الحرب التجارية تهدد قطاع التكنولوجيا اﻷمريكى

Alborsa Newspaper - - اتجاهات خارجية -

رأس املال البشرى هو موردنا األكثر قيمة - مورٌد ال ينفد إذا امتلكنا الـقـدرة على االرتـقـاء به نحو إمكاناته الكاملة.

لقد أدت عوملة التجارة منذ أواخــر ثمانينيات الــقــرن الـعـشـريـن إلـــى عـوملـة ســـوق الـعـمـل لتلبية االحتياجات الهائلة لالقتصادات الناشئة؛ وهو ما نطلق عليه اليوم اسم «الصراع على الكفاءات».

وفى الوقت نفسه، نشأت السوق العاملية للتعليم الـعـالـى مـدفـوعـًة باملعايير اجلــديــدة واملشتركة للشهادات، والتى تتطلب من املـدارس واجلامعات بـذل مزيد مـن اجلـهـد، أكثر مـن أى وقـت مضى، الستقطاب خيرة ونخبة الطالب.

املنافسة أشّد حّدة من أى وقت مضى

ازدادت حّدة املنافسة على خلفية الثورة الرقمية وانطالق الثورة الصناعية الرابعة، وتـدرك الدول والشركات حول العالم حاجتها الستقطاب املواهب ذوى املستويات العالية من القدرات الكامنة، خاصة فى مجاالت الذكاء االصطناعى والبيانات الضخمة واالتصاالت واألمن اإللكترونى وغيرها، وتدريبهم وإعدادهم ليصبحوا رواداً وقادة فى مجال االبتكار.

«ينبغى عـلـى الــــدول والــشــركــات حـــول العالم استقطاب الكفاءات ذوى املستويات العالية من القدرات الكامنة، وتدريبهم ليصبحوا مواهب الغد».

ولــطــاملــا ركـــــزت الـــــدول الــنــاشــئــة عــلــى بـنـاء اقتصاداتها، لكنها بدأت اآلن فى التوّجه نحو التعليم باعتباره أولوية مهمة، وحققت نتائج مذهلة فى كثير من األحيان، فاجتهت الصني، على سبيل املثال، نحو بناء واحد من أكثر النظم اجلامعية جناحاً فى العالم (حوالى 7.5 مليون خّريج فى عام ،2017 وهو ضعف أعداد اخلّريجني فى عام .)2007

وقــــد أدى هــــذا الــتــركــيــز عــلــى اجلــامــعــات واالستثمارات الهائلة فى مجال األبحاث والتطوير إلى أن تصبح الدولة من أكثر االقتصادات ابتكاراً فـى العالم، حيث عـــّززت تصنيفها بـواقـع خمسة مراكز وفق مؤشر االبتكار العاملى لعام ،2018 وحتتل الصني اليوم مرتبة متقدمة قياساً بدول مثل كندا والنرويج، على سبيل املثال ال احلصر.

وتُظِهر حكومات الهند والبرازيل وروسيا نوايا مماثلة، وكذلك األمر بالنسبة جلميع الدول التى تود تسريع عجلة منوها على مدى العقود املقبلة.

تعزيز قطاع التعليم يؤدى إلى انتعاش

مستويات االزدهار

يرتبط التركيز على تطوير التعليم طردياً مع االبتكا، وبالتالى يؤدى لتحقيق مزيد من االزدهار، وكــان جــارى بيكر، احلـائـز على جـائـزة نوبل عام

،1992 أول خبير اقتصادى يشير إلى وجود صلة بني االستثمار فى التعليم ومنو الدخل على املستوى الفردى والوطنى على حد سـواء، ويوضح مفهومه املتميز «رأس املال البشرى» املوّجه للشركات، أسباب النجاح الذى حتققه الشركات التى تعزز استثماراتها فى مجال التدريب.

وتـــزداد أهمية حتليل جـــارى بيكر مـع التقدم املستمر فى مسيرة التحول الرقمى، وعلى غرار الشركات واملجتمعات احلديثة، ينبغى أن يتقن األفـــراد فـى العصر احلـالـى العديد مـن املـهـارات املتنوعة ودائمة التطور.

