مصر الحضارة.. السجن فى القرآن الكريم

El Watan - - 9 -

فى القرآن الكريم، يلاحظ أن لفظ «السجن» كاسم دال على مكان الحرمان من الحرية قد ورد سبع مرات، ست منها فى سورة يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إِلَىّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾ )الآية 33)؛ ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أحَدُهُمَا إِنِّى أرَانِى أعَْصِرُ خَمْراً﴾ )الآية 36)؛ ﴿يَا صَاحِبَى السِّجْنِ أأَرَْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمَِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ )الآية 39)؛ ﴿يَا صَاحِبَى السِّجْنِ أمَّا أحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْراً﴾ )الآية 41)؛ ﴿فَأنَْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ )الآية 42)؛ ﴿وَقَدْ أحَْسَنَ بِى إِذْ أخَْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ )الآية 100). أما السابعة، فقد وردت فى سورة المطففين، وهى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ وَمَا أدَْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ )الآيتان السابعة والثامنة). فالسجين هو السجن الضيق أو هو واد فى جهنم. كما ورد لفظ «السجن» فى صيغة الفعل فى ثلاث آيات، كلها فى سورة يوسف أيضاً، وهى: ﴿إِلَّا أنَْ يُسْجَنَ أوَْ عَذَابٌ ألَِيمٌ﴾ )الآية 25)؛ ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ )الآية 32)؛ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأوَُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ )الآية 35). وورد لفظ «السجن» أيضاً فى صيغة اسم المفعول، فى سورة الشعراء، حيث يحكى القرآن الكريم وعيد فرعون لنبى الله موسى عليه السلام، قائلاً: ﴿قَالَ لَئِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِى لأجَْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ )الآية 29.(

وكعادة جماعات الإسلام السياسى فى استغلال الدين لتحقيق مآربهم وأغراضهم السياسية، دون تورع عن النيل من الأوطان، ودونما خشية أو رهبة من الكذب والافتراء على الرحمن، ولىّ عنق الحقيقة الواضحة فى آى القرآن. فقد اعتب بعضهم أن من الطرائف حول السجن أنه لم يذكر فى القرآن إلا فى مصر، فى قصة موسى وسورة يوسف، مستخلصين من ذلك اقتران السجن فى القرآن الكريم بمصر فقط، متسائلين عما إذا كان ذلك مصادفة أم أن الأمر ذو دلالة. فالمسجونان نبيان أحدهما موسى فى سجن الفرعون، والآخر يوسف فى زمان الملوك الرعاة القادمين من آسيا المعروفين بالهكسوس، أما المكان فهو فى مصر. ومن ثم، يتساءلون عن السر أن يأتى ذكر السجن فى القرآن مرتبطاً بمصر، دون غيرها من باقى البلدان، وما إذا كان ذلك يدل على بشاعة السجون منذ هذه الأيام، وذلك على حد زعمهم وافترائهم. ويستطرد هؤلاء فى محاولاتهم الرخيصة لاستغلال الدين لأغراض سياسية، وتفسير الآيات على هواهم وبما يحقق مصالحهم وأغراضهم الخبيثة، متسائلين عما إذا كان القرآن يدلل آنذاك على ما سوف يحدث فى السجون أيضاً فى الوقت الحالى. بل إن الوقاحة والغى قد بلغا بأحدهم حداً غير مسبوق، مستذكراً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: «قاضى فى الجنة وقاضيان فى النار»، ومؤكداً اعتقاده أنه لو كان النبى موجوداً بين ظهرانينا الآن فى الجزيرة العربية لأرسل إلينا قائلاً: «قاضى فى الجنة وقاضيان من مصر». ثم بعد كل ذلك يدعى الباءة، قائلاً: «لا أتقول على الرسول، صلى الله عليه وسلم، بل تفسير حديثه ذاته ينطبق على ما يحدث الآن فى مصر .»

والواقع أن اقتران السجن فى القرآن الكريم بمصر فقط دون غيرها من البلدان لهو دليل رقى وسمو وعظمة الحضارة المصرية عب التاريخ. ففى الوقت الذى عرفت فيه مصر الفرعونية عقوبة السجن، فإن العالم أجمع لم يكن يعرف سوى العقوبات البدنية، مثل الإعدام والجلد وتقطيع الأطراف والتعذيب البدنى بصوره المختلفة. وقد استمر الأمر فى العالم كله على هذا النحو حتى عصر الثورة الفرنسية، حيث مثلت العقوبات السالبة للحرية فى القرن التاسع عشر تقدماً إنسانياً بالنسبة إلى العقوبات البدنية، واحتلت مكان الصدارة بين العقوبات بسبب ما كان يراه فيها دعاة الإصلاح من إمكانية وقوعها فى أشكال مختلفة، سواء من حيث مددها، أو من حيث نماذج تطبيقها. وهكذا، فقد سبقت مصر الفرعونية العالم كله فى إقرار العقوبات السالبة للحرية، كعقوبة إنسانية مقارنة بالعقوبات الجسمانية التى كانت مطبقة على نحو واسع فى العالم كله. هذا عن الماضى. أما عن مصر الحاضر، فإن الإرهابيين الذين عاثوا فى الأرض فساداً وقتلاً وتدميراً، تتم محاكمتهم أمام القضاء العادل، ويتم منحهم كافة حقوق المحاكمة العادلة، ولو استمرت وقائع المحاكمة بضع سنوات. وتبقى مصر بلد الأمن والأمان، رغم أنف الإرهابيين ودعاة الفتنة أعداء الدين والوطن والإنسانية.

أحمد عبدالظاهر

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.