تونس: أزمة الصناديق الاجتماعية والخيارات الوطنية

Al-Quds Al-Arabi (UK) - - حريـات - تونس ـ «القدس العربي»: روعة قاسم

كانــت دولة الاســتقلال فــي تونس وإلــى وقت غير بعيد مضرب الأمثال في بلدان العالم الثالث في العناية بالجوانــب الاجتماعيــة للمواطــن مــن صحــة وتعليــم ورعايــة للمتقاعديــن والمســنين وضعاف الحــال. ولم تكــن العناية بهذه الشــرائح في أفضــل حالاتها، لكنها كانــت تحظى برضا الداخل والخــارج وذلك بالنظر إلى إمكانيــات الدولــة التــي لم تكــن تمتلك ثــروات طبيعية كبرى مثل جيرانها الذين منحهم التقســيم الاستعماري للمنطقة والعبث بالخرائط القديمة موارد طاقية تكاد لا تحصى.

أما اليوم، ومع السير التدريجي للدولة نحو الليبرالية المتوحشة بضغط من الخارج و “صناديقه المالية” وهي ضغــوط ازدادت بعــد “الثورة” بســبب حاجــة تونس للدعــم المالي نتيجــة لتوقف الإنتــاج وانتشــار الثقافة المطلبية، بــدأ التخلي عن الــدور الاجتماعي للدولة وهو ما تســبب إلى جانب أســباب أخرى، في بروز ما سمي “أزمــة الصناديــق الاجتماعيــة” وتحديــدا الصنــدوق الوطنــي للضمــان الاجتماعــي الــذي يهتــم بالقطــاع الخاص، وصندوق التقاعــد والحيطة الاجتماعية الذي يهتم بالقطــاع العمومي وصنــدوق التأمين على المرض الــذي يؤمــن التغطيــة الصحيــة للقطاعين. وهــي أزمة بــدأت في البروز منــذ عهد زين العابدين بــن علي لكنها اســتفحلت أكثر بعد “الثــورة” بعد أن باتــت مصاريف هــذه الصناديق تفوق بكثيــر مداخيلهــا بالإضافة إلى الفســاد وســوء التصرف الــذي نخرها مــن كل حدب وصوب. وضع أكثر من حرج

وفــي هذا الإطار اعتبر رئيس الحكومة التونســية في وقــت ســابق أن الوضع المالــي للصناديــق الاجتماعية أكثــر مــن حــرج، وشــدد على أنــه لا بــد مــن أن يتحمل الجميع مســؤولياتهم لتدارك ما أسماه “العجز الهيكلي للصناديــق”. وأكد يوســف الشــاهد، في كلمة ســابقة علــى أن تونــس، تضطر شــهريا إلى تغطية هــذا العجز بضخ 100 مليون دينار لهــذه الصناديق التي باتت عالة علــى الدولة، ودعا إلى ضرورة إيجاد حل جذري يضمن بقاء هذه الصناديق وخدماتها وعلى رأسها التأمين على المرض.

ويؤكــد أكثر من طــرف على أن هذه الأزمــة برزت في أواخــر التســعينيات حيث لــم تتخذ حينهــا الإجراءات اللازمــة لتفاديها ووأدها في المهد ومنــذ البداية وهو ما جعــل الأمر أكثر تعقيــدا اليوم من أي وقــت مضى. وقد اتخــذت الدولة جملــة من الإجــراءات لكنهــا تعتبر غير كافيــة وغير مجديــة باعتبار أن الأزمة لــم تحل رغم هذه الإجــراءات والنزيــف متواصــل، وبلغــت قيمــة العجز حوالي 3000 مليون دينار وهو رقم كارثي بكل ما للكلمة من معنــى أوصل إلى عجــز في التغطيــة الصحية وإلى التأخير في صرف جرايات المتقاعدين وغيرها.

وتجدر الإشــارة إلــى أن الصندوق الوطنــي للتقاعد والحيطة الاجتماعية ســجل عجزا بلغ 346 مليون دينار ســنة و441 2015 مليــون دينار ســنة و645 2016 مليون دينــار ســنة 2017. أمــا الصنــدوق الوطنــي للضمــان الاجتماعــي فقد بلغ عجزه 443 مليون دينار ســنة 2015 و470 مليون دينار ســنة 2016 وهــي أرقام تغني عن كل تعليــق وتبين حجــم الكارثة التي طالت هــذه الصناديق الاجتماعية.

وفــي هذا الإطــار يــرى محمد درغــام رجــل القانون والمتخصــص فــي القانــون الجنائــي الاقتصــادي في حديثه لـ”القدس العربي” أن هناك ملفات فســاد تتعلق بالصناديــق الاجتماعيــة لم يقــع فتحها بعــد ولو كتب لهــا أن تفتــح يوما ما ســنرى العجب. فالأمر، وحســب محدثنا، لا يتعلق فقط بســوء حوكمة أو ســوء تصرف أو بارتفــاع نفقــات مقابــل تراجــع المداخيل، بــل هناك اختلاسات طالت هذه الصناديق وهناك محاباة من هذا المسؤول وذاك لقريب أو صديق أو لأحد المعارف.

