حين يموت الفاعل نحويا

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - ثقـافـة Culture - ٭ باحث تونسي

■ في هذه الســطور المســتعجلة لاندّعي الإجابة عن قضية ما بقدر ما نثير تســاؤلات حول مســألة وقفت القراءة النّحويّة قديما وحديثاً موقف المضطــرب في حضرتها، إنّها جملة «مــات فلانٌ»، ويكمــن الاضطراب في صعوبة تفسير عمل الفاعل في هذا السياق، نظرا لأنّ الرجل هنا لم يقم بالفعل وإنّما قام عليه الفعل مــن قبل اللّه الــذي يعدّ الفاعل الحقيقي في هذا الســياق. وهــذا ما يطرح جملة من الإشــكاليات جعلــت النحاة - في نظرنــا - يحتمون خلف تعليــات نحويّة مقنعة بلبوس ديني حــول قضايا الموت في الثقافة العربية الإسلامية، ولاسيما القراءة الجبريّة المرتكزة في أساسيات تفكيرها إلى فكــرة الجبر فــي الأفعال حيث يتحــوّل كلّ شيء إلى قدر محتوم.

ولئن كان أغلــب النحاة ينحــدرون من البيئة الاعتزالية التي هيــأت المناخ للبحث اللغوي في تاريخ الثقافة العربية والمنفتحة على التصورات الفلســفية الإغريقية فإنّهم في هذه مســألة يــكاد يتفقــون اتفاقا تاما يعكس نظرتهــم للموت ويقــرون من وراء ذلك أنّ فاعله هو ملك الموت من ورائه الله عزّ وجلّ، وهذا ســيحكم تصوّرهم للفاعل ضمن جمل من قبيل «مات فلان.»

ولســنا بهذا المقال موضــع تحامل تجاه التعليل النحــويّ ولا ندّعي وجــود إجابة واضحة في هذا الإطار وإنّما نســتفز مخيلة القارئ حتى يشــارك معنا فــي دفع البحث ضمن قضايــا تتــراءى لنا أنّها محســومة فــي حين قد تكون من بــاب الجبر التاريخي المحتمــي تحت أبعــاد ثقافية معينــة ورثنا فلسفتها دون أن نعيد النّظر فيها ولو من باب التساؤل كما تسعى هذا السطور المتواضعة. وسيلاحظ القارئ كثرة السؤال في ثنايا هذا المقال لأنّنا على إيمان بأنّ الســؤال يبقى أهم من الجواب.

يعود أصل الإشــكال إلى قضيــة الفاعل في اللّغة العربية الــذي يعرّف بكونه القائم بالفعل ويأتي مسندا إليه فعل وحكمه الرفع، وإذا ما طبقنــا هذا على جملــة «مات فلانٌ» ستطرح أمامنا جملة من الإشكاليات الشكلية والدّلالية. وهــذا ليس بجديــد باعتبار أنّ النحــاة خاضوا فيــه وقلّبــوا النّظر جيدا في هذه المســائل. ومن بــن التعليلات التي نجد لهــا حضورا مكثّفا فــي المتون النحويّة اعتبارهم الفاعــل هنا «فلانٌ» فاعلا نحويّا لا أكثر من دون أن يكــون فاعلا حقيقيّا، وتبعا لذلك فقد نزعوا عنــه الفاعلية بما هو الذات القائمة بالحدث.

وعلى هــذا فماذا نحن قائلــون عن رجل انتحر وقام بفعل الموت بنفســه، وماذا نحن قائلون عن شــخص يستشــهد ويضع حدّا لحياتــه من أجــل الثواب، أليــس ذلك فعلا إراديا؟ وقد يعترضك البعض بكون الجملتين هنا يمكــن أن يصاغا بــــ «انتحر الرجل»و «استشــهد الرجل»، فنجيب أنّ هذا وإن كان مستعملا في حدود ما فإنّ غالبية الاستعمال ترتكز على الجمل من قبيل «مات فلان» وهذا في نظرنا عائد إلى اللاوعي عند المستعملين الذين ورثوا دلالة المــوت بكون فاعلها دائما هو الله، - وهذا ما أســلّم به معهم - غير أنّ الســؤال ممكن. أليس فعل المــوت إرادة من الفاعل نفسه حيث يتحوّل إلى اختيار وملاذ يذهب إليه الإنســان دون انتظــار مجيئه؟ أتكون ســطوة الموت وفداحته حطت بثقلها على تفكير النحاة فســلبوا الفاعل حقّه أمام فعل مــات كما ســلب الموت حقهــم من فعل الحياة؟

إنّ حيرة النحــاة أمام هــذا الضرب من الأفعال مــن قبيل «مات الرجل» أو «انكســر الزجاج» قد يخفــي وراءه حيرة وقلق أكبر، إنّه قلق الإنسان المسلم من قانون الموت الذي صورته الثقافــة تصويرا دراميــا يعبّر عن نهايات مقننــة ولها قوانينها الخاصة. أليس النحــوي وهو يعلّــل جملة مــن قبيل «مات فلان» على كون الرجل مجــرّد فاعل نحوي لا أكثر، ينطلق مــن ثقافة جبرية، ترى الموت قدرا محســوما في الزمان والمــكان، وترى الإنسان خاضعا لنواميس غيبيّة؟

أظــنّ أن ركون النحاة إلى تفســير فاعل الموت فــي جملة من قبيل «مــات فلان» على كونه مجرّد اســم نمــأ به موضــع الفاعل ونهدي له علامة الرفع دون أن نكســبه قيمة الفعــل دلاليا، يـــــــدلّ على جـــــــبريّة وتســليم تام أمام ســطوة المــوت ويعكس لنا انســياق النحويّ ضمن أبجديات الفهم المتداول في تلك الفترة. لقــد كان من الممكن فســح المجال للفاعل ضمن هــذه الجملة أن يتمــرّد ويقوم بفعــل الموت بنفســه نحويا ودلاليا.

صحيــح أننــا لا نملك بديــا، وقد يكون كلامنا ضربــا من التــرف الفكــري ولكننا مصريّن على أنّ شــيئا ما في تعليل النحوي في متون اللغة أو تفســير المفسّــر لنصوص القرآن يوجّه فعلهم، ونظن أنّ هذا الشــيء تحكمه خلفيات عقائدية وتصورات سياسية تجعله غير بــريء في تقويم الأشــياء. إنّ ما أخطّه ضمــن هذا المقال ليــس إلاّ محض افتــراض وتوقّع قــد أكون حركــت مياهه الراكدة بما يفســد متعة اليقين، ولكنّي أرى أنّ ذلك مفيدا في إعــادة بلورة أفكارنا تجاه هذه القضايا.

في نهاية هذه الســطور ليس لنــا إلاّ أنّ نقول إنّ هذه الحيرة من فعل الموت كامنة في قصور تفكيرنا على فهــم كنهه، فهذا المنعرج الأبدي من حياة إلى حياة يظلّ لغزا مشــفّرا يأبى الحلّ أو لعله تسليم الإنسان أمام قدرة الإله أو كقول الشــاعر «للموت فينا ســهام وهي صائبة مــن فاته اليوم ســهم لم يفته غدا .»

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.