فيلم «التفاحة والجمجمة»: توحيد النظرة إزاء المصلحة العامة

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - ثقـافـة Culture - ٭ كاتب من المغرب

■ يروي الفيلم حكاية ســفينة غرقت بركابها فيقودهم المــوج إلى جزيرة بعيــدة منعزلة عن العالــم فيحاولون العيــش من جديد عبــر ظروف وإمكانــات جديدة. وبعد أيــام كلها عراك وخصومات يفكــر الجميع في صنع مركب للخروج من الجزيرة.

عنوان الفيلم :

التفاحــة والجمجمــة كلمتــان تحيــان إلــى أمرين متناقضــن، التفاحة باعتبارها تشــير إلى الجمال واللذة والتغذية والحياة والجمجمة باعتبارها مؤشرا على الموت بســبب معين. ويظهر في الفيلم أن الســبب ليس طبيعيا وإنما تم غدرا أو قتلا، وتبــرر ذلك أحداث الفيلم التي امتد عبرها الصــراع من البداية حتى النهايــة. فالتفاحة تمثل اللذة والشــهوة الدافعة والجاذبة لتحقيقها بأي وسيلة، والجمجمة مصير محاولة هــذا التحقيق لها تحقيقا أنانيا يقصــي الغير. غيــر أن الجمجمة قد تحيل إلى اســتخدام العقل بدل الاتــكاء على حل الأمور اعتمــادا على الأهواء والرغبات حسب.

يبــدأ الفيلم بمنلوغ داخلي كالتالي:»أشــك في أن هذه القصة ســوف تصل إلى أي إنســان لأني أولا أكتبها على الزهور البيضاء لدفتر الشــيكات توطئــة لأن أضعها في جرة لكــي أرمي بها في البحر لتحملهــا الأمواج إلى حيث يشاء القدر... وقع الانفجار الرهيب، زلزل أركان السفينة التي كنا عليها، وفي لحظات كان جميع الركاب يقفزون إلى الماء وقبل أن تميل السفينة على جنبها متجهة إلى الأعماق الســحيقة قفزت واضعا يدي اليسرى على أنفي ومغمضا عيني أخذت أتحســس لحظة ارتطام قدمــي بالماء، وهنا تذكرت فجأة أني لا أعرف الســباحة. ارتطم جسمي بالماء وأخذت أثــب وأرقص وأنــا أتخبــط يمينــا ويسارا باحثا عن شيء يطفــو حتى أمســكت بشــيء ناعم جدا أنعمُ من شــيء لمســته في حياتــي، وأخذ يصرخ فِيَ: امســك الخشــب تريــد أن تغرقنــي، ومــا هــي إلا لحظات ابتعد فيهــا اللوح عن جسم السفينة الغارق وتمكنت من أن أســترد أنفاســي لأرى وجــه الممثلة الجميلة عزيزه فهمي( الشهيرة بزازا التي لا أكاد أقسم أني أعرفها».

خطــاب يجعلك تتوقــع أمــورا كثيرة أظهرهــا الموت الحتمي، لكن الفيلم ســيمدد الأحداث لتشــكيل واقع آخر سيظهر بعد الغرق ومحاولات النجاة منه.

شخصيات مفعمة بالصراع

الفيلم قليل الشــخصيات كثير الصراعــات يتحكم فيهــا تناقض وتقاطــع المصالح، يلخص ســبب الكثير من المشــاكل التــي يتخبط فيها النــاس ويقتل بعضهم بعضا. الشخصيات خمس، وكل شخصية تمثــل طبقة مــن طبقــات المجتمع بطابعهــا ومســتواها وأحلامها. فأحمــد يمثــل المثقــف )المهندس( الذي يعمــل وفق اســتراتيجيات تعتمد على العقل والحب والتفاهم، ويظهر ذلك في تصرفه وتقربه إلى زازا المرأة الوحيدة بين الرجال في الفيلم. لكنه يستعمل دهاءه أحيانا من أجــل الوصول إلــى مصالحه الشــخصية، إذ اعتمــد سياســة «فرِّق تسُــد» حين أوهم «كرشــة» بكونــه محبوبــا لــدى زازا وأنها رأت فيه أمــورا فريدة حببته إليها. أما «زازا» فتمثل المــرأة بإغراءاتها ونفوذها الإنثوي المستميل للذكور فيحتالون ويتصارعــون من أجل الحصول على التلذذ بها، وهي في العمق تمثل كل المصالح الشــخصية التــي من أجلها تحتــدم الصراعات وتنشــأ الحروب.

أما الحاج فيمثل الرجل الثــري الذي يحاول أن يقضي حاجاته ورغباته بالمال، فهو يتحدث بالشــيكات والمبالغ فقط، ورغم كونه الممثل للشــيخ المحافــظ، ويظهر ذلك في الدفاع عن «زازا» وإبعادها عــن الآخرين لكنه في الأخير يتزوج بها وتتمكن من إفراغ مسدسه من رصاصته تمهيدا لتصفيته مــن قبل أحمد ولكن هذا الأخيــر لم يفعل. هناك كرشــة الذي يمثل الخادم العبد المدافع عن سيده في الحق والباطل، فهو مســخر من قبله متخذا إياه وسيلة لقضاء مآربه، وقد انقلب عليه في الأخيــر محاولا نيل وطره من «زازا» مدعيا أنه إنسان مثل غيره له قلب وعواطف.