ويضيف قائلا: “على هيئة مكافحة الفساد أن تتحرك أيضا في ملــف الصناديق الاجتماعيــة لأنه ملف حارق وحســاس يتعلق بحيــاة المواطنــن وبعيشــهم الكريم. فهذه الصناديق كانت علــى الدوام إحدى أدوات الدولة في تنفيذ سياســتها الاجتماعية ولا يجب أن تترك هكذا تغرق دون محاسبة المسؤولين عن هذه الوضعية المزرية قضائيا ليكونوا عبرة في المســتقبل لمن تســول له نفسه المساس بمكاســب دولة الاســتقلال. لا يجب أن يقتصر الإصلاح على المسائل الإدارية والمالية بل يجب أن يشمل تتبع من أجرموا جزائيا”. أسباب متعددة

ومن بين الأســباب التــي أدت إلى هــذه الأزمة التي تعيشها الصناديق الاجتماعية، تراجع قدرة الاقتصاد التونســي على إحداث مواطن شــغل جديــدة وهو ما تســبب في تفشي البطالة في أوســاط الشباب الذين بإمكانهــم الإنتــاج وضــخ الســيولة الماليــة فــي هذه الصناديــق. فهــذه الفئــة العمرية لا تثقل عــادة كاهل الصناديق الاجتماعية في مســألة التأمين على المرض وجرايات تقاعدها مؤجلة إلى ســنوات مقبلة قد تجد فيها هذه الصناديق توازنها.

ومن بين أســباب الأزمة أيضا تهرب كثير من أرباب العمــل من التصريح بكافة عمالهــم والأجور الحقيقية التــي ينالونهــا حتــى لا يدفعــوا مــا هــو فــي ذمتهم للصناديــق الاجتماعية. ناهيك عن انتشــار الاقتصاد غيــر المنظم الــذي أصبح يســاهم بنســب مرتفعة في الناتج الداخلي الخام. ويشــغل قرابــة 40 في المئة من اليــد العاملــة لا ينخرطون في الصناديــق الاجتماعية ولا يدفعون مساهماتهم. ومن الأسباب أيضا انتشار ظاهــرة التقاعــد المبكر نتيجة لغلق بعض المؤسســات الاقتصادية أو برغبة من الموظف العمومي الذي يركن

عادة للراحة والاستجمام في بلد تندثر فيه ثقافة حب العمل رويــدا رويدا. فالمتقاعد باكــرا عن العمل ينقطع عن الإنتاج فــي وقت تجد فيه الصناديــق الاجتماعية نفســها مضطرة لصــرف تقاعده وتأمينــه صحيا من المرض، وهو ما يمثل إثقالا لكاهلها.

كما تمنح بعض هذه الصناديق قروضا للمنخرطين فيهــا يعجز كثير مــن المنتفعــن بها عن ســدادها في الآجــال أو عــن ســدادها تمامــا وهو ما مثــل في رأي البعــض معضلــة حقيقيــة وجــب التصدي لهــا. إذ لا يعقل أن تمنح هذه الأمــوال دون القيام ببحث حقيقي للجدوى من منحها خاصة وأن أغلبها تصرف وكأنها قــروض اســتهلاكية تنفــق علــى الســفر أو لاقتنــاء مستلزمات المنازل أو للأكل والاستهلاك اليومي.

ولعــل التحــولات الديموغرافيــة التــي عرفتهــا البــاد ســاهمت في الأزمــة التي تعيشــها الصناديق الاجتماعيــة، وأهم هــذه التحولات، هــو ازدياد أعداد كبار الســن مــن المتقاعديــن. وبالتالي فــإن أمام هذه الصناديــق منتفعــون بخدماتهم لســنوات أطول من الســنوات التي اعتــاد عليها التونســيون في الماضي ونفقات إضافيــة بدا وكأن الصناديــق الاجتماعية لا قبل لها بها.

إصلاحات هيكلية

ويرى البعض أنه لإنقاذ الصناديق الاجتماعية في تونس لا بد مــن القيام بإصلاحات هيكلية وجوهرية وعلى أسس علمية مع البحث على موارد أخرى لضخ الأموال في هذه الصناديق التي كانت وما زالت عماد السياســة الاجتماعية لدولــة الاســتقلال. فالزيادة في نســبة مســاهمات المنخرطين في هذه الصناديق وكذا التخفيــض في المدفوعات مع التأخير في ســن التقاعد، وهي إصلاحات دعت إليها بعض الأطراف، لا تفي بالغرض حسب أصحاب هذا الرأي لأنها توفر ســيولة مالية مؤقتة قد تخفف من وطأة الأزمة لكنها لا تحلها نهائيا.

