيا ليست لديها القدرة أو الإرادة لإخراج إيران من سوريا؛ إذ إنها ستظل في حاجة إلى القوات الإيرانية لإخماد أي تمرد قد يحدث مستقبلاً)7(. وأكد "عمر الرداد" المحاضر في الأمن الاستراتيجي، والعميد السابق في المخابرات الأردنية في تحليله المنشور في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في أواخر يونيو 2018 أن روسيا لن تعمل على إزاحة إيران من المشهد السوري بشكل كامل، بل يمكن أن تمارس مزيداً من الضغوطات بغية تحجيم نفوذها في سوريا)8.)

ثالثاً: خريطة التناف�ص بين الفاعلين الدوليين

اتفقت غالبية الأطروحات والتحليلات المنشورة بمراكز التفكير الغربية على أهمية أدوار الفاعلين الدوليين في بؤر الصراعات في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من تأكيدها تراجع فاعلية أدوار بعض هؤلاء الفاعلين في مقابل صعود أدوار بعض القوى الإقليمية، فإنها لم تنف أهمية أدوارهم، حيث لا يزال بعضهم قادراً على تحديد قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي: 1- مركزية الدور الروسي في سوريا: يرى "ستيفن كوك" أن روسيا تستخدم سوريا كأداة لتعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما لاقي قبولاً من عدد من الفاعلين الإقليميين، مثل إيران، وتركيا، وإسرائيل الذين يسعون للتوافق مع موسكو قدر الإمكان لتأمين مصالحهم، ومن دلالات فاعلية الدور الروسي في المنطقة قدرة موسكو على منع الصراع المسلح بين إيران، وإسرائيل، والاجتماعات الدورية بين زعماء روسيا، وإيران، وتركيا جنباً إلى جنب باعتبارهم شركاء في تسوية الصراع السوري)9.)

وتشير مؤسسة ستراتفور في تقدير لها إلى أن روسيا ستبدأ خلال المرحلة المقبلة في جني مكاسبها التي حققتها من الانخراط في الصراع السوري خلال السنوات الماضية، حيث إنها استطاعت تحقيق عدد من الأهداف من خلال تدخلها في هذا الصراع، ويتمثل أهمها في تأمين نفوذها السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، والحفاظ على سلطة حليفها الأسد)10 .) 2- هامشية التأثير الأمريكي في ليبيا: ينتقد "بين فيشمان" ‪Ben Fishman(‬ ،) العضو السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي في مقاله المعنون "معضلة الانتخابات في ليبيا" والمنشور أواخر مايو 2018 في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ضعف الدور الأمريكي في التعاطي مع الأحداث التي تشهدها ليبيا، خاصة بعد تعثر عملية إجراء الانتخابات.

ويدعو "فيشمان" إلى دور أمريكي حاسم فيما أسماه "حوار الميليشيات" من خلال إرسال فرق من الضباط ذوي الخبرة في الشأن الليبي لتقديم المشورة للأمم المتحدة حول كيفية التوسط بين التحالفات القبلية الحالية في ليبيا، إضافة إلى حث الشركاء الأوربيين لاسيما فرنسا وإيطاليا للتوافق على خطة عمل حول ليبيا تحت رعاية الأمم المتحدة بدلاً من تعزيز الانقسام الذي أدى إلى تأزم الأوضاع ميدانياً)11.) 3- تراجع الدور الأمريكي في سوريا: يتنقد "ستيفن كوك" تراجع الدور الأمريكي في سوريا، ويؤكد أن خبرة الحرب على العراق عام 2003 قد أثرت على الموقف الأمريكي من الصراع السوري خاصة أن التدخل العسكري في العراق نتج عنه زعزعة استقرار المنطقة، وصعود الدور الإيراني والسياسات الطائفية، وتدهور علاقات واشنطن الخارجية بالعديد من الدول، بيد أن عدم تدخل واشنطن في الصراع السوري أدى إلى النتيجة نفسها حيث ساهم في عدم الاستقرار الإقليمي، وعزز من النفوذ الإيراني، وأفسد علاقاتها مع الحلفاء، وأدى إلى تقوية الجماعات الإرهابية.

ومن هذا المنطلق، يرى "كوك" أن جهود الولايات المتحدة التي استمرت لمدة 25 عاماً في المنطقة لتحديد قواعد اللعبة قد انتهت، موضحاً التناقض الكبير بين الدور الأمريكي في الشرق الأوسط حالياً وثوابت السياسة الأمريكية التي استمرت لعقود ممتدة، إذ إنه في السابق سعت واشنطن لتأمين مصالحها، والتي تتمثل في النفط، وأمن إسرائيل واستمرار هيمنتها على المنطقة، في مقابل تراجع هذا الدور بشكل كبير في الوقت الحالي)12.)

