الركود سيد الموقف.. وتجار: «المحلات مليانة هدوم.. ومفيش زباين»

الباعة يجذبون الجمهور بالبضاعة الأرخص.. و«الباسوسى»: كلها مستوردة من بلجيكا وإيطاليا وألمانيا.. وسعر «الكونتر» من 4 إلى 12 ألف جنيه «المنياوى»: «أعرض البضاعة التعبانة والرخيصة على استاند بره المحل والحاجات الأكثر جودة والغالية جوه عشان أجذب الزباين»

El Watan - - ملف خاص - ملابس البالة

محلات كثيرة وحوامل أكثر تنتشر فى كافة أرجاء سوق الملابس المستعملة التاريخى بمنطقة بولاق أبوالعلا، المعروف بـ«وكالة البلح»، منذ الساعة 10 صباحاً يومياً، ليبدأوا التجهيز وعرض الملابس لانتظار الزبائن، حيث تختفى اللافتات وما عليها من أسماء المحلات وسط ملابس البالة التى تملأ المنطقة، سواء خارج المحلات أو داخلها، والمعلقة على السلاسل والأعمدة والحوامل المعدنية. ومهما امتد البصر لن يرى سوى الملابس وبعض الأوراق مكتوب عليها «ممنوع الفصال» أسفل سعر كل قطعة.

شاب جاء برفقة أصدقائه، وأخرى جاءت مع زميلتها أو والدتها، وأب اصطحب أفراد أسرته وجاء بهم إلى الوكالة، الجميع يحاولون الفوز بقطعة الملابس التى يرغبون فى شرائها والتى تناسبهم فى السعر والمقاس، بالإضافة إلى أن تكون ذات استخدام سابق خفيف. جميعهم فى حاجة إلى حظ كبير من أجل اقتناص الأفضل، مع بذل الجهد فى البحث لاكتشاف العيوب فى بعضها قبل شراء القطعة، يُقلّبون الملابس بدقة شديدة، يتركون ما يرونه غير مناسب، ليبدأوا نفس الرحلة فى محل أو فرشة أخرى.

أمام أحد تلك المحلات يقف «سيد الباسوسى،» 55 عاماً، يستند على أحد حوامل الملابس المعدنية فى انتظار وصول الزبائن إلى محله، لديه 4 محلات بالوكالة ويعمل داخلها منذ 25 عاماً، يتحدث عن الملابس بالوكالة قائلاً: «الملابس دى مستوردة، وأهم الدول اللى بنجيب منها بلجيكا وإيطاليا وألمانيا، ودلوقتى بقى فيه دبى كمان، وبعدها بيبقى فيه فرز للملابس دى لمستويات وفقاً لجودتها ولنوعها خلال معامل فى البلد الأم، وبعد كده الهدوم دى بتنزل بورسعيد، والتاجر بيروح ياخد البالة من المخازن هناك»، موضحاً أن غالبية تلك الملابس تخرج من أوروبا على أنها إعانات للكنائس، وعندما تصل إلى مصر يصبح لها سعر، متابعاً: «البالة بتبدأ من 4 آلاف وحتى 12 ألف جنيه، وبيفرق بين اللبس الشتوى والصيفى عدد القطع داخل البالة لأن الملابس الشتوى بتبقى أتقل من الصيفى، والبالة بيبقى وزنها 50 كيلو، ولما ملابس البالة بتوصلنى هنا بأبدأ أفرز الشغل وأقسمهم على حسب جودتهم عشان أحط لهم أسعار .»

وعن أسعار ملابس البالة داخل وكالة البلح أوضح «الباسوسى» أنها لم تعد فى استطاعة الزبائن خلال الفترة الحالية، مما أثر بشكل كبير على حركة البيع والشراء بالسوق، مضيفاً بنبرة غاضبة: «اللى كان بينزل يشترى 4 قطع بقى بيشترى قطعة واحدة بس، لأن الغلاء ده عم على الكل، والوكالة أكبر المتأثرين بارتفاع سعر الــدولار، لأن كل اللبس مستورد من الخارج»، مشيراً إلى أنه توجد بالوكالة ملابس ذات ماركات عالمية شهيرة لا يستطيع الزبائن إيجادها فى أماكن أخرى، وهو ما تتميز به الوكالة عن غيرها من الأسواق، والملابس تناسب كل الطبقات وليس الفقيرة فقط، وعلى سبيل المثال يبدأ سعر البالطو من 75 جنيهاً، وحتى 700 جنيه، والبنطلون الرجالى من 75 جنيهاً وحتى 200 جنيه وفقاً لجودته، قائلاً: «نوعية الزباين اللى بتيجيلى من أقل مستوى لأعلى فئة فى المجتمع، سواء لاعبين كورة وممثلين مشهورين بييجوا هنا كتير، والفنانة القديرة سعاد نصر كانت زبونة عندى، لأن الملابس جودتها كويسة وماتلاقيش زيها تانى بره،» ويختتم «الباسوسى» حديثه مؤكداً أنه مجبر