ولعــل ما يؤكد وجاهة هذا الطرح هو ما حصل في الســنوات الأخيرة حيث شــهدت مداخيل الصناديق الاجتماعيــة فــي تونــس تراجعــا حــادا وذلــك رغم الترفيــع في نســب المســاهمات من قبــل المنخرطين سواء في القطاع الخاص بالنسبة للصندوق الوطني للضمــان الاجتماعــي، أو القطــاع العــام بالنســبة لصنــدوق التقاعد والحيطــة الاجتماعيــة أو كليهما فيما يتعلــق بصندوق التأمين على المــرض “الكنام”. وبالتالــي فالحلول الجوهريــة بعيدة المدى هي الحل بالنســبة للبعض بعد فشــل السياســات المتبعة في الســنوات الأخيــرة والتــي اعتبرت مجرد مســكنات للألم دون أن ترتقي إلى مرتبة العلاج الفعال.

وللإشــارة فــإن الحكومــة دعت فــي إطــار العقد الاجتماعــي إلــى تشــكيل اللجنــة الفرعيــة للحماية الاجتماعيــة بمعية الاتحاد العام التونســي للشــغل )منظمــة العمــال( واتحــاد الصناعــة والتجــارة والصناعــات التقليديــة )منظمة أصحــاب الأعمال( وقامت هذه اللجنة بدراسة الخيارات لإصلاح أنظمة التقاعــد واتفقت علــى ضبط العوامل التــي أدت الى اختلال التوازنات المالية لأنظمة التقاعد في القطاعين العمومــي والخاص. كمــا اتفق أعضــاء اللجنة على وضع مخطط لإصــاح أنظمة التقاعد فــي القطاعين العمومي والخاص يتضمن جملــة من المقترحات مع تحديد تكلفتها المالية.

أزمة خيارات

ويــرى الباحث التونســي فــي علم الاجتمــاع نبيل الأســود، في حديثــه لـ”القدس العربي” أنــه خلافا لما يعتقــد البعــض، فــإن الصناديــق الاجتماعية ليســت هــي التــي تعيــش أزمــة، بــل الدولة هــي التــي بدأت تتخلــى تدريجيا على دورهــا الاجتماعي وتتوجه نحو الرأسمالية المتوحشــة وتضيق ذرعا بالعناية بأبنائها فــي أغلب المجالات. فالصناديق الاجتماعية، وحســب الأســود، ليســت شــركات تجارية ربحية لنحاســبها على العجــز لأن غايتها اجتماعية بحتة، وهي النهوض بحياة المواطن التونســي وضمان العيش الكريم له من خلال تغطية نفقاته الصحية ومنحه أجورا معتبرة عند التقاعد وصــرف الأجور للأرامل والأيتــام عند الوفاة وغيرها من الخدمات.

ويضيف: لقد فشــلت تونــس اقتصاديا كدولة في الســنوات الأخيرة وأدى فشلها الذريع، والذي لم يكن متوقعا بالنظر إلى ما هو متوفر من ثروات تعتبر كافية لعدد محدود من الســكان على غرار الشعب التونسي، إلــى غيــاب الســيولة الماليــة الكافية لدعــم الصناديق الاجتماعيــة وذلــك خلافــا للماضــي. فالميزانيــة لــم تكــن تتضــرر في العقــود الأولــى للاســتقلال وحتى عقد تســعينيات القرن العشــرين، من دعــم الصناديق الاجتماعيــة لأن المداخيل كانت كبيــرة وكافية للجميع بما فــي ذلك اللصــوص. أما اليــوم ومع نــدرة الموارد بســبب انتشــار الثقافة المطلبية وعــدم العمل وازدياد أعداد اللصوص والفاســدين بشكل لافت، فإن الدولة أصبحت غير قادرة على تأمــن العيش الكريم لأبنائها وتضيق مــن تمويــل الصناديق الاجتماعيــة وتتعامل معها وكأنها شــركات تجارية عليهــا أن تضمن الربح لنفسها بنفسها”.

فالأزمة حســب محدثنا هي أزمة الدولة التونســية، التي عليها مراجعة خياراتها الاقتصادية والاجتماعية والانتصــار لمصالــح شــعبها، لا لمــا تطلبــه الصناديق الماليــة الدولية مــن خوصصة للمؤسســات العمومية والتخلــي التدريجي عن الدور الاجتماعــي الذي لعبته الدولة. فهــذا الدور، وحســب الباحث التونســي، هو الذي شــيد الإنســان التونســي في دولة الاســتقلال، والتخلــي عنه ســيعجل بنهايــة الدولة التــي تمكن في عقودها الأولى ضعاف الحــال والفقراء من الرقي في الســلم الاجتماعي من خلال التعليــم العمومي الراقي والصحة المجانية وغيرها.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UK

© PressReader. All rights reserved.