Elkalima

مقتل النقراشى يمهد النقسام اإلخوان والصراع بني البنا والسندى

- عاطف عبداللطيف

عقب أيام قليلة من إصدار محمود فهمى النقراشى باشا أول قرار بحل جماعة اإلخوان املسلمني، تم اغتياله فى 28 ديسمبر ،1948 على يد اإلخوانى عبداملجيد أحمد حسن بالرصاص.

ومن باب التضليل والخداع، أصدر البنا، بيانا تحت عنوان «هذا بيان للناس»، أثنى فيه على «النقراشي»، واستنكر اغتياله وتبرأ من قاتليه، لتهدئة الرأى العام ضد الجماعة. لكن لم تمض أيام معدودة حتى قام التنظيم الخاص بالتخطيط لتفجير محكمة االستئناف بمنطقة باب الخلق فى وسط القاهرة، فى 16 يناير .1949

ليتم نشر البيان الشهير بعنوان: «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمني»، الذى تبرئة فيه البنا من الحادث اإلجرامي، عبر صحيفة أخبار اليوم.

الحقيقة الغائبة فى هذا املشهد، والتى كشفتها عناصر إخوانية أن البنا لم يكتب هذا البيان لكن تم إجباره عليه وفق مفاوضات تمت داخل مكتب مصطفى مرعي، وزير الدولة فى حكومة إبراهيم عبدالهادي، فى مقر مجلس الـوزراء الواقع حاليا فى شارع قصر العيني.

املفاوضات التى قادها مصطفى مرعي، بتكليف من رئيس الوزراء حينها، وبتشاور مع الكاتب الصحفى مصطفى أمني، استهدفت البنا بصفته الشخصية، إذ تم إبالغه أنه سيكون شريكا فى جريمة اغتيال النقراشى باشا، بتهمة التحريض على القتل، وأن سيلقى نفس العقوبة املقررة على منفذ االغتيال، فى حال عدم إدالئه باعترافات تفصيلية عن قيادات وعناصر التنظيم الخاص، وكشف أماكن اختبائهم، ومخازن األسلحة التى يتم استخدمها فى العمليات اإلرهابية التى نفذها التنظيم الخاص لإلخوان.

طالب البنا من صديقه الشخصى مصطفى أمني، مهلة كى يتخذ القرار، ويستشير بعض املقربني منه، وكان من بينهم الدكتور فريد عبد الخالق، الذى تحدث فى مذكراته عن بجزء من تفاصيل هذه الواقعة.

شعر البنا حينها أنه وقع بني سندان السجن، إذ لم يتم الكشف عن تفاصيل التنظيم السري، وبني مطرقة هذا التنظيم املسلح الذى ربما لن يتورع فى التخطيط الغتياله شخصيا، السيما أنه تلقى تهديدات بالقتل عبر خطابات وصلته من قيادة التنظيم الخاص، فى حال كشف أسرار الكيان املسلح، أو واإلبالغ عن أسماء عناصره، وأماكن األسلحة ومحطة اإلذاعة السرية.

وفى امليعاد املقرر لتحديد الشكل النهائى للتفاوض، اجتمع كل من حسن البنا ومصطفى مرعي، ومصطفى أمني، داخل مكتب األخير بمؤسسة أخبار اليوم، اتخذ البنا كعادته قرارا باملراوغة من الفخ السياسى الذى نصبته له حكومة إبراهيم عبد الهادي.

إذ أبلغهما قــراره بإصدار بيانا يعلن فيه تبرئته من العناصر املنفذة لعملية اغتيال النقراشى باشا، دون أن يكون محرضا عليهم، تجنبا لرد فعلهم املتوقع.

اتفق األطـراف الثالثة على بعض النقاط األساسية والتى اقترحها مصطفى أمني، على حسن البنا، بعد استشارته لصديقه الكتاب الصحفى محمد حسنني هيكل، الذى كان يتابع تفاصيل اجتماعات التفاوض باهتمام.