أما «توتو» الشاب الأسمر فيمثل الإنسان الوديع المبدع المحتك بالطبيعة المحب لها. ويبدو، رغم صمته الكثير عبر أحــداث الفيلم، ميالا إلــى «زازا»، ويتبــن ذلك من خلال الدفاع المستميت عنها .

شخصيات باختلاف أهدافها ونواياها وتربيتها أعطت للفيلم نكهة درامية وهي تتصارع في اتجاهات متعددة.

الترميز إلى الاقتتال

يلخص الفيلم ســبب هــذه الاقتتالات والتشــنجات السائدة في المجتمعات البشرية فلو فكر الكل في المصلحة العامة والأزمة العامة التي يشتركون في حبائلها واتفقوا على معالجتها لســاد التعاون والتحابب بينهم بعيدا عن الصراعــات التي لن تكون نهايتها ســوى القتل والإبادة. وقد تمثل ذلك بمؤشرات منها :

ـ اكتشــاف عظام وجمجمة في الجزيــرة من قِبل أحمد و«زازا» وحوارهمــا عنها لكن المســكوت عنه هو أن الذين كانوا في هذه الجزيرة من المحتمل أنهم تصارعوا وتقاتلوا من أجــل مصالح معينة، كان من الممكــن التعاون من أجل تحقيقها بدل الأحقــاد والأنانية التي تكون نتائجها ضياع البعض أو الكل، وهذا ما سينتهي إليه الفيلم.

ـ المــرأة الوحيدة وســط أربعــة رجــال، وكأنها تمثل المصلحة المتصــارع عليها، فالكل يريد نيلهــا وحده، وقد تساءل «كرشة» حول ما إذا كان من الممكن أن تتزوج المرأة بأربعة رجال مادام الرجل يحل له التعدد.

ـ التنافر المتنامــي والمتعدد المتجدد بين الشــخصيات والقوة لمالك الســاح، وقد أســفر ذلك عن عراكات دامية جرح إثرها كل من «توتو» و«الحاج» و«كرشة».

نهاية الفيلم:

في نهاية الفيلم مات «كرشــة» الخادم المطيع لســيده «الحــاج طلبه» والطامــع فيما طمع فيــه الجميع، وموته يحيل على تهميش وإبعاد المستضعفين البسطاء الخادمين لأسيادهم بدل مجازاتهم على ما يقدمونه من خدمات أولها الدفاع عنهم وافتداؤهم بأرواحهم، وهو العمل الذي قام به «كرشة» في معظم أحداث الفيلم.

وإتمام الجميع للمركب للســفر عبره مــن جديد يحيل على مطلب جليل يتمثل في أهمية الوحدة من أجل تحقيق المصلحة العامة بدل الصراع المفضــي إلى كوارث لا ينجو منها أحد.

وجاء حمْــلُ «زازا» من أحمد إشــارة إلــى أن الامتداد النســلي يجب أن يكون للحب والعلــم، لأن أحمد مهندس الســفينة الغارقة، ويظهــر في الفيلم أكثــر رزانة وتعقلا مقارنة بغيره، وجــل منولوغاته تحمل تســاؤلات حول الوضع المتأزم.

تعليق عام

الفيلم ممتع من حيث لقطاتــه المتنوعة المتكاملة تكاملا مقنعا، ومن شخصياته المتمكنة من أدوارها وهو من حيث قلة هذه الشخصيات ومحدودية المكان )كوخ على شاطئ( يجعلك وأنــت تتفرج عليه وكأنك تتفرج على مســرحية، فتتحكم في مجريات الأحداث بســهولة ويســر وهنا سر متعته في اعتقادي.

ولعل أهم أسس الجودة والتشــويق في الفيلم اتكاؤه على الصراع والتناقض المتفرع عن المرأة باستحضار القوة والسعي نحو امتلاك السلطة، وكل يعبر عن رغبته مدافعا عن أهليته لامتلاكها.

أمــا المحتــوى الدرامي للفيلــم فهو مضمــون مختصر ملخص من حيث فكرته المحورية لقضايا الصراع السائدة في كل المجتمعات، وبذلك أفلــح في وضع اليد على المخرج الصائب من هــذا الصراع متمثلا في توحيــد النظرة إزاء المصلحة العامة كي يستفيد الجميع متكاملين متعاونين.

بطاقة

الفيلــم من إخــراج محمد صــاح أبو ســيف )محمد أبوســيف( 1986، ومن تمثيل إبراهيم نصــر الله في دور «كرشة»، حسن يوســف في دور «أحمد»، وإيمان في دور «زازا»، وأنور إســماعيل في دور «طلبة حســنين «، وعبد الله ســعد في دور «توتو». تأليف محمد عفيفي، سيناريو وحوار كل من محمد يوسف ومحمد صلاح أبوسيف.

لقطة من الفيلم

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.