إنجلترا وألمانيا وفرنسا وتركيا أهم الدول التى تستورد منها مصر البالة. سوق وكالة البلح، التى أنشئت عام 1880، المقر الرئيسى والتاريخى لبيع الملابس المستعملة. ي �ب �دأ س�ع�ر ال�ق�ط�ع�ة ال� �واح� �دة للملابس المستعملة من 15 جنيهاً، وتعتبر الأقل فى الخامة والجودة. «الاس�ت�وك» هى ملابس جديدة لم يسبق استخدامها ولكن انتهت موضتها، وتتميز بارتفاع أسعارها. لم يقتصر حاليا بيع البالة بالوكالة فقط بل انتشرت بالكثير من المحال بالمناطق المختلفة وعلى السوشيال ميديا.

على تخفيض أسعار البضاعة قليلاً أملاً فى تقليل نسبة الخسارة. يحاول كل بائع داخل وكالة البلح عرض بضاعته بشكل يجذب انتباه الزبائن، حيث يضع غالبيتهم البضاعة الأقل سعراً خارج المحلات على الحوامل المعدنية، وتبدأ أسعار تلك النوعية من الملابس من 15 جنيهاً، وتكون أقل فى الجودة والخامة من باقى القطع، فيما يحتفظون بالملابس ذات الجودة العالية داخل المحل، ذلك ما يفعله أحد أصحاب المحلات «شريف المنياوى»، 35 عاماً، ويعمل داخل وكالة البلح منذ عام 2006، قائلاً: «بحط البضاعة التعبانة أو الرخيصة على استاند بره المحل، والحاجات الأكثر جودة والغالية بخليها جوه المحل، عشان البضاعة اللى بره تجيب الزبون وممكن بعد ما ياخدها يبقى عاوز يشوف اللى جوه، وأهو ده يسند مع ده شوية». يصمت «المنياوى» قليلاً ثم يستكمل حديثه قائلاً: «بصراحة مابنزّلش فى سعر البضاعة مهما قل البيع، لأنها تفضل عندى ويرفع سعرها أحسن ما أبيعها بخسارة ومابقاش عارف أجيب تانى، وأنا مش حمل أى خسارة، وأهو اللى اتباع اتباع واللى قعد عندى خلاص»، مشيراً إلى أنه كان من الممكن فى الماضى أن يقلل من سعر بعض القطع لأنه وقتها كان حجم المبيعات كبيراً والأسعار مستقرة، على عكس ما يحدث فى هذه من الفترة من عدم الاستقرار فى التجارة بشكل عام.

يعمل لدى «المنياوى» بالمحل 4 أفراد، يحصل كل منهم على يومية قدرها 100 جنيه، بإجمالى 400 جنيه فى اليوم مخصصة لليوميات، وفقاً لـ«صاحب المحل»، متابعاً: «بخلاف اليوميات أنا بدفع حوالى 50 جنيه على الكهرباء فى اليوم، وفى المقابل ممكن أبيع فى اليوم بضاعة بـ1000 جنيه بأقصى تقدير، وبالتالى بيبقى المكسب قليل خالص مش زى الأول»، موضحاً أنه فى نفس الفترة ولكن فى العام الماضى ووسط أعياد الأشقاء المسيحيين لم يكن يستطيع أحد المرور من خلال سوق الوكالة نتيجة حركة البيع والشراء التى لم تكن تتوقف نهائياً، قائلاً بنبرة حزينة: «كانت الدنيا حلوة وماشية حلو، وده اللى بقى مش موجود دلوقتى.»