شعر مصطفى أمني، أن البنا لن يكتب أو يقدم بيانا يعبر عن توجهات الحكومة املصرية، فقام هو بصياغته بنفسه، وطالب البنا بالتوقع عليه، واختار عنوانا مختلفا تماما، عكس ما طرحه البنا، الذى اعتاد على إصدار بيانات اإلخوان تحت مسمى»هذا بيان للناس»، ليستقر مصطفى أمـني، على عنوان صحفي، يحمل مضمونه توجهات الحكومة املصرية، ويعبر بشكل مباشر عن محتوى البيان.

تحدث عن تفاصيل وقائع تفاوضات البنا مع حكومة عبد الهادى باشا، محمود عساف، مؤسس مخابرات اإلخـوان، ومستشار عبدالرحمن السندي، قائد التنظيم الخاص، فى مذكراته «مع اإلمام حسن البنا»، الصادر عام ،1993 الذى كشف عن حجم تفاوضات البنا مع الحكومة املصرية وامللك فاروق، للخروج من أزمة اغتيال النقراشى بأى طريقة.

فقال نصا: «وعندما قررت حكومة النقراشى حل اإلخوان املسلمني استجابة لتعليمات امللك واإلنجليز، كان اإلمام حسن البنا حريصًا على مقابلة امللك فاروق بأى وسيلة ولو فى السر، وقال لى إنه إذا تيسر له مقابلة امللك فإنه قادر بعون الله تعالى على قلب امليزان املعوج وجعله فى صالح اإلخوان».

كما كشف عن جـزء منها شيخ مؤرخى اإلخـــوان محمود عبدالحليم، فى كتابه «اإلخــوان املسلمون.. أحـداث صنعت التاريخ»، من أن البنا تم الضغط عليه كى يصدر بيانا بعنوان: «هذا بيان للناس»، أثنى فيه على «النقراشي»، واستنكر قتله.

ويستكمل عبدالحليم: (وبعد حادثة تفجير محكمة االستئناف بالقاهرة، اضطر األستاذ حسن البنا أن يصدر بيانا أدان فيه العنف، تحت عنوان: «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمني»).

كما أورد جزء من هذه الرواية الدكتور ثروت الخرباوى فى الجزء الثانى من كتابه «ســـر امل ـع ـب ـد»، الــــصـــ­ـادر عـن الهيئة العامة للكتاب فى يناير .2019

كـــانـــت هـــذه البيانات مجرد تـقـيـة لـلـهـروب من األزمـة التى لـحـقـت بالبنا نفسه، أمـال فى أن يتمكن من إعـــــادة ترتيب أوضـــــــ­ـــــــاع الجماعة، ال سيما بعد أن

سيطر عبدالرحمن السندى على التنظيم الخاص وأصبح املتحكم الرئيسى فى الكيان املسلح، فى الوقت الذى فشل فيه البنا فى اإلطاحة به من رأس التنظيم.

ما يعنى أن بيانات اإلدانة التى أصدرها البنا كانت لتحقيق عدة أهداف منها، التهدئة مع الحكومة والتغاضى عن قرار حظرها وعودة ممتلكاتها بعد التحفظ عليها، وغسل سمعته من اإلفتاء بقتل رموز الدولة، إضافة للخالص من عبدالرحمن السندى ورجاله ، واستعادة السيطرة على التنظيم الخاص.

لكن كان بيان مصطفى أمـني، بمثابة املسمار األخير فى نعش حسن البنا، حيث حقق رجال التنظيم الخاص تهديداتهم باغتياله، وإلصاق التهمة بالحكومة املصرية وامللك فاروق.

ما يؤكد حقيقة هذه الرواية، ما ذكرته جريدة األهرام فى العدد 2280 السنة 75 بتاريخ 21فبراير 1949 عن مقتل حسن البنا، وكتبت األهرام فى صفحتها األولى: «اإلخوان املسلمني هم الذين قتلوا حسن البنا، ألنه كان ينوى إبالغ الحكومة عن مكان األسلحة ومحطة اإلذاعـة السرية، وأن وزارة الداخلية تلقت من الشيخ حسن البنا خطابًا بعنوان (ليسوا إخوانًا.. وليسوا مسلمني)، وجه فيه اللوم إلى الذين ارتكبوا الحوادث املاضية، وأشار إلى حادثة محاولة نسف مكتب النائب العام».

