«توطين الصناعات».. هل تنجح الحكومة فى تحويل المحافظات إلى قلاع إنتاجية متخصصة؟!

١٣ نوفمبر.. سوهاج أولى محافظات الصعيد التى تبحث عن «صناعة متخصصة» مع الهيئة العامة للاستثمار «التصديرى للكيماويات»: بدأنا توطين صناعة البلاستيك فى «مرغم» و«البتروكيماويات» فى «سيتى كريتف» رئيس «دمياط للأثاث»: ارتكاز 5٠% من الصناعة فى «دمياط» رفع القدرة ال

El Watan - - قلب الوطن -

أعد الملف- تمّام نور الدين وبسنت ماهر وهديل عماد وإسراء مجدى:

تؤكد التجارب العالمية أن فكرة توطين الصناعة فى مواقع جغرافية معينة تُعد من أنجح الوسائل التى يمكن من خلالها تحقيق طفرات فى إنتاج سلع بعينها وبالتالى امتلاك ميزة نسبية تمكّنها من المنافسة محلياً وعالمياً، الأمر الذى يؤثر بالإيجاب على مؤشرات الإنتاج والتصدير لهذه الدول.

ولكن إذا ما دققنا الدراسة سنجد أن التوطين فى هذه الدول يتمحور حول عدد محدود من الصناعات التى يتوافر كل عوامل نجاحها فى المنطقة التى تتوطن فيها؛ من خامات وصناعات تكميلية وشبكة طرق والعنصر البشرى المدرب وسهولة تصريف الإنتاج، بما يخفض بشكل كبير من تكاليف الاستثمار والإنتاج لهذه الصناعات ويدعمها فى وضع أسعار تنافسية لمنتجاتها، وتحقيق مؤشرات مالية جيدة للمستثمرين.

وصرح رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى، فى حوار سابق مع «الوطن»، بأن الحكومة تسعى لدراسة المناخ الاستثمارى بداخل كل محافظة على حدة، تمهيداً لتحديد المزايا التى تمتلكها كل محافظة، ومحاولة توطين صناعات تتفق مع هذه المزايا، بما يشجع المستثمرين على تركيز استثماراتهم فى مناطق جغرافية معينة، ويسهم فى تعظيم العوائد الاقتصادية.

وتبدأ الدولة فى تطبيق القياس الجغرافى للنمو مطلع 2019، بما يعنى أن الحكومة ستحدد مساهمة كل محافظة فى الناتج المحلى الإجمالى، ومدى تطور الحركة الاقتصادية فيها، وقد تكون هذه الآلية بداية جيدة لتحديد المحافظات التى تحتاج لمزيد من الجهود فى تعظيم مؤشرات الاستثمار والإنتاج فيها، تمهيداً لتخفيض أو القضاء على الفجوات بين المحافظات.

وتمتلك مصر تجربة جيدة فى توطين صناعة الأثاث فى دمياط، ومن قبلها توطين صناعة الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وقد نتج عن هاتين التجربتين القدرة على صناعة منتج نهائى أو وسيط يتسم بتنافسية عالية، نتيجة توافر الكفاءات المدربة بشكل جيد، وتكامل الصناعات المتشابكة فيما بينها.

وهنا السؤال الذى يطرح نفسه: هل الحكومة قادرة على تطبيق هذه التجربة؟، وهل الفكرة مناسبة للتطبيق فى مصر فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية للدولة ككل، والظروف الخاصة بكل محافظة؟.. تلك التساؤلات هى موضوع تحقيق أجراه «الوطن الاقتصادى» بالاستعانة بعدد كبير من المستثمرين ورؤساء جمعيات رجال الأعمال فى مختلف أنحاء الجمهورية.

وفى هذا الصدد يرى محمد أبوالعينين، رئيس مجلس الأعمال المصرى الأوروبى ورئيس الشعبة العامة للمستثمرين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن تكامل الصناعات وتخصصها فى مكان واحد، يؤدى إلى تخفيض تكاليف الاستثمار والإنتاج، بالإضافة إلى تنمية التخصص والإبداع وتخفيض تكاليف الأبحاث والتطوير.

وطالب «أبوالعينين»، بضرورة إنشاء مناطق صناعية متخصصة، لتشجيع توطين تلك الصناعات، وتصدير الفائض منها للخارج، مع العمل على زيادة القيمة المضافة للصناعة المصرية، وتوطينها فى مراكز إنتاجية مختلفة فى مصر، وخلق صناعات كثيفة العمالة، للقضاء على البطالة وتوفير فرص عمل للشباب.

