عماد متعرائدبعزا.. سيد قراره!

النجم القدير أمام اختيارين إما الإقرار بالأمر الواقع وإما شد الرحال فى يناير

Elfariq - - مقالات - raedazzaz@hotmail.com

معظم نجوم كرة القدم العالميين يتمتعون بصفة الصراحة مع النفس التى تدفعهم لاتخاذ قرار الاعتزال أو الانتقال للعب فى مستويات أقل حين تهبط كفاءتهم الفنية والبدنية، نتيجة تقدم العمر أو تعدد الإصابات المؤثرة، بينما يستميت كل اللاعبين العرب والمصريين فى التشبث بمواقعهم على البساط الأخضر حتى أبد الآبدين، رافضين الاعتراف بحقيقة أن للسن أحكامه وكل وقت وله أدانه.. هذا التباين يعكس بوضوح الفارق الثقافى بين الطائفتين.

الناقد الراحل نجيب المستكاوى كتب مقالاً جريئًا أواخر الستينيات طالب فيه صديقه صالح سليم بالتقاعد فورًا، عندما لاحظ عدم قدرته على مواصلة العطاء بنفس المردود السابق.. الجماهير البيضاء هتفت ضد قائد فريقها حمادة إمام وناشدته الرحيل حينما قل مستواه بشكل ملحوظ بعد أن تجاوز عمر الثلاثين، وتكرر ذات المشهد أوائل الألفية الثالثة مع نجله المبدع حازم إمام.. المدافع الشهير بوبو تجاهل فى أواخر أيامه بالملاعب كل الانتقادات التى وجهت إلى أدائه المتراجع، وأصر على البقاء داخل صفوف الاتحاد السكندرى، مما دعا الإدارة إلى إخباره صراحة أنها تريد الاستغناء عن خدماته.. حسن على حارس المرمى الأكروباتى لجيل الترسانة الذهبى، ظل متمسكًا بمكانه حتى لاحقته صافرات الاستهجان فى كل مكان.. أسماء أخرى شهيرة حاولت تأجيل لحظة الاعتزال إلى أجل غير مسمى، لكن حكم الزمن كان أقوى وأسرع.

المهاجم القدير والهداف الخطير عماد متعب المولود فى فبراير عام ١٩٨٣ صعد إلى الفريق الأول بالنادى الأهلى قبل أن يبلغ السابعة عشرة، بفضل موهبته المتميزة التى أجبرت حسن شحاتة على اختياره ضمن قائمة منتخب الناشئين المشارك فى مسابقة أمم إفريقيا نسخة بوركينا فاسو سنة ٢٠٠٣، ومن بعدها مونديال الشباب بالإمارات الذى شهد تألقه اللافت وتسجيله هدفًا عالمياًّ يشبه هدف مارادونا التاريخى داخل مرمى إنجلترا. النجم الصاعد الواعد حصل على فرصته كاملة خلال الموسم التالى عقب إصابة أحمد بلال، وتمكن من التتويج بلقب هداف الدورى ليصبح أصغر لاعب فى تاريخ القلعة الحمراء ينال هذا الشرف، الذى جعل الجمهور ينادى بوجوده الدائم داخل التشكيلة الأساسية، وهو ما تحقق بالفعل طوال سنوات طويلة رغم تعاقد النادى مع عناصر محلية وأجنبية عديدة زاحمته بشراسة على احتلال مركز رأس الحربة، لكنها لم تفلح أبدًا فى انتزاع مكانه أو مكانته حتى وقت قريب.