وتضيف جريدة األهرام: ..« هذا وقد علمنا أنه كان قد أرسل منذ أيام خطابًا آخر إلى وزارة الداخلية يعلن فيه عن اعتزامه تسليم املحطة السرية واألسلحة وغير ذلك مما تحت يد اإلخوان إلى السلطات املختصة، وأنه على أثر ذلك تلقى خطاب تهديد بالقتل إذا أذاع أى سر من أسرار الجماعة».

هذه األقوال تؤكد صحة اغتيال التنظيم الخاص لحسن البنا، بعد علمهم بتفاوضه مع الحكومة املصرية على إرسال قائمة بعناصر التنظيم الخاص الذى كان يرغب فى الخالص منه واستبدالهم بعناصر جديدة تدين له بالوالء بعد أن انفرد عبد الرحمن السندى بقرارات التنظيم. وفى مفاجأة أخرى عن مقتل حسن البنا، نشر موقع «العربية نت» يوم 21 فبراير 2008 تحقيقا صحفيا، أورد به كالما على لسان القيادى السابق فى النظام الخاص لإلخوان، محمد نجيب، نفى فيه اتهام امللك فاروق وحكومته باغتيال حسن البنا، قائال: «الحقيقة املؤكدة أن امللك فاروق بريء من هذا االتهام، وبريء من دم البنا، ولم يشارك أو يسعى فى قتله، وهذا ال يعرفه إال عدد قليل جدا من قيادات اإلخوان، مات معظمهم ولم يتبق منهم إال القليلون.. الحقيقة البد وأن تظهر مهما مرت السنوات، فامللك فاروق كان له دور كبير جدا مع اإلخوان، وهذا رأيى فى امللك فاروق ولدى ما يدعمه، وأعتذر لقيادات اإلخوان؛ ألننى أعرف جيدا أنهم ال يتفقون معى فيه، بل وربما يثير هذا الرأى مشاكل داخل الجماعة».

ووفقا للراحل الدكتور رفعت السعيد فى دراسته التى قدمها تحت عنوان «جماعة اإلخوان.. مسيرة الصعود هبوطًا»، أشار فيها إلى أن سجل تشريفات قصر عابدين يوم 14 نوفمبر 1951 أورد قائمة بأسماء قادة اإلخـوان الذى سعوا لتقديم الــوالء للملك فــاروق، وهم املرشد الثانى املستشار حسن الهضيبى، وشقيقه عبدالرحمن البنا، وصهره عبدالحكيم عابدين، وصالح عشماوي، وعبدالقادر عودة، وحسني كمال الدين، والشيخ محمد الغزالي، وعبدالعزيز كامل، وجميعهم أعضاء فى مكتب اإلرشاد العام لإلخوان.

فإذا كان امللك فاروق هو من خطط الغتيال حس البنا، فكيف لقيادات الجماعة، أن تذهب وتعلن والئها املطلق للملك فى قصره.

فى حني يشير صالح شـادى مسؤول قسم الوحدات فى التنظيم الخاص، والــذى كـان فى نفس الوقت أحـد كبار ضباط الشرطة املصرية، فى مذكراته التى نشرت بعنوان «صفحات من التاريخ.. حصاد العمر « الصادر عام 1987 عن دار الزهراء لإلعالم العربي، إلى الكثير من العبارات التى وصفت الشخصية الدموية لقائد النظام الخاص عبدالرحمن السندي، وانحرافاته النفسية، واستخفافه بحسن البنا، واستعداده لقتل أى إنسان يحاول االقتراب من موقعه فى قيادة النظام املسلح.

 ??  ??

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt