الوجه اآلخر للتحليل االقتصادى .. لماذا كل تلك االختالفات؟

Alborsa Newspaper - - رأى - بقلم: أحمد عزالدين محلل مالى واقتصادى

الشك أن اختالف آراء االقتصادين ينعكس بالسلب على املهتمني فى تشكيل آرائهم بل وبالطبع حالتهم النفسية جتاه املستقبل، فاالقتصاد طبقاً للبعض مثلما كتب العالم جالل أمني -رحمة اهلل عليه- فى كتابه «فلسفة علم االقتصاد» ليس بعلم، حيث أن من أسس العلم تكرار بعض املعطيات للحصول على نفس النتيجة، ولذلك أرى أن االقتصاد هو فن مبنى على أسس علمية.

تقوم نظريات علم االقتصاد على فكرة األسواق باختالف املدارس االقتصادية، سـواء األســواق احلـرة (أســواق تعتمد كلياً على العرض والطلب) أو أسـواق يجب أن تدخل بها احلكومة لضبطها، فاألسواق ببساطة، محكومة مبجموعة من القواعد والقوانني ليكون السؤال دائماً عما إذا كانت هذه القواعد والقوانني التى حتكم تلك األسواق تصب فى مصلحة أهداف الدولة أم ال... احلقيقة التى أقر بها الكثير من العلماء أنه ال وجود واقعى لفكرة األسواق احلرة.

ولعل ما نـراه من الـدول العظمى التى تبنت فكرة األســواق احلرة فى األصـل (مثل أمريكا ودول االحتــاد األوروبـــى) من خالل املواقف والـقـوانـني األخـيـرة التى تخص التجارة الدولية هو أكبر دليل على عـدم وجــود حقيقى لفكرة األسواق احلرة. واجلدير بالذكر، أنه مبا أن السياسة - كما نرى - هى املؤثر األهم واألساسى على تلك القوانني التى حتكم األسواق ومن ثم تؤثر على االقتصاد، فإن االقتصاديني يختلفون فى آرائهم التحليلية ألنها فى األصل معتمدة عـلـى الـسـيـاسـة ولـيـس التصور العلمى فقط لألسواق.

يخطئ املحللون االقتصاديون فى التحليل السباب كثيرة مثل عـــدم تــوافــر املـعـلـومـات جلميع األطــــراف ســواســيــة، وأن حتى -جـــدالً- افترضنا توافر جميع املعلومات، فهناك كمية كبيرة من العوامل املترابطة واملؤثرة غير املتوقعة التى قد حتدث إما نتيجة عدم إدراك أولوية وأهمية كل عامل منها على حدة أو عدم معرفتهم أصًال، فالتحليل االقتصادى يخضع ملجموعة ال نهائية من العوامل املترابطة بعالقات معقدة.

فمثًال، لنفترض جدالً أنك أصبحت رئيساً للوزراء فى دولة من ضمن دول االقتصاد الناشئ مثل مصر متر مبشاكل اقتصادية، وفى يومك األول من الرئاسة أعلموك أنه يوجد إيرادات متوقعة للدولة فقط مليون جنيه.

وفى الناحية األخرى، أنت تعلم أن هناك قطاع الصحة الذى يجب تطويره وقطاع التعليم الذى أيضاً يحتاج إلى تطوير، وكل قطاع من هذين القطاعني يحتاج مليون جنيه على حدة.

السؤال هـو: إلـى أى قطاع ستوجه إيــراداتــك؟ هل ستوجهها إلى الصحة، حيث يحتاج اجليل احلالى إليها بالتأكيد؟ أم ستوجها إلى التعليم حيث املستقبل؟ أم ستفكر خارج الصندوق وتتجاهل البندين السابقني وتعمل على استعادة الصناعات الصغيرة لتدر على الدولة فى املستقبل بإيرادات قد تكفى التزماتك؟ أم ستعمل على إقامة مشاريع عمالقة لألجيال القادمة توفر لهم عائد رمبا يكون جيد، ولكن فى املستقبل أيضاً؟

أيضاً اختلف أصحاب النظريات فى شأن عجز املوازنة (مصاريف الدولة أكثر من إيراداتها) حول سدادها من خالل رفع الضرائب أم القروض، فمنهم من يرى أن العجز يجب أن يسد من خالل القروض وعدم التعرض إلى الضرائب، حيث إن الضرائب تؤثر بطريقة مباشرة على تدهور القدرة الشرائية ومتوسط الدخل لدى املواطنني.

ومن الناحية األخرى يرى البعض أن رفع الضرائب لسد عجز املوازنة هو احلل، حيث انه ال يجب على اجليل احلالي توريث عجز املوازنة إلى األجيال القادمة بدالً من تدعيمهم.

بالطبع هذا املثل مبسط لدرجة السذاجة مقارنة بالواقع، ولكن الشاهد هو أنه أياً كان القرار فستجد من يخالفك وهو على صواب بالطبع، بل تشتد األمـور أزمـة حني ال تكون جميع العوامل موضحة من قبل الدولة خلضوعها لعنصر السياسة سواء داخلية أو خارجية، كما ذكرت من قبل. ولذلك عملية التحليل االقتصادى فى وجهة نظرى تتطلب 3 عوامل رئيسية وهـى: معرفة وتطبيق علمى، والقدرة على احلصول على املعلومات، والقدرة على ربط املعلومات والعوامل املؤثرة وهذا هو لب االختالف.

االقتصاديون يختلفون فى آرائهم التحليلية ألنها فى األصل معتمدة عىل السياسة وليس التصور العلمى فقط لألسواق

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.