وأشار إلى أن مصر تمتلك إمكانيات تؤهلها لتكون مركزاً للتصنيع والتصدير فى مختلف الأسواق، خاصة أنها تمتلك اتفاقيات تجارية تسمح للمنتجات المصرية بالنفاذ إلى كل التكتلات الاقتصادية العالمية، مطالباً بضرورة ترويج مصر لفرص الاستثمار المحلية والاستعانة بشركات عالمية للترويج بشكل أفضل، خاصة بعد تطبيق مصر لبرنامج الإصلاح الاقتصادى خلال الفترة الأخيرة.

وفى السياق نفسه، قال إبراهيم العربى، رئيس غرفة القاهرة التجارية، إن الدولة تسعى جاهدة لتعزيز جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، عن طريق إنشاء مدن صناعية متخصصة كثيرة وذات كفاءة وجودة عالية فى مجالات متنوعة.

ويرى أن هذه المدن المتخصصة ستسهم فى خلق فرص عمل كبيرة بالإضافة إلى أنها ستُدر عملة أجنبية من خلال توسع النشاط التصديرى، الأمر الذى سينعكس بالإيجاب على أداء الميزان التجارى وميزان المدفوعات، ويدعم بشكل كبير جهود التنمية.

وأشار «العربى» إلى أن هناك خريطة مرسومة بشكل مناسب لهذه المدن لتعزيز أهميتها وكفاءتها، كذلك مراعاة التنوع فى الاختصاصات وإقامة بنية تحتية قوية خاصة قطاع الصناعات الملوثة للبيئة لتتناسب مع المعايير البيئية العالمية ودعم الاقتصاد الأخضر.

وأكد أن الدولة تمتلك الإمكانيات والقدرات اللازمة لهذه المدن، مشيداً بأكبر مجمع صناعى لإنتاج الأسمنت والرخام والجرانيت المقام على أرض بنى سويف، خاصة أن المجمع الصناعى يضم 3 مصانع كبرى للأسمنت تنتج 20% من إنتاج مصر من الأسمنت، الأمر الذى يشجع على إقامة المزيد من المصانع المتخصصة فى هذه المنطقة.

فيما علق معتز بهاء الدين، العضو المنتدب والرئيس التنفيذى لشركة مدينة دمياط للأثاث، على أن توطين الصناعات فى محافظات مصر المختلفة أصبح أمراً سهلاً خاصة فى ظل تنامى التكنولوجيا التى تعمل على تحريك الصناعة.

وأكد إمكانية تطبيق تجارب مشابهة لمدينة دمياط للأثاث فى جميع المحافظات، مشيراً إلى أن تجربة الأثاث فى دمياط لها طابع خاص، حيث إن التصنيع يتم بشكل يدوى، مما يتطلب عمالة مدربة تتميز بالمهارة والحرفة.

وذكر أن مدينة دمياط تنتج 50% فقط من الأثاث فى مصر، وأن 30% يتم إنتاجها فى المدن الجديدة والصعيد وطنطا، ونحو 20% يتم إنتاجها فى القاهرة.

وأوضح أن كل محافظة لديها ميزة نسبية فى صناعة مختلفة، مستشهداً بمحافظة الفيوم التى تمتلك عمالة منخفضة الأجر، وبها نسبة بطالة مرتفعة، مما يجذب الصناعات كثيفة العمالة كالصناعات الغذائية إلى هذه المحافظة، كما أن صناعة الملابس فى مدن القناة تكون أفضل من غيرها باعتبارها أماكن تصدير رئيسية فى مصر.

وأضاف أن مصر تمتلك قلاعاً كبيرة فى صناعة الملابس كمدينة المحلة الكبرى، وكفر الدوار، مضيفاً أنها من الصناعات التى لا تحتاج إلى عمالة مدربة بشكل كبير، إلى جانب صناعة الألومنيوم فى محافظة قنا، والصناعات الكيماوية فى جنوب مصر.