متعب الفائز بخمس وعشرين بطولة مع فريقه أصبح الآن خارج القائمة الأساسية والاحتياطية بصورة شبه اعتيادية، مما أثار غضبه الشديد ودفعه لتعمد افتعال سلسلة من المشكلات والأزمات كان أبرزها: تقاعسه عن الاستجابة لأمر مارتن يول بإجراء عملية الإحماء استعدادًا للمشاركة فى آخر دقائق مباراة يانج أفريكانز المقامة على استاد برج العرب.. رفضه حضور مراسم تسلم الميداليات التذكارية الخاصة بمواجهة روما الإيطالى.. تغييبه المتكرر عن التدريبات بحجج واهية لم يقتنع بها أحد، وأخيرًا صدامه العلنى مع حسام البدرى خلال تحضيرات الأسبوع الماضى بملعب التتش. مجلس الإدارة والجهاز الفنى غضا الطرف كثيرًا عن تلك التجاوزات احترامًا لتاريخ اللاعب الكبير الذى ما زال مصراًّ على مواصلة الضغوط الرامية لفرض وجوده، مستعينًا فى ذلك بكتابات أصدقائه الصحفيين وهتافات أنصاره المعجبين المدعومة بتغريدات أقاربه المقربين، رغم أن الواقع والوقائع يؤكدان عدم امتلاكه حالياًّ مقومات اللياقة البدنية التى تؤهله للقيام بمهمة المهاجم الأوحد أو حتى لعب مباراة كاملة بالمستوى المطلوب، مع كامل الاحترام لإمكاناته الفردية ومهارته التهديفية التى كانت سببًا رئيسياًّ فى إحراز الانتصارات المدوية على الساحتين المحلية والدولية. النجم القدير يقف خلال اللحظة الراهنة أمام مفترق طرق وأمامه اختياران لا ثالث لهما: الأول هو الإقرار بالأمر الواقع والاكتفاء بلعب دور الكابتن من خارج الخطوط، قبل أن يعلن اعتزاله نهاية الموسم، والثانى هو شد الرحال إلى فريق آخر خلال فترة الانتقالات فى يناير المقبل. الشائعات رشحت انتقاله للزمالك خلال أيام معدودة، والتوقعات رجحت انضمامه قريبًا لوادى دجلة، والأنباء أكدت وجود عرض مقدم له من المهندس محمود طاهر بتولى منصب إدارى حال إقدامه على إنهاء مشواره داخل القلعة الحمراء، وبذلك تبقى كل الاختيارات مطروحة أمام عماد الذى يبدو أنه يعانى من حيرة بالغة ومشاعر متضاربة تجعله مترددًا فى تحديد وجهته القادمة. الأصوات المطالبة باستمراره فى الملاعب تستشهد بسابقة عودة العملاق عصام الحضرى لحراسة مرمى منتخبنا الوطنى بعد أن تخطى سن الثالثة والأربعين، وبواقعة نجاح الأسطورى حسام حسن خلال كل التجارب التى خاضها عقب الرحيل من الأهلى، أما المعارضون فيرون تلك المقارنات غير موضوعية لأنها تتجاهل الفوارق الشخصية بين الاسمين المطروحين وباقى اللاعبين، الذين لا يتمتعون بنفس العزيمة القوية أو الإرادة الحديدية التى جعلت من عصام وحسام نموذجين استثنائيين يصعب تكرارهما على الساحة الرياضية فى شتى بقاع الكرة الأرضية. عماد متعب هو سيد قراره وبالطبع لا يملك أحد منا الحق فى فرض شىء عليه، لكن من واقع تقديرى العميق لهذا الإنسان الخلوق والكابتن المرموق الذى كثيرًا ما أمتعنا بموهبته الطاغية سأتوجه إليه بالأسئلة الآتية، راجيًا أن يجيب عنها بنفسه ولنفسه قبل أن يتخذ خطوته التالية: لماذا لا تستعين برأى ناصح أمين لا ينتمى لشلة المنتفعين أو جماعة المهللين؟ هل تعتقد أن استمرارك فى الملاعب فترة أخرى سيضيف إلى رصيدك الحافل أم سيخصم منه؟ كيف ستتخيل نفسك وأنت ترتدى قميص فريق يحمل لونًا آخر غير الذى تعودت عليه منذ أن كان عمرك ١٢ عامًا؟ ألا تعلم أن عضوية مجلس إدارة الأهلى مقصورة على أبنائه الذين لم يتركوه أبدًا؟ ألم يحن الأوان للنجم الفنان أن يرتاح من تعب السنين ويتفرغ لرعاية تمارا وسيلين؟

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.