ويرى بعض المحللين أن الفرصة ما زالت سانحة للولايات المتحدة لتدارك أخطائها في سوريا، مثل جنيفر كافاريلا التي حذرت من خطورة الانسحاب الأمريكي من سوريا في هذه المرحلة لأن روسيا تقوم باستغلال الخلافات بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين من أجل إضعاف قوات الناتو في الشرق الأوسط، كما أن إيران تقوم في الوقت الحالي بإنشاء قواعد عسكرية، وتعزيز شبكة الوكلاء التابعين لها من أجل الاستعداد للهجوم المستقبلي على إسرائيل.

وتمثل سوريا أيضاً، وفقاً لكافاريلا، بؤرة محتملة لصعود

تنظيم القاعدة من جديد، حيث نشطت خلاياه في سوريا منذ عام 2014 قبل ظهور "داعش"، ومن المرجح أن تكون هناك شبكات وخلايا نائمة متصلة بهم، وتحدد كارفاريلا خطة لواشنطن لاستعادة دورها في سوريا، ومن أبرز ملامحها إعادة تأهيل الجيش الحر من خلال تسليحه، وذلك وفقاً للمقال، والمساهمة في عمليات إعادة الإعمار بهدف اكتساب ثقة الشعب السوري)13.) 4- التدخل الصيني المحتمل في سوريا: من المتوقع أن تقوم بعض القوي الدولية الأخرى بتكثيف تحركاتها في مناطق الصراعات في المنطقة خلال الفترة القادمة، وعلى رأسها الصين، وفي هذا الإطار أشارت مؤسسة ستراتفور في أحد تقاريرها الصادرة في مطلع أغسطس 2018 إلى تصريحات السفير الصيني في بيروت تشي كيانجين عن استعداد بكين لمساعدة الجيش السوري في استعادة السيطرة على إدلب من خلال القيام بعمليات عسكرية)14.)

ويرتبط ذلك بسعي الصين لتحرير إدلب من الجماعات المتطرفة وعلى رأسها الحزب الإسلامي التركستاني، الذي يتصل بعلاقات وثيقة مع بعض الجماعات المتمردة المنتمية لأقلية الإيجور في الصين، وهو ما يثير مخاوف بكين، ومن جانب آخر تتطلع الصين إلى المشاركة في خطة إعمار سوريا بالتعاون مع روسيا)15.) 5- التنافس الإيطالي - الفرنسي في ليبيا: يشير "بين فيشمان" في تقريره المنشور في 3 يوليو 2018 في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني إلى أن باريس تؤكد ضرورة إجراء الانتخابات وفقاً للجدول الزمني المحدد)16(، وفي هذا الإطار تصاعدت التوترات بين فرنسا وإيطاليا فيما يتعلق بتقاسم النفوذ والمصالح في ليبيا.

ويحاول الرئيس الفرنسي ماكرون استعادة الدور الفرنسي في أفريقيا، وتعزيز دورها في الشرق الأوسط، ولهذا يسعى إلى تحقيق الاستقرار في ليبيا، وضبط الحدود التي تهدد حلفاء باريس في غرب أفريقيا، والمغرب العربي، والساحل، حيث أدى انفتاح الحدود وعدم ضبطها أمنياً إلى تزايد تهريب السلاح، وهو ما أدى إلى تصاعد تهديدات الجماعات الإسلامية المتطرفة في الصحراء الكبرى)17(، فقد أثبتت بعض الدراسات أن معظم مرتكبي الهجمات الإرهابية الكبرى في عام 2015 قد أمضوا بعض الوقت في ليبيا، وحصلوا على الأسلحة والتدريب هناك)18.)

وفي المقابل تسعى إيطاليا لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع ليبيا، خاصة في قطاع الطاقة الذي تستثمر فيه شركة إيني الإيطالية، ومنع إبحار المهاجرين الأفارقة نحو إيطاليا من جهة الغرب الليبي الذي تسيطر عليه حكومة السراج، وتزايد تخوف إيطاليا من تصاعد موجات الهجرة واللجوء القادمة من البحر المتوسط باتجاه أوروبا. وترفض روما إجراء انتخابات متسرعة من دون التوافق على حل الخلافات السياسية بين الفرقاء، وذلك لاعتبارات تتعلق بتخوفها من تفاقم حالة العنف بعد الانتخابات؛ مما سيودي لتقويض مصالح إيطاليا الرئيسية في ليبيا)19.)

ختاماً؛ تؤكد مراجعة الاتجاهات الرئيسية بالتحليلات والتقديرات المنشورة في مراكز التفكير الغربية في الآونة الأخيرة أن تسوية وإنهاء الصراعات الداخلية في الشرق الأوسط لا تزال تفتقد لتوافر السياقات المهيئة لتوافق الأطراف الداخلية على عملية الانتقال السياسي أو تمكن أيٍ منهم من حسم الصراع عسكرياً، بالإضافة إلى انعكاسات التعارض في المصالح والتنافس على المكاسب بين القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الصراعات وسعيها لتأمين مصالحها عبر التدخل العسكري المباشر وإدارة الحروب بالوكالة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.