وقال المهندس خالد أبوالمكارم، رئيس المجلس التصديرى للصناعات الكيماوية، إن فكرة توطين الصناعات هى فكرة منتشرة فى جميع أنحاء العالم، ولكن عدم تطبيقها بالشكل المناسب يخفض من عوائدها، وقد يحولها لعائق للنمو الاقتصادى، وليس محفزاً له. وأضاف أن توطين صناعة الغزل والنسيج فى مدينة المحلة الكبرى حقق نجاحاً كبيراً حتى نهاية فترة التسعينات، موضحاً أن التعديلات المشوهة التى لحقت بالقوانين عقب هذه الفترة، كانت سبباً فى عدم استمرار هذه النجاحات، إلى جانب سلبيات قانون الاستثمار القديم مما أدى إلى هروب معظم المستثمرين للمدن الصناعية الجديدة، مشيراً إلى أن منطقة الروبيكى لصناعة الجلود ستكون أكبر دليل على نجاح توطين الصناعات والتى ستجنى ثمارها خلال العام المقبل.

كما أكد أن سياسة التوطين تحتاج إلى مناطق عمل قريبة، من الأسواق المستهدفة، حيث إن بُعد مناطق العمل يؤدى لزيادة تكلفة المنتج فى النقل، مما يؤثر على سعر المنتج النهائى وبالتالى انخفاض فى الطلب، مشيراً إلى أن الصناعات الكيماوية بدأت فى تطبيق سياسة التوطين فى صناعة البلاستيك بمنطقة مرغم بالإسكندرية، وفى صناعة البتروكيماويات فى «سيتى كريتف » بالإسكندرية.

وفى هذا الصدد، أكد شريف الجبلى، رئيس الجمعية المصرية لشباب الأعمال، توجه الدولة خلال الفترة الحالية للمشاريع المتعلقة بالتوطين والتجمعات الصناعية، ويتضح ذلك من خلال طلب الرئيس عبدالفتاح السيسى ضرورة تعميق التصنيع المحلى، وتوفير ما تحتاجه المشروعات من صناعة محلية، والتقليل من الاستيراد لكل ما يمكن أن ينتج محلياً، الأمر الذى يشجع على جذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية فى تلك المدن للتوافق مع توجه الدولة.

وأضاف أن هناك مدناً مصرية متخصصة حققت مستوى نجاح عالياً محلياً، بل واتجهت للعالمية من خلال تصدير منتجاتها، مستشهداً بمدينة دمياط التى حققت نجاحاً غير مسبوق فى إنتاج وتصدير الأثاث الخشبى، مشيراً إلى إنتاجها ما يقرب من ثلثى إنتاج الأثاث الخشبى فى مصر بجودة عالمية.

وقال محمد خميس شعبان، رئيس جمعية مستثمرى السادس من أكتوبر، إن نجاح توطين الصناعات يتوقف على دراسة كل محافظة للموارد والخامات والخبرات المتراكمة لديها، وذلك على غرار تخصص مدينة دمياط فى صناعة الأثاث، والسجاد فى أسيوط.

وأضاف أن وزارة التجارة والصناعة تعمل فى الوقت الحالى على دراسة إمكانيات كل محافظة لتتمكن من تحويل كل محافظة إلى إقليم له موارده ومصروفاته الخاصة، مشيراً إلى أنه سيتم عقد مجموعة لقاءات فى محافظات الصعيد مع رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، وسيتم البدء بمدينة سوهاج يوم 13 نوفمبر المقبل لدراسة كافة إمكانياتها ونوعية الاستثمارات التى تحتاجها، منوهاً أنه تم تكليف رئيس جمعية مستثمرى سوهاج بتجميع كافة المعلومات لكى تصبح فرص النجاح بها أكبر.

وأكد «شعبان» أن الاستثمار فى الصعيد لديه بعض المشكلات، أبرزها أن الحصول على رخصة التشغيل يستغرق وقتاً طويلاً نتيجة اشتراط توافر سند ملكية للمستثمر، موضحاً أنه لا توجد مشكلة فى نقل المنتج النهائى، حيث إن نقل الخامات يكلّف أعلى من نقل المنتج النهائى، وتتسم محافظات الصعيد بتوافر العديد من الخامات والموارد فيها. وتابع أنه عند اختيار المناطق الصناعية يتم التركيز على عامليْن: توافر المنتجات الخام وقربها من المصانع، وثانياً مدى تقارب المستهلكين، ويرى أن توطين صناعة الحديد والصلب من المفترض أن تكون فى جنوب مصر لتوافر المواد الخام، وصناعة الأسمنت فى سيناء حيث تمتلك 80% من خامات الأسمنت، وسيؤدى ذلك إلى حدوث طفرة فى الصناعة بالإضافة إلى إحياء المنطقة لتوافد العمالة فى سيناء وزيادة عدد سكانها.