دور الشركات فى تعزيز قطاع التعليم

بصفتى رئيس تنفيذى لشركة «تاليس»، وانطالقاً من كونى مواطناً ووالداً بالدرجة األولى، أعتقد أكثر من أى وقت مضى أن استثماراتنا فى رأس املال البشرى بحاجة ملزيد من التطور والكثافة خلدمة مصلحة اجلميع.

كيف ميكن حتقيق ذلك؟ سأحتدث انطالقاً من خبرتى فى مجال الشركات واألعمال التجارية.

ميكن للشركة أن تتحلى باإلبداع، ومتتلك قدرة احلفاظ على هذه السمة املتميزة، بشرط أن تلعب

دورها فى مجال التعليم بجّدية، وهناك عدة أساليب مختلفة للقيام بذلك.

نحن نعلم نقاط قوة النموذج األملانى، مع مبادرات التدريب املهنى للمراهقني اعـتـبـاراً مـن سـن 14 عاماً، فقبل بضع سنوات، بدأ الرئيس التنفيذى لواحدة من أكبر شركات تصنيع السيارات األملانية مسيرته املهنية كمتدرب، األمـر الـذى يؤكد حاجة الشركات إلى تدريب وتعزيز الكفاءات دون أى حدود لطموحاتهم بخالف التزامهم ورغبتهم فى التعلم.

«ال ميكن للشركة أن تتحلى باإلبداع إال إذا لعبت دورهـــا فـى مجال التعليم بـجـّديـة»، لتحقيق هذا الهدف السامى، تفّضل «تاليس» التعاون مع النظم األكادميية حول العالم، حيث نقدم لها الدعم بهدف حتقيق التطور االقـتـصـادى بالطبع، ولكن أيضاً ألسباب تتعلق برسالتنا األكثر طموحاً، والتى تتجلى فى تصميم وتطوير وتنفيذ التقنيات الكفيلة بتحقيق حتـّسـن ملموس للحياة اليومية للجميع؛ بعبارة أخرى، توجيه التكنولوجيا ملا فيه مصلحة البشرية وفائدتها.

وتتجسد هذه املنهجية فى أنشطتنا بكندا، حيث تعتبر مونتريال مركزاً رائعاً للمعرفة واملعلومات مع جامعاتها ذات املستويات املرموقة، واملدفوعة برؤية سخية، وجتلى ذلـك مـن خـالل «إعـــالن مونتريال بشأن التطوير املسئول للذكاء االصطناعى».

ولهذا السبب، اخترنا إقامة مركز األبحاث العاملى

CortAIx املتخصص فـى الــذكــاء االصطناعى، مع إضافة ملحق جديد ملصنعنا الرقمى، ويتعاون باحثو CortAIx مع باحثني من معهد مونتريال خلوارزميات التعلّم ،)MILA( ومعهد تقييم البيانات

)IVADO( ومعهد ’فيكتور‘ فى تورنتو، لتطوير تقنيات املستقبل مبا يتماشى مع املبادئ األخالقية.

وباملثل، يُستند التزام الشركة مبشروع تطوير اخلــدمــات السحابية فــى مـركـز كيبك-أونتاريو لألبحاث واالبتكار ،)ENCQOR( إلـى شراكات مبرمة مع مؤسسات أكادميية وبحثية. ومن شأن هذا املشروع تعزيز االبتكار ومتكني النشر الناجح لتقنيات االتصال من اجليل اخلامس5G فى جميع أنحاء كندا.