يشير «المنياوى» بأصابعه إلى الزبائن ليبدأ الحديث عنهم قائلاً: «دول بقوا بيطلّعوا روحنا عقبال ما يشتروا حاجة دلوقتى، ده كان الأول تقول له دى مثلاً بعشر قروش يطلع الفلوس على طول، بس بصراحة برضو أنا بعذر الزباين لأنهم مش معاهم أصلاً، لأنى أنا واحد منهم وعايشين كلنا فى دولة واحدة وعلينا نفس الالتزامات ومخنوقين من ارتفاع أسعار كل حاجة»، موضحاً أنه يحصل على تلك الملابس من خلال التجار الكبار الموجودين بالوكالة والذين يحصلون عليها من خلال السفر إلى محافظة بورسعيد. ويتطرق «الرجل الثلاثينى» فى حديثه إلى «الملابس ذات الماركات المعروفة والعالمية» قائلاً إنه بالفعل يجد بعضاً منها وسط بالة الملابس أحياناً: «بصراحة بتبقى قليلة جداً، وبخليها ليا أو لحد من اخواتى أو زبون دايم عندى فى المحل هنا، وممكن وسط موسم الشغل يطلع لى 4 أو 5 حتت براندات، على عكس زمان كنا نفتح البالة كنا نلاقيها كلها ماركات معروفة».

«البالطو الحريمى بعناه بـ100 جنيه».. «أولادى أطفالى بـ10».. يرددها أحد البائعين واقفاً إلى جانب أحد الحوامل المعدنية فى منتصف الشارع. وبالفعل تقترب منه إحدى السيدات وتنجذب نحو ملابس الأطفال وتقرر شراء إحداها لطفلها الصغير عقب فحصها جيداً، فيما لا يخلو سوق البالة بوكالة البلح من النقاشات المتبادلة بين الزبائن والبائعين، محاولة من الزبائن للوصول إلى أفضل سعر يناسب إمكانياتهم المادية، وهو ما أكده «محمد إبراهيم»، 47 عاماً، يعمل داخل الوكالة منذ 30 عاماً، جالساً على كرسى خشبى ويدخل فى نقاش مع أحد الزبائن على سعر أحد الأقمصة الشبابية، قائلاً: «غالبية الزبائن اللى هنا بتبقى على قد حالها شوية، ولازم يفضلوا يفاصلوا معانا فى الأسعار لأنه محتاج الحاجة وعايز يوصل لأقرب سعر يقدر عليه.»

يعانى «إبراهيم» من تراكم الديون كحال باقى أصحاب المحلات بالسوق، قائلاً: «بيبقى علينا ديون كتيرة لأننا مش بنجيب حق الشغل ده كله، والمحلات كلها دلوقتى بقت مليانة شغل وملابس ومفيش زباين، واللى بيكسب من ملابس البالة تجار بورسعيد مش بتوع وكالة البلح، لأنه هو اللى بيجيب الحاجة وبيوزعها هنا فى السوق للتجار وأصحاب المحلات، واحنا بقى اللى بناخدها منه ونبيعها، ولا بنعرف نلم الفلوس اللى بندفعها، لأ وكمان بنخسر فيها، واحنا وحظنا بقى، والكسبان الوحيد تاجر بورسعيد»، موضحاً أن موسم الشتاء بالنسبة له 3 أشهر فقط، وفور اقتراب الموسم من نهايته يطالبه تاجر الجملة بحقه، مضيفاً بنبرة حزينة: «مش بيبقى فى إيدى حاجة أعملها له، وبدفع له جزء من الفلوس عشان أقدر آخد منه هدوم لموسم الصيف، وأحاول أضم الاتنين فى بعض، لأنى مجبر آخد منه بضاعة عشان الموسم اللى داخل عليا، وهو كمان محتاج يوزع بضاعته برضو .»

حالة من الركود أصابت البيع والشراء فى سوق ملابس البالة بالوكالة، وفقاً لـ«إبراهيم»، متابعاً: «عشان السوق اللى نايم ده ببقى مضطر إنى أنزّل فى سعر الملابس شوية، لأنى عندى مصاريف كتيرة وعمال وميّه، ودفعة لازم أدفعها للتاجر الكبير فى ميعادها، أو على الأقل جزء منها، والدنيا السنة دى هادية عندنا من بداية فصل الشتاء»، وأشار «الرجل الأربعينى» إلى أنه وسط البالة الواحدة يجد الكثير من الملابس التى لا يستطيع بيعها بسبب كثرة العيوب بها: «بيبقى فيها قطع كبير مثلاً، ودى بقى بنرميها على طول، وكده خلاص ببقى خسرتها وبحاول أعوضها فى قطعة تانية تكون حلوة .»