وطالب سامى سليمان، رئيس جمعية مستثمرى نويبع، رجال الأعمال أبناء كل محافظة، بدعم وتعميق الصناعة التى تتميز بها محافظاتهم، وعلى الدولة أن تقوم بدور مساعد لدعم هذه المحافظات.

وذكر سليمان، أن المنطقة الحرة بنويبع، ستخدم مشروع نيوم السعودى الذى يقع فى مواجهة نويبع، إلى جانب منطقتى العقبة وإيلات وهما من المناطق السياحية الكبيرة، بالإضافة إلى مرور الأجانب على مدينة طابا ونويبع لزيارة سانت كاترين، مما يتطلب عرض جميع المشغولات اليدوية التى تنتج فى مصر.

وأوضح أن الحكومة وافقت على إقامة منطقة حرة بنويبع على مساحة مليون متر مربع لتوفير 14 ألف فرصة عمل، تتيح العديد من مجالات الاستثمار وإقامة المشروعات وإتاحة الفرص التصديرية إلى جانب الخدمات الملاحية، وتصنيع الأثاث الخفيف لخدمة القرى السياحية وتصنيع الأدوية نظراً لتوافر الأعشاب بالمنطقة.

وشدد على ضرورة اهتمام كل محافظة بما تتميز به لتكون مُصدّرة لهذه الصناعة، مما يقضى على معدلات البطالة ويرفع من صادرات مصر للخارج، مشدداً على ضرورة نقل تجارب الدول الأوروبية لتطبيقها فى مصر.

وعلى مستوى قطاع الطاقة، قال حافظ السلماوى، خبير الطاقة، إن توطين الصناعة أحد أهم أهداف برنامج الطاقات المتجددة، بالإضافة إلى زيادة المكون المحلى المصرى الذى يشتمل على تصميم محطات الطاقة وتركيبها وتنفيذها وتوريد وتصنيع المعدات، لما لها من أهمية كبيرة فى زيادة القيمة المضافة للاقتصاد القومى، وتعمل على خلق فرص عمل أكبر، ونقل التكنولوجيا.

وأوضح أن منطقة جبل الزيت فى السويس تعتبر أفضل المناطق من حيث سرعات الرياح واستمرارها بشكل كبير طوال العام والتى لا تقتصر فقط على الصعيد المحلى ولكنها من أسرع المناطق على المستوى العالمى، مشيراً إلى أن توطين محطات توليد الكهرباء فى منطقة جبل الزيت يحتاج مزيداً من التوسع.

فيما أكد «السلماوى» أن برامج الطاقات المتجددة تقوم بتحديد المواقع المتميزة التى تعمل على إنتاج طاقة الرياح بصورة أرخص نظراً لارتفاع تكلفة التكنولوجيا المستخدمة بشكل كبير، مضيفاً أنه توجد مناطق جديدة لتوطين طاقة الرياح تتمثل فى منطقة غرب النيل الممتدة من جنوب بنى سويف إلى أسوان، ومنطقة الواحات الخارجة لامتلاكهما معدلات رياح عالية.

وعلى صعيد آخر قال وائل النشار، رئيس مجلس إدارة شركة أونيرا سيستمز، إن توطين الطاقة الشمسية فى منطقة واحدة يعد أمراً غير مرغوب فيه، ومن الأفضل أن تتوزع فى جميع أنحاء مصر لتقليل الضغط المولّد من خطوط الضغط العالى، موضحاً أنه من الضرورى أن نتجه فى العمل إلى أسطح المنازل والمبانى التى تعود بالنفع على الدولة نتيجة استغلال الأسطح بطريقة سليمة.

وأشار إلى أن مدينة بنبان فى أسوان تعد من أهم مدن الطاقة الشمسية فى مصر لاحتوائها على أكثر من 2 جيجاوات من الطاقة، مضيفاً أنه من الأفضل استغلال تلك المنطقة مع التركيز على إنشاء المحطات الصغيرة والمتوسطة للطاقة الشمسية على مستوى الدولة، لأن إجراءاتها تنفذ بشكل أسرع، حيث إنها تحتاج إلى نحو 100 كيلو وات فقط، وبالتالى يتم تحقيق المستهدف فى وقت أقل.

تصوير - عبدالحميد عيد

إبراهيم العربى

معتز بهاء الدين

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.