وتعتبر هــذه املنهجية الـنـمـوذج الـــذى يحتذى بـه عـشـرات الـشـراكـات األكـادميـيـة التى أقمناها حـول العالم، أبرزها مع املركز الوطنى الفرنسى للبحث العلمى )CNRS( وكليات الهندسة الكبرى فى فرنسا؛ ومـع «معهد ماساتشوستس للتقنية» فى الـواليـات املتحدة األمريكية؛ ومـع العديد من اجلامعات الصينية فـى بكني وهــوجن كــوجن؛ وفى الهند، مع معهد التقنية فى بومباى ودلهي، فضًال عن العديد من الدول األخرى. العلم ميتلك القوة لدفع الناس

نحو طرح التساؤالت

تتمثل الطريقة الثالثة فى التزام شركات التقنية مبـسـاعـدة األطــفــال واملـراهـقـني على استكشاف ملكات الذكاء والـروعـة الالمتناهية ملجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والذى نطلق عليه اليوم اسم .STEM

لقد أُعِجبت كثيراً باملبادرة التى أطلقها جورج شارباك، احلائز على جائزة نوبل فى الفيزياء عام ،1992 والتى متثلت مبشروع لتطوير آليات تدريس العلوم والتكنولوجيا فى املدارس االبتدائية والثانوية الفرنسية حتت عنوان ‪)La Main à la Pâte(‬ وذلك قبل 20 عاماً.

حيث كانت الفكرة األولية غاية فى الروعة: تعليم األطفال كيفية املراقبة وإجـراء االختبارات بحيث ميكنهم تطوير فهمهم اخلـاص للعالم من حولهم، واالرتقاء بقدرتهم على العمل اجلماعى ليصبحوا فى نهاية املطاف بالغني أكثر ذكاء وثقة وإبداعاً.

وقـد كنت مـسـروراً جـداً باجلائزة التى قدمتها مؤسسة «تاليس» ملبادرة مت إطالقها من قبل هذه الهيكلية ملساعدة طالب من 12 صفاً من مدارس ابتدائية فى شاتيناى ماالبرى لبناء وبرمجة روبوتات صغيرة.

«اصنعوا باحثى ومهندسى املستقبل عبر حتفيز فضول أطفال وطالب اليوم».

لقد دفع هذا الكرم االجتماعى والتعليمى نفسه عشرات الفنيني واملهندسني من «تاليس» للمشاركة فى مشاريع حول العالم، جتلى أبرزها فى كرولى بإجنلترا مـع مـدرسـة «سـانـت ويلفريد» فـى إطـار مسابقة «أردويــنــو»، وفـى آرن شتات وديتزينجني بأملانيا، لتعريف األطفال باملهن العلمية والتقنية؛ وفى أرلينغتون بالواليات املتحدة األمريكية، ملساعدة طــالب املرحلتني املتوسطة والـثـانـويـة على بناء صواريخ صغيرة للمشاركة فى مسابقة «تيم أمريكا روكترى تشالنج»، ويدرك موظفونا القوة الكامنة فى تعليم العلوم، وهو ما يدفع املهندسني والفنيني إلى تخصيص وقتهم لتنظيم ورش عمل ومسابقات من شأنها إثـارة فضول الطالب الصغار فى املـدارس االبتدائية واإلعــداديــة، الذين ميكن أن يصبحوا باحثى ومهندسى املستقبل.

نحو عصر جديد من التنوير

فى مقالته الشهيرة «ما هو التنوير» التى كتبها عام ،1784 دعا الفيلسوف إميانويل كانت معاصريه «للتحلّى بالشجاعة واستخدام فهمهم وعقولهم» لتحديد مصائرهم.

وفــى الـفـتـرة ذاتــهــا، اقــتــرح عـالـم الرياضيات جــان داملبير والفيلسوف دينى ديـــدرو مـن خالل موسوعتهما عرضاً مذهًال للعلوم وتقنيات زمنهما، مع نفس املستوى من الطموح السخّي لتعليم البشرية وحتريرها من اجلهل.

سيتطلب التحول الرقمى الذى نشهده فى عصرنا احلالى، من األجيال املقبلة امتالك مهارات علمية وتكنولوجية أكثر شمولية من أى وقت مضى؛ ونظراً ملا متتلكه شركات التقنية من كفاءات ومواهب مدّربة ومتميزة بفضولها للمعرفة واالبتكار، ينبغى عليها تعزيز دورهــا فى إنشاء عصر جديد للتنوير من خالل التعليم واألبحاث اجلماعية، ومبا يصب فى مصلحة اجلميع.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.