«فطير بالجبنة الرومى والقديمة والعسل والمربى..» «الـذرة السخنة يلا الطازة بـ2 جنيه»، جمل يرددها الباعة الجائلون الذين ملأوا منطقة بولاق أبوالعلا، مارين بالمحلات والزبائن بحثاً عن لقمة عيش داخل سوق الوكالة الذى يمتلئ بالتكاتك والموتوسيكلات لأنهم وحدهم من يستطيعون عبور ما تبقى من الشارع وسط المسافات القليلة المتاحة، وإذا قرر صاحب سيارة العبور بسيارته سيحتاج إلى وقت طويل يضطر خلاله إلى استخدام «كلاكس» من أجل حث المواطنين على الابتعاد عن الطريق. وداخل السوق يوجد تجار جملة إلى جانب القطاعى، ففى إحدى الحارات المتفرعة عن الوكالة يجلس «محمد» الشهير بـ«أبوآدم»، 32 عاماً، برفقة أحد الشباب ممن يساندونه فى العمل، يراجعان الحسابات داخل أحد المخازن الصغيرة، ويعمل «أبوآدم» فى تلك المهنة منذ 8 سنوات، حيث ورث العمل بذلك المجال عن والده الذى عمل لسنوات طويلة بالوكالة، ويرى «الرجل الثلاثينى» أن المكسب من وراء تجارة ملابس البالة يقدر بملايين الجنيهات يستحوذ عليها المستوردون الكبار، مضيفاً: «إحنا عاوزين الحكومة هى اللى تستقبل الملابس دى ويبقى عندها أكتر من معمل داخل مصر، بدل المعامل اللى بتنضف وتعقم الملابس وبناخد منها من بره مصر، وتبقى الحكومة هى المسئولة عن دخولها وضبط تلك النوعية من التجارة داخل مصر، وفى الوقت ده الكل يستفيد، إحنا كتجار لأن الأكبر مننا مش هيتحكموا فينا وهما المستوردين الكبار، وكمان الحكومة هتطلع لها نسبة من التجارة دى، وبكده نقدر نقلل من كميات البالة اللى بتدخل مصر متهربة»، مشيراً إلى أن البالة ثروة علينا استغلالها والاستفادة منها.

تدخل ملابس البالة مصر بـ«الكونتر»، وهو يساوى 520 بالة، وأغلى بالة المفروض سعرها 2000 جنيه، لكن فى الفترة الحالية وصل سعر البالة لـ12 ألف جنيه، وفقاً لـ«أبوآدم»، متابعاً: «بجيب أنواع البالات، سواء الرخيصة أو الغالية، على حسب السوق ماشى ازاى والجو العام، كنا الأول نجيب البالة الرخيصة نلاقى فيها لبس كويس، لكن دلوقتى بقى فيها أردأ أنواع الملابس، ولازم أرضى كل الطبقات، لأنى بوزع لمحلات كتيرة فى مناطق مختلفة»، مؤكداً أنه فى الماضى كانت محلات الوكالة هى الوحيدة التى تبيع البالة، لكن حالياً أصبح هناك الكثير من الأسواق والمحلات بمناطق مختلفة مثل شبرا مصر وإمبابة وأرض اللواء وبولاق الدكرور والقللى والدويقة وعزبة النخل وحلوان والسيدة زينب: «فيه محلات بتحط الملابس فى مغسلة وتبيعها على أساس إنها جديدة، وهيقول أصل دى آخر حتة، وبيبيعها على أساس إنها ماركة ومحدش يعرفها، والزباين هتتجذب ليها أكتر». وبمرور الساعات تزداد الحركة وأعداد الزبائن داخل السوق مع غروب الشمس، ليعطوا أملاً لأصحاب المحلات فى تعويض الركود الذى يضرب البيع فى الفترة الأخيرة.

سوق الملابس المستعملة بالوكالة

شريف المنياوى

محمد إبراهيم

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.