لتر البنزين ما بين الدقى والمرج 2( من )3

Alborsa Newspaper - - رأى - بقلم: محمد شيرين الهوارى

حتدثت فى املقال السابق عن آلية تسعير الوقود فى زمن ما بعد التحرير الكامل لسعره، ورفع الدعم من عليه نهائياً عبر نظام «اإلدارة احلكومية».

وليست هذه بالطبع الطريقة الوحيدة املمكنة، بل توجد أربعة مسارات أخرى، سأعرض اثنني منها فى هذا اجلزء الثانى من املقال ثم االثنني األخيرين فى اجلزء الثالث.

والطريقة الثانية هى الربط املباشر بسعر البترول العاملى مع تثبيت سعر العملة الوطنية (ملدة سنة مالية واحدة ولهذا الغرض فقط وبعيداً عن سوق الصرف) أمام الدوالر األمريكى الذى يتحدد من خالله سعر النفط اخلام حتى فى الدول األوروبية وحتديد هامش ألسفل وألعلى ميكن حتريك سعر املُنتج فى إطاره؛ ألنه ليس من املنطقى بالطبع تغيير سعر لتر البنزين مبحطات الوقود ملجرد صعود أو هبوط اخلام ثالثة أو أربعة سنتات أو حتى دوالراً كامًال فى األسواق العاملية ملا كان البترول ُمدخًال من مدخالت البنزين وليس املُدخل الوحيد حتى ولو كان الرئيسى. واحلسبة هنا بسيطة: إذا اعتبرنا مثًال أن النفط اخلـام ميثل %70 من إجمالى تكلفة الـوقـود، وصعد سعر البرميل مبقدار 2 دوالر فسيتم قسمة الــدوالريــن على 159 (البرميل الواحد = 159 لتراً) أى ما يعادل حوالى 3.1 سنت للتر الواحد أو 57 قرشاً مصرياً تقريباً مبا سوف يؤثر على سعر اللتر مبا يصل إلى 40 قرشاً على افتراض ثبات باقى عناصر التكلفة، وهو افتراض منطقى؛ حيث ال ترتفع مثًال أجـور العمالة وال مصاريف التكرير وما شابه مع ارتفاع سعر اخلام.

ولو قلنا إن ما صرحت به احلكومة املصرية، مؤخراً، بأن وقود 92 ال يزال مدعوماً مببلغ 1.25 جنيه، ما يعنى أن سعره احلقيقى 8 جنيهات ستمثل كل خمسة دوالرات زيادة أو نقصاناً فى سعر اخلـام حتريكاً فى نطاق %5 وهى حدود مقبولة للغاية، ولن متنع التخطيط طويل اﻵجل للهيئات االقتصادية كافة، مع العلم أن تغيير سعر النفط اخلام مبا يزيد على 5 دوالرات ممكن بالطبع، ولكنه وقتها يكون على مدى زمنى طويل وليس بني عشية وضحاها وتشير جميع الدالئل، حالياً، إلى أن هبوطه ألقل من 65 دوالراً أو صعوده مبا يزيد على 80 دوالراً يصُعب تصوره على املدى املنظور.

وهذا النهج يتميز مبرونته الشديدة، ولكنه فى الوقت نفسه، غالباً ما سيؤدى إلى تقلبات بدرجة ما ومعه تكون آليات املراقبة على مدى التزام شركات البترول شبه معدومة بالنظر إلى اختالف أسعار النفط اخلام حسب األنـواع، وصعوبة معرفة أى نوعية أو أى مزيج استخدمته هذه الشركة أو تلك.

وبالتطرق إلى الطريقة الثالثة جند أنه من املمكن أن تتفق شركات اإلنتاج والتوزيع على سعر ثابت، وفقاً ملعطيات اللحظة بصرف النظر عن تغيير أسعار املُـدخـالت ملـدة محددة ستكون سنة واحــدة فى األغلب، على أن يتم تعويض النقصان أو الزيادة فى العام املقبل، مبعنى أنه لو كان السعر الفعلى وقـت االتـفـاق 7.5 جنيه، واتضح فيما بعد أن متوسط السعر لهذا العام وصل إلى 8.25 جنيه، وكـان السعر 7.75 جنيه بعد انقضاء العام، أى وقت االتفاق اجلديد، يرتفع سعر لتر الوقود فى العام التالى إلى 8.50 جنيه والنصف. وتزيد هذه الطريقة بشكل ملحوظ من استقرار األســواق وتُضفى الشفافية على التعامالت بشكل عام، وإن كان يعيبها أمران؛ أولهما أنها قد تتسبب فى هزات عنيفة كل عام، إن جاءت األسعار بالزيادة، وثانيهما أنـه ال يوجد ضامن حقيقى ألن تقوم الشركات اإلنتاج والتوزيع فعلياً بخفض األسعار فى حالة هبوط النفط اخلـام عاملياً، فما بالنا مبنتجى السلع وُمقدمى اخلدمات. ومن الصعب للغاية فى هذا الصدد صياغة تشريع يلزمهم بذلك فى إطـار سوق حرة من املفترض أنها ستجذب املزيد من االستثمارات للقطاع على اعتبار أنها تتيح مساحات أكبر من احلركة لالعبني األساسيني وتعزز من قدرتهم على املناورة، وهو ما قد ينتُج عنه رفض الشركات مثل تلك اﻵلية من األساس أسوة مبا ستفعله غالباً بفكرة اإلدارة احلكومية املذكورة فى املقال السابق.

وإلى اﻵن يقودنا ما ذكرنا إلى أن الطريقة الثانية والتى تعتمد على الربط املباشر باألسعار العاملية للخام قد تكون هى الطريقة الوحيدة الصاحلة للتطبيق من بني اﻵليات الثالث األولى التى طرحناها حتى هذه اللحظة؛ ألن املوضوع فى النهاية – سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا – متوقف على مدى قبول الشركات العاملية الكبرى للطرح املعمول، وفى مقدمتها عمالقة استخراج البترول مثل »BP« البريطانية أو »Caltex« األمريكية أو »Shell« الهولندية وهكذا من الذين صحيح لم يعد لديهم محطات متوين وقود فى مصر، ولكنهم ال يزالون متحكمني فى منظومة التوزيع بدرجة كبيرة؛ ألنهم هم من ينقبون ويستخرجون، وهى إشكالية أخرى كبيرة، ولكن ال يتسع املجال هنا للحديث عنها بجدية ورمبا سأتطرق لها فى مقال الحق.

من املمكن أن تتفق شركات اإلنتاج والتوزيع عىل سعر ثابت بصرف النظر عن أسعار املدخالت ال يوجد ضامن حقيقى ألن تقوم شركات اإلنتاج والتوزيع بخفض األسعار فى حالة هبوط النفط